ثأر - مجموعة قصص قصيرة - بقلم الأديب/ عصام الدين محمد - مصر

بقلم الأديب / عصام الدين محمد 
- مصر


مقدمة :
وستبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته.

**********************************************

1- ثأر
يقفر الدرب من الناس،أخطو مرتاباً،أثب كالملسوع،تكبلني المباغتة بالتخبط،أزم مخارجي خشية تدفق الخراء،تلتاث عدستا عينيّ في محجريهما،يقرع النبض متلاحقاً كالناقوس،يفح نافوخي وهج التجمر،تنغرس قدماي في قرص الكُعّل/روث البهائم ،لا أفكر في التخلص من أثاره،تنقر الفراخ أرغفة الشمس النيئة غير المختمرة،يحفر عود البوص المتحرك - بأياد مندسة خلف الجدر-دائرة تلف وجه كل رغيف.
تنبح الكلاب الهائمة،جميع الأبواب مغلقة،أزمجر هلعاً،أرتكن جوار حائط متهدل،المشهد يذكرني بصور اعتقدت اندثارها:
"يثور أبي محتداً:
حرام يا حاج.
يفزع عمي مرتجاً،يضرب كفاً بكف،يسحل أرنبة أنفه،يسخر:
ولكنه الدم يا شيخ محمد.
أنزلق من حجر أبي،أحضن الأرض،يسّف وجهي التراب،أتمرغ،يعقف عمي حاجبيه،ينثني جزعه يميناً ويساراً،يعتصره التألم قائلاً:
ينهشني شبابه بمخالب مسنونة.
يزوم،يركل باب المندرة مغادراً،ينهضني أبي،يلقي بي في حجر أمي،يهرول خلف أخيه."
رصاصات الميزر ترعبني،تلبّخني بالرعشات،يحيق بي الموت،تشدني يد خفية،أنكفئ علي وجهي خلف الباب الموارب،تسنكر الباب بعنف،أتدحرج مندساً خلف شكاير الكيماوي،تمد إليّ كوز مياه،أشرب،أظمأ،أعب الماء مبللًا قميصي،أتجشأ،أتقيأ،أشرب للمرة الألف،أجلس فوق حافة الدكة،أمدد جسدي،تتسخ الشلتة ببقايا الروث،أتمطى جالساً،تبادرني موبخة:
(جاي لمين) يا مسكين؟
أستجمع بعض الشتات مجيباً:
لعم أحمد العكف،أحضرت له فلوس من ولده الشغال بالعراق.
تداري فمها بالطرحة السوداء،وكأنها تواري عورة الكلام،تنظر إلي شذراً،تترامى إلي مسامعي المنتهكة نبرات مبحوحة،تتباعد الطلقات،تجرجر العجوز تجاعيد الزمن مغادرة،تنشده عيناي في المندرة،تتراص الدكك العتيقة،تكتظ الزوايا بالهراوات الغليظة،تحتوي الدكة المواجهة لي ثلاث بنادق،تزاحمها أكياس البارود،تصطنع نفسي الهلعة الهدوء،يحضر لي ولد صغير كوب شاي،أشرد مستحلباً مرارة الشاي:
"يكوم الجد رزم البنكنوت،يهم عمي للقبض عليها،يسبقه أبي،ينثر الفلوس،تفترش الديوان،يزعق الجد:
ما الذي فعلته يا ولد؟
يعقب العم:
أفسد الأزهر عقله.
ينصح أبي:
بلغ المركز يا خال.
يتهكم الجد:
تحقيق،قتل خطأ،شهران أو ثلاثة حبس.
يتفلسف عمي:
القصاص عدل.
يضغط أبي علي مخارج الحروف:
القصاص بيد ولي الأمر.
يتوجع الجد:
الحكومة مشغولة عنا.
يعقب أبي:
لا تكر يا خال،ودع الأمر لله.
تستعجل جدتي ما يشفي صدرها من الغل،يتقاعس جدي متقلقلًا حائراً،أسدل الليل العماء،تكري جدتي الملثمين لوئد الخزي،هكذا تعتقد!
وفي المساء،تَكتّف رجليه بحبل غليظ،تنسي العمر الفائت،لا تعترف بوجعه الذي يفوق وجعهها،والبنت البكرية تكمم الفم،الجدة تحز الزور بنصل حاد،يجرش الملثمون عظامه بالمدقة.
تتكاثف الأنات في الصدور والمآقي،يغربل الندم النفوس.
تُغرف الأشلاء في المقاطف،يتسربون في حيطة وحذر إلي المقابر،يحفرون علي عجل المقبرة،يقذفون الأشلاء الواحد تلو الآخر،يقلبون النثار في الحفرة.
وسجل المحقق:
اشتدّ حنقها،ففقدت صوابها،اجتثّت- بعنت- عشرة العمر الطويل.
ماذا بقي لها سوى الحزن السرمدي؟اغتالت وليدها مدية الغفلة وشقاوة الصبيان،تسابقوا في العوم،فاز صغيرها،تخطى الجميع،وقبل أن يتوج بالأمارة انغرس سن المطواة في سوته،جسده تسربل بالدم،والرفاق ذاهلون،فروا جميعهم،لم يفصحواعن القاتل المعلوم للقرية والهارب بعيداً.
وها هي تسفك دم عجوزها،لتدفن ماضيها ومستقبلها."
يتجهم الوجه العبوس،يطق شرراً،يتنحنح،يزلزلني بعينيه،يمخض في جلبة،يتسمر مشدوهاً،يشير بأن أتبعه،يخرج من الدار،ترسو البندقية فوق كتفه الأيمن.
يخرج الأطفال من الجحور،ينتشرون في الدروب،تحمل الحمير أرماس البرسيم،تبرطع البهائم العائدة فرحة بالهدنة،يخترق الأزقة في صَلِفّ وتحدي،أتبعه كالظل،تترقب العيون المندسة فوق أسطح الدور المشهد،يشق عُباب الأرض،ينزلق بين الأزقة كالأفعوان،يتوقف،ينده صبياً،يسلمني له.
يندارعائدا منتصباً شامخاً،أتخطى زحام البط والأوزحول الترومبة،يحتفي الكهل بمقدمي،أطمئنه علي الأبن الغائب،أدس في يده المظروف،يتكدر قائلاً:
حضورك بصحبة عسران حفظ دمه من الإراقة.
أشار لصغير،سحبني خلفه،يلج درباً،يدلف إلي زقاق،يعبر طريقاً،أجدني علي قارعة الجسر،ها أنا بمفردي،أذن لاخجل من البكاء،فلتدع الدموع تسح،انتظر قليلاً لتهدأ جوارحك.
أعود إلي حيثما أتيت،أنقذف في حضن ذكرياتي،يلفظني حضنها،تنشغل بتطريز حكاية سمر.

********************************

2-   

وشاية

يطلب المدير فجأة دفتر الحضور والانصراف، تذهب إليه متسكعًا، يبادرك:
 خذ الدفتر إلى المكتب الفني.
 تصعد ستين سلمًا، أنفاسك تلهث، جسدك يأن خمودًا:
 ماهي جريرتي ؟
 غلبنى الوهن، وغادرتني البطولة، تكلست حوائط نفسى جميعها.
 جهز نفسك للعقاب.
 ريشى منتوف ومافي مسامي موضع لجرح جديد.
زخم الهلاوس يكبل خطوك بتكرار التوقف، ترتعش ركبتاك، يطلبون منك ترك الدفتر:
 لماذا الهوس بالدفتر؟
 آه تذكرت ـ الآن ـ أن عبدالرحمن أتصل بى قائلا:
 المتضاهرون يقطعون الشوارع والميادين،والجو ملبد بالغيوم، أيمكنك أن توقع لى قبل حضور المفتش؟
فكرت في الأمر، أقنعتنى حجته، لم أتريث، وقعت بدلا عنه وعن زميلين آخرين.
 أدركت ـالآن ـ أن اللوحة تلطشت ببقع سوداء، والعقاب سيأتي لامحالة.
عدت إلي الإدارة وذهني مشتت، أؤنب نفسي، تهرسني المخاوف، تقلقني الهواجس، هذا الرجل القابع خلف مكتبه لن يرحمني، سيصنع مني أمثولة وأضحوكة، لكل موظف ، سبق وأن أصدر قرارًا بإيقافي عن العمل شهرين كاملين.
لم أسع لمقابلته واستعطافه حتي يعفو عني، والآن سنحت له الفرصة للتشفي ،جلست فوق مكتبي منتظراً:
أيمكن لسفينتك أن تنجو من فوران الأمواج؟
 لم تمر نصف ساعة وطلبني للمثول ، يتفصدني الارتعاش، أتلعثم وكأنني لم أتعلم الكلام بعد، تارة أشجع نفسي بالتهوين من الحدث، وأخري أتوعدني بفصل الرقبة، دقائق وتجدني واقفًا أمامه، يبادرني بالقول:
أين عبدالرحمن و رجب والششتاوي؟
أستلهم آيات الكذب، الإنكار سيد الأدلة، أهينم:
 لا أدري.
يمتلئ المكتب بالضيوف، بأمر قاطع يستكتبني مذكرة:
وقع الموضحة أسمائهم إدناه حضورًا، وبالسؤال عنهم تبين خروجهم دون إذن، مما يستدعي معاقبتهم .
غادرت الغرفة،انزويت بعيدًا ، توجعني المطارق، أتقزم،  الوشيش يصم آذاني:
 لماذا الكذب:
 النجاة في الصدق.
 ألم توقع لهم؟
 بلي.. ولكن أليس من حقي مراعاة ظروفهم ؟
 من أنت؟
يتثاقل الوقت ، تستدعي الاتصالات المتوالية الغائبين ، أتشبت بطوق النجاة، وعلي أسوأ الفروض الجزاء الإداري لن يكون كالقتل ، أعابث جوارحي المتقدة، أذرع الإدارة طولًا وعرضًا، ربما تقضي الحركة علي التوتر، ترديه قتيلًا، شهيدًا، جريحًا ومخبولًا.
قدم الثلاثة، رسمت لهم التوقيع كما بالدفتر، وأقنعتهم أن الإقرار بالتوقيع وإن كان مزورًا يعفي من المسئولية، وعليهم أن لا يضعفوا أمام المحقق، ويحتاطوا من حيل الترهيب.
 صعدوا إلي الأمانة العامة، لكي يثبتوا حضورهم لحمًا ، ويبرروا غيابهم، تمر ساعة، ربما أكثر!
 أفكر ـ جديا ـ من هو مفجر قنبلة الوشاية؟
 أتجول بين الأوجه القابعة خلف الحاسبات.
 أيمكنك سبر أغوار النفوس واستنطاق الواشي؟
جميعهم يُظهرون آيات الامتعاض، ولا أدري من الصادق ومن الكاذب، والشئ اللافت للتدبر هو تكاثر المفتشين حينما يٌسند إليّ الدفتر، فانت ـ الآن ـ علي يقين أن هناك من يسعي جاهدًا لزحزحته من بين يديك، والسؤال الملح أيمثل لك  شيئا جوهريًا وحيويًا، أيضيف إلي اسمك لقبًا جديدًا، أيدفعك للترقية؟
من اليسير أن تدرك وجود الكثيرين الذين يكرهونك، يبتسمون في وجهك وحين الغفلة يفجرون جمجمتك ، ماذا يريدون؟ ظروف وظيفتهم لن تتكرر ثانية، يتقاضون أجراً كاملاً مرتفعاً مقابل نصف ساعات العمل ، وزملائهم الشباب علي المقاهي يتجرعون البؤس والفاقة، الآن لاتقل أنني أنحرف لأتعصب ضد وجودهم، ربما يكون أعلانك هذا الموقف أمامهم اكثر من مرة مدعاة لمثل هذه التصرفات الانتقامية!
يستجوبني:
 لماذا وقعت لهم ؟
أرد في آلية:
 لم أوقع لهم.
يستدعي المحقق ، يقول منتصرًا:
 عبدالرحمن أقر أنك وقعت له.
يلتقط الخيط قائلًا:
 من يكذب في حضوري جزاؤه عسير.
أعلق وجلًا:
 أعلم هذا جيدًا.
يرمي إلي حبل النجاة:
أصدقني القول وسأتغاضي عن التجاوز.
وكأنني في التيه، لا أعلم سبيلًا للنجاة. تنقلي علي المقاهي طوال شهرين كاملين يأز في نافوخي، افلاس البيت من الطعام يكبلني، نظرات التشفي والعبوس تلاحقني، لا مفر من الاعتراف:
 بالفعل وقعت لهم.
يسأل:
 لماذا أنكرت ؟
 رددت عليه قبل أن يجتاحه الغضب.
 مالم تعدني بالعفو ماتفوهت بالحقيقة.
عقب بإقتضاب.
 لا تكررها ثانية.
قدماي تسوخان فى رمال الوهم، كاد جسدى أن يتهاوى، لا وقت للتأنيب أو التأمل، جلست على الفوتيه المتاخم لحجرته ، أختنقت أنفاسى، وشحب لونى، وأرتجت أركانى، فالإنسان المحتل موقعه فى الفراغ فراغ، صورته هلامية، وكينونته عبث.
نزلت الشارع، عبرته بصعوبة، تباطئت الخطى، لمحت عبدالرحمن يتبعنى، فحاولت أن أمشى سريعًا حتي لا يلحق بي:
بذورى حلفاء كذب، وأرضى لا تطرح إلا نبتًا شيطانيًا.
حاذنى وأطلق قنبلته التبريرية:
لم أقصد الإساءة إليك.
أتسلل بين السيارات، أتوه فى الزحام ، ولكنه لا يدعنى أغيب عن عينيه، لن تفيد تبريراته، وخاصة أن كلا من رجب والششتاوى أصرا أمام المحقق أن التوقيع توقيعهما، والمقارنة بينهم فارقة، فعبد الرحمن لم يع أننى خدمته الخدمة الجليلة، صدقته وألتمست له العذر :
الميكروباص حائر لا يجد منفذًا للهروب، وتأخيره حادث لا محالة.
 بالطبع سافرت به الأهواء، ولبسه الخوف فاعترف أننى زورت له التوقيع، أيحق لى أن ألتمس له العذر؟
قد تطول المطاردة فأقول:
 الموضوع انتهى ولا داعى لنبش الرفات.
يصر لاستئناف الحجج:
 قال لى المحقق أنك كتبت مذكرة ستقضى على مستقبلى.
حضورك يدحض المذكرة.
يسعى لجرى إلى حوار، ربما يستفزنى ليقر بإنه لم يرتكب خطأ، تترى المشاهد والمواقف، كدت أن أقع أكثر من مره، تذكرت أننى عرجت على الصيدلية صباحا لشراء دواء ، ووعدتنى الطبيبة بجلب الدواء الناقص من إحدى الفروع،  فأتجهت إلى الصيدلية، وأثناء خروجى أعترض طريقى قائلًا:
 من الضرورى أن تسمع لى.
أجبته على الفور:
 لماذا لم تطلعنى على أقوالك قبل أن تقول لى إن الكبير يستدعيك للمثول ؟
 نسيت.
 لم تنس، بل سولت لك نفسك شيئا ما.
 بل غرر بى المحقق.
 عيب، دا أنت راشد.
لماذا تتهمنى أنني عاوز أوذيك؟
العتاب لن يغير الأمر، وما حدث كان نتيجة لغبائى.
قصدت المقهى ،  لبس المقعد جسدى ، وللأسف تعقبنى وجلس فى مواجهتي ، أنطفأ مشعل النقاش، أريد الأنفراد:
 طالت بى السنون ولم أتعلم شيئا ذا بال، تتفلسف بالقول أن الوظيفة لا تبنى مجدًا ولا تترتب عليها مكانه مرمرقة، ، ولكن الحوداث كشفت لك أنه هناك من يقتل تقربًا للسلطة، ولهؤلاء أدوات فتك .
 وفجاءة نهض من مقعده، يفتش جيوبه فى لهوجة وفزع، يسألنى:
 ألم تر الظرف الذي كان بيدي"؟
 أجيبه بتهكم:
 ركب جناحين وطار.
أمارات الخوف تكسو وجهه، يستطرد متعلثمًا:
فواتير علاج  وضياعها خسارة باهظة.
أقترح عليه:
 يمكنك الرجوع من ذات الطريق الذى أتيت منه، ربما تجده!
   
**********************************

3- دعامة
 أصطحب الشيشة إلى غرفة النوم، أدخن حجر معسل في عقب آخر، الفحم مشتعل نصف اشتعال، أشد النفس كأنني في نزعي الأخير.
ها هي الدنيا تتمرجح أمام ناظري، يتحرك الدولاب من مطرحه، يقترب، تعدو التسريحة لتعترض طريقه.
 نسمة نائمة، الجدران تأبى الثبات كأنها ملتصقة بالأثاث المتحرك، موسيقى الأدوات النحاسية ترن، تخترق أذني، ما بال حجر المعسل لا يدمع دخانًا،سكون، طرقات  تَئِده، يتحرك البساط صعودًا وهبوطًا، دقات القلب تزن، رنينها يئز كطائرة تهوي، أقع، صخب الموقف يتلاشى، أجرب النهوض، أفشل، بصوت واه أصيح على نسمة:
 لا أدري متى استيقظتْ من سباتها!
تخلع عني الجاكت، بأنامل وجلة تدلك صدري، تبللني ، أسافر:
أقصد (أبو الفتوح)، رباب تبيع البيرة، أهرول إلى عشتها، أتجرع الجعة، يهمد جسدي تمامًا، أراني أحمل مئات العدايات (الأقفاص) فوق كتفي، تتراص سيارات النقل في طابور لا نهاية له، تمر السنون والطابور لا ينفد، والخدر يُخفت أنين التألم، كالأراجوز تنط من حفرة إلى أخرى.
 يعتريني الصمت، ما زالت تهدهد جسدي المسجي، أغيب:
تجدني في البصرة، أحمل أوراق الجرد، وفجأة قلاب يطاردني، يفتش عن جسدي المختبئ، يلمحني منحرفًا بزاوية تتيح لبدني الانفراد والانعتاق ، السائق يدوس على البنزين، يشدني رحومة  لأرتمي في حضنه، والسيارة فص ملح ذاب.
أفتح عيني ودموعها تبلل وجهي، لا أملك كلامًا:
 ها أنا في تابوتي فوق الأعناق، الوجوم والحزن يرسمان وجه الأولاد، لا يدركون أدبيات الموقف:
 أيبكون؟ أيصمتون؟ 
 يحمل وجه كل منهم الأمارات، ونسمة تائهة زائغة النظرات بين النساء. 
يحاولون إنزالي من الفراش، ما زلت أملك قدرًا من الصمود، أتشبث بالوسادة، أهمس:
 لا أريد طبيبًا؟ دعوني برهة وستركبني العافية ثانية.
لم تتملكهم الشجاعة لحملي عنوة:
آه.. أيها الزمن التعس، أتتركني هكذا لسند أنامله رخوة!
 جسدي مضعضع كأنه عائد من سفريات قطار محطاته كهوف وصوامع آهات، تدفن نسمة رأسها في عبها، أسألها:
 ما الذي حدث؟
تهزمني النهنهات، لا أكاد أبين ملامح صوتها:
 أتموت لتتركنا؟
 الموت حق.
 ونحن ألسنا حقًا؟!
فى مساء اليوم التالي ذهبت إلى الطبيب ، هالته صور الأيكو، يطلب رواية ما حدث، في دقائق معدودة تقيأت الحكاية، عقب منفعلًا:
 أتدخن؟
 أدخن النارجيلة بشراهة.
 لا بد من القسطرة وتركيب دعامات؛ فالشريان التاجي مسدود.
 ألا تفيد الأدوية دون جراحة؟
 ليست جراحة كما تظن، مجرد ليلة بالعناية المركزة.
نصعد تاكسيًا إلى شبرا، فتاة الاستقبال تأخذ الأوراق.
أحتل مقعدًا فارغًا، يواجه باب المستشفى مقهى ، الرواد كُثر والأدخنة تتدفق من الأفواه.
 لأهرب وأتموضع فوق أحد مقاعدها، وأدخن كالآخرين.
تراودني الهواجس:
لن أغادر المبنى إلى البيت ثانية، لا أدري ما الذي يدور في ذهن الأولاد، يخشون تجربة حملي على الأكتاف ومواراتي التراب، منهم من يجرب ترديد  عبارات العزاء المعهودة، ومنهم من يلومني على إعلان التعب، فلا ينقصهم السقوط في دوامة المستحقات المالية المؤجلة، ومنهم من يُحملني فشله الدراسي ، في كل عقل حكايته:
 ألم أقل أن التدخين هو أمبول الدواء.
ساعة أو بعض ساعة وتنط كالقرد؛ مجرد دعامة لقلبك حتى لا ينهار، عشرات المرات أسقطتك الإغماءات ، ها هو الدكتور يعدو، نصف ساعة وتصعدون، بضع خطوات ويحتجزون الأسرة.
ها أنت وحيدًا وعاريًا ، يلبسونك كيس بلاستيك خفيفًا وشفافًا، يغرزون حقنة في الوريد، تفقد الوعي، يهرب منك الإحساس، تتسرب الدنيا؛ كل الدنيا، عوالم سرمدية لا حياة فيها، انطفأ العالم حولك فجأة، تعطلت الأجهزة، افتقدت الحواس كل وظائفها، يعود الوعي على زيطة؛ ثلاثة أطباء وخمس ممرضات يلتفون حول مقامك، مدد يا سيدي، بركاتك يا خالع اللباس، يقول الطبيب:
 أتخفي أمراضًا ؟
 لا ، لكن لا أتحمل مشاهدة الدماء:
(أحمد يترصده البعض ، يسقط أسفل إطارات سيارة نقل عملاقة، نحمله فوق الأكتاف إلى المستشفى ، الرأس مفلوقة نصفين، مجرد النظر إلى وجهه بطولة.
أقعد جوار الجسد فوق صندوق سيارة نصف نقل، تمرق كالصاروخ فأصرخ على السائق ليهدئ من سرعته، نصل إلى المشرحة، نحمله فوق أكتافنا، نثار اللحم البشري في الطرقات؛ مقاطف مليئة بالأطراف والرؤوس، ومنذ ذلك الحين يصيبني الإغماء حال رؤية الدم.)
يزفونني إلى غرفة الجراحة؛ متسعة، يتوسطها جهاز عملاق أبيض، ذراعاه طويلتان، يتوسطهما سرير، ينقلونني بين أيديهم لأتوسط السرير، يمدون يدي على استقامتهما بمحاذاة رأسي، أيادي تعبث بجسدي، يدفسون أشياء في شرياني الرئيسي الأيمن ما بين فخذي، ألمحهم يتحركون كالأطياف، مرت نصف ساعة وذراعاي يتعبان، أحاول تحريكهما، يزجرني الطبيب، يزعق في الممرض آمرًا إياه بالنفخ، يسألني:
 أصعيدي أم بحراوي؟
يحرك ذراعي الجهاز بعنف، يقول:
 ها قد انتهينا من الدعامة الأولى.
 أهمس: دقائق وتنتهي المسرحية.
 أترنم بأبيات شعر.
يعلق الطبيب:
 أترثينا؟!
 لا ولكنها خواطر الذاكرة المأزومة.
أفقد القدرة على إمساك الحروف؛ ما تخيلت أنني سأموت مثل هذه الميتة الرخيصة، الحركات يزداد صخبها، صوت حاد:
 بالونة.
يداي يا بوي؛ أين ذهب أبي؟
أسفل التراب، أي تراب؟
لماذا أخاف ذكره؟ 
 أتخشى اللحاق به؟ 
يعلن الطبيب عن نجاحه في تركيب الثانية:
أيها القلب الموءود، ألا تكفيك دعامتان؟ 
مللت النوم، الممرضة تعصر أقمشة الدماء، أنظر لأعلى حتى لا أرى الدماء، الأطياف تذهب وتجيء، أسأل: أين الطبيب؟ يأتي صوته من بعيد:
 جلطة قديمة تسد الشريان، سأحاول تسليكه .
العنف - هذه المرة - يسيطر على الموقف، يحركني يمينًا ويسارًا، يقول:
ألم تشعر قبلًا بالإغماءات؟
دعني في حالي، زهقت.
خشخشة نبرات هامسة، أنفاس محبوسة، يداي يعتصرهما الألم، ألم ينتهوا بعد؟ همهمات وجلة، الأوامر تتلاحق:
 بالونة.
صيحات الإعجاب تعلن عن نفسها، يصفق البعض وينثر الآخر عبارات الإطراء.
يجروني إلى غرفة العناية المركزة، يصلون صدري بكمبيوتر، ريقي جاف، يدثروني بالملاءة ، الساعات تمر كالسلحفاة، تتابع الممرضة الرسومات، وبعد ست ساعات ينزع الممرض الشرائط اللاصقة عن صدري وفخذي الأيمن، تشد الشرائط الشعر فتنسحب روحي، أتذمر فيتركني، يغافلني ثانية وهكذا دواليك طوال ساعات الليل، ينتزع أمبول حقنة طويلة من الشريان:
 ما هذا العته؟ أهذا الأنبوب الضخم كان بداخلي؟ 
 يلف الفخذ الأيمن بأربطة ؛ شاش وبلاستر، يشد  ويربط صانعًا كرة من الأربطة كبيرة، أسأله الذهاب إلى دورة المياه فيحضر لي مبولة، أحضر لي طعامًا، لم أتناول شيئًا، تفصلني الستائر عن الذي يجاورني، كل برهة يستدعي الممرض، يشكو البرد وقلة الطعام، يسأل:
 هل كتب لي الطبيب خروجًا؟ 
ما هي إلا لحظات ويتغوط فوق الفراش، يحملونه عنوة إلى الحمام، يعود وضحكاته صاخبة كأنه لم يفعل شيئًا، يطلب طعامًا ثانية.
قال الممرض:
 يمكنك التحرك الآن.
أنزع الأسلاك الملتصقة بصدري، أعبر الأسرة، حوانيت الموت مضاءة،أجساد مربوطة بالأجهزة ولا يمكنها تغيير وضعها، لا همسات ولا أنفاس؛ توابيت مفتوحة، ألج دورة المياه، أنظر في المرآة:
 إلى متى ستنظر إلى هذا الوجه؟ 
 شحوب يعلوه شحوب، ليس شحوبًا بل دعة وسكونًا:
 متى يغادرني هذا الوجه؟ 
ساعة أو بعض ساعة وتخرج من تابوتك.

************************************************
نصوص بسيطة جميل تستحق القراءة ، دام الإبداع والتميز أديبنا المبدع ، موفق دائما ان شاء ألله تعالى. 

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم