رسكلة الغبار - قصة قصيرة - بقلم الأديبة/ هادية حساني - تونس

 بقلم الأديبة/ هادية حساني
- تونس 


مقدمة :
وستبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته .. 

************************************************

رسكلة الغبار
في ذلك اليوم الأيلولي الساخن، كان " فرج" يضرب ذات الأرض الغبراء يقود وراءه هزائمه، ويدفع أمامه بالعربة ذات العجلتين التى تنوء تحت حملها: كيسان كبيران يكادان ينفجران عن قوارير البلاستيك الفارغة بطريق ترابية، صلبة، متعرجة، وتحتهما قطع نحاس جمعها من أكداس القمامة التي تركها خلفه لكن رائحة العفن والدخان لا تزال تعاند أنفه الذي  أدمنها..
رأسه مركب للأفكار الراتعة والخيالات الماثلة كأنها جوهر الحقيقة..عندما وصل الطريق المعبدة، زفر زفرة نفث معها ما م
كابده في تلك الطريق الوعرة بٱهتزازاتها، يتصبب عرقا كمن أخرج رأسه من فم مرجل، قطرات العرق الساخنة تجد لها سبيلا وسط ظهره المنحني، فالشمس ٱرتفعت ساخنة رغم خروجه في غبش الفجر حتى لا تسبقه جحافل " البرشاشة" يداه تدفعان ، ورجلاه تلاحق العجلتين الدوارتين،أنفاسه تتقطع،  يلهث، يداعب النوم جفنيه، ورغبة في التوقف تلح عليه، لكن صوتا بداخله يحثه فيبعث فيه بعض القوة.. رؤى الماضي تطرف مبرقة أمام عينيه.. الإحساس نفسه يجتاحه وهو يحوم مادا ملفا غص بالأوراق، مغمغما بنفس الكلمات:
_  أبحث عن شغل..مهندس في الطاقة..
 الرجلين الثقيلتين نفسها يجرجرها، يطرق أبوابا فتصده، يجوب الشوارع، فيسلخها وتسلخه إلى أن ييأس..
لكنه اليوم يجري بلا توقف. الوقوف هو موت، موت بطيء مع الفاقة و" الماريخوانا"..
و الصوت نفسه يخاطبه من الأعماق، يذكره، يغرز فيه ألسنة مخزية، كما الذباب يقع على الجيف يرشف دمها..
_ لا تأسف ها أنت تعالج طاقات الأرض..! تكلم لا تصمت البلاستيك والنحاس أليست طاقات !؟
لا ينبس بكلمة، لقد مل سخريته، يحس بشفتيه تتشققان، وبحلقه جاف، مر،  لسانه يتلمظ يبحث عن جرعة ماء، يعيده ذلك إلى علاته الأولى وهو طفل في قريتهم وذلك الجفاف والعطش..يتذكر حين يصل العين مع أخته، ينطلق بالمنحدر كالسهم ليطفئ لهيبه:
_ لا تشرب يا فرج وأنت ساخن..فرج.. فرج يعيش خويا  ما تشرب ! تصيح أخته فتردد الجبال صدى صوتها.
_ تماما يومي كأمسي أرى الماء وأنا عطشان ولا أشرب ! أنا مهندس الطاقة،  أنظر إلى هذه الأراضي المهملة، إلى شهادتي، إلى خيباتي وإلى سنواتي المهدورة..
يدفع ويدفع العربة للخلاص،،لكن طريقه تطول وتطول..

سيارة سوداء،فارهة، تخفض سرعتها،ينتفض،تعيده للحظته، تسير بتؤدة محاذية له، يخرج من نافذتها علم البلاد مرفرفا، صورة ضخمة لرجل : للحظة الأولى خاله حقيقة، كأنه رجل الأساطير، العملاق سيهجم عليه،  لولا تلك الإبتسامة المصطنعة، والنظرة الباردة، التي لا روح فيها، وتلك اليد الملوحة كمن يلقي السلام، كأنه يعرفه، لكن سرعان ما أدرك أنها مجرد صورة للدعاية الإنتخابية، الرئيس، يمكن أن يكون الرئيس المنتظر..سيادة الرئيس يبتسم له ! ياللحظ ! يحييك أنت يا "فرج" تخيل أن يكلمك الرئيس مباشرة..!
تبسم بسخرية، وواصل الدفع لا شيء غير الدفع..
يطل رجل، شعره فاحم، لامع، بقميص ناصع البياض، تدغدغ أنفه رائحة عطر رفيع، يبتسم،  تماما كٱبتسامة الرجل الصورة.
تمتد ورقة بٱتجاهه، حين وقعت عليها عيناه، لم ير إلا تلك الصورة، الرجل المبتسم دائما..وهو يحييه،  وجاءه الصوت رخيما مع الورقة :
.
_ أهلا أخي..صوت للدكتور(البهلاوي) ونعدك بشغل...شغل قار ومريح..!
لكنه يشيح بنظره ولا يتوقف، يدفع ويدفع لا شيء غير الدفع للخلاص..
يشعر بالكلام يعتمل بحنجرته،يحاول لفظه،فتنقطع به السبل، يرى الصور تعتريه عدوا وحبوا..
تنم عنه ضحكة رغم أنه يريد البكاء، كأن عقله لا يشتغل الا رجعا لعلاته القديمة، يرى نفسه بلباس صيفي في شتاء بارد، حافي القدمين، و هو يبكي ولا يعرف السبب، أمه تهدهده، تحاول تهدأته ولكنه يواصل البكاء،،لا شيء غير البكاء..
يجمجم:
إمممممممم...
يأتيه الصوت بنبرة أكثر جدية :
_ يا سيدي هذه فرصتكم..صدقني..يمكن أن ننظم  هذا القطاع ونعينك مسؤولا..
تنم عنه ضحكة:
 _ مسؤول  " البرباشة"
_ لا يا سيدي بل مسؤولا عن مجمع " رسكلة النفايات وتدويرها " لكن بشرط  تهنينا أن كل  "البرباشة" يصوتون لمرشحنا..
_ وأنا عندي شرط أيضا !
_نعم..نعم.. تفضل ماهو شرطك ؟
يصمت " فرج" فيستحثه :
_ نعم أسمعك سيدي الكريم..
_ ثلاثمائة ألف دينار.
_ كم !؟
يتوقف عن الدفع، وتتوقف السيارة..
يرفع رأسه بٱتجاهها فيبدو شاحب السحنة  كالأموات..
_ ثلاثمائة ألف دينار لزرع كبد، بدل كبدي التي أكلتها أكداس القمامة..
ترتخي اليد الممدودة،تسقط الورقة كسقوط ورقة التوت الأخيرة، تنطلق السيارة تنهب الأرض نهبا..
تهب ريح ساخنة،تحمل الورقة وسط سحابة من الغبار الأصفر، تتبعها" فرج" بعينين كابيتين، ونظرة يائسة، وهي تحط فوق جدول ماء متعفن يشق الإخضرار،تزكم أنفه رائحته النتنة .
لكنه يواصل الدفع.. ولا شيء غير الدفع...

#رسكلة: إعادة تصنيع وٱستعمال بعض المواد مثل البلاستيك
 #" البرباشة" : الذين يجمعون موادا من أكداس القمامة لبيعها

************************************************

نص بسيط جميل ابدعت الأديبة في استثمار أدواتها وموهبتها فخرج النص بهذه الصورة اللامعة، دام الإبداع والتميز أديبتنا المتألقة ، موفقة دائما ان شاء ألله تعالى. 

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم