قراءة نقدية في المجموعة القصصية" يوم في برواز" للقاصة نبيهة محضور- بقلم الأديب/ على عبده قاسم - اليمن

قراءة نقدية بقلم الاديب / علي أحمد عبده قاسم
- اليمن



نعلم جميعا أن القراءة النقدية عملية قراءة نشطة وأعمق وأكثر تعقيدًا في التعامل مع النصوص  و هى عملية تحليل وتفسير لخبايا النصوص وإظهار مواطن القوة والجمال وكذلك مواطن الضعف في النص ليستفيد منه الكاتب والقاريء
وهكذا يكون النقد مهما للكاتب والقاريء
المهم أن يكون النقد بناء ويساعد الجميع بنظرة فاحصة عميقة راقية للنص
وأن يتقبل الكاتب وجهة نظر الناقد بصدر رحب ..
وليس كل من يقرأ عن ملامح النص يكون ناقدا، عديد من الأدباء يدخلون إلى النصوص بغرض عمل قراءة ، فيخرج من النص مهرولا، هاربا من هذا المستوى الراقي الذي لم يجد إليه مدخلا أو منه مخرجا، وهنا يبدأ في رحلته مع هدم النص من أساسه، ومحاولة اقتلاع الأديب من جذوره، 
أما والحمد لله لدينا أيضا الأدباء النقاد أصحاب الخبرة الواسعة والدراية اللامعة، والتذوق الواضح للنصوص التي يقومون بعمل قراءة لها ، ويستمتع القاريء بقراءته لهذا التحليل والتقييم كمتعته بقراءة النص أو أكثر فهو يغوص مع الأديب الناقد في أعماق النص مستكشفا لمجال وزمان ومكان ومقصد وفكرة لم تخطر بباله.. 
إلى القراءة الجميلة في هذه المجموعة..

************************************************

الزمن السردي في المجموعة القصصية " يوم في برواز " للقاصة/ نبيهة محضور

يعد الزمن العلامة الدالة على مرور الأحداث اليومية بوصفه إطارا للوقائع والأحداث ويتميز بالوحدة والانتظام ويعد في القصة والعمل السردي عموما عنصرا مهما يضفي الحيوية والتدفق للأحداث كما أنه مرتكز التشويق والجذب ويعطي الاستمرارية للأحداث ويعمل على تكوين الشخصية خاصة والراوي يلتقط الزمن الملتصق بالشخصيات والمرتبط  بحياتها الإنسانية بحيث يحول الحكاية لعمل مسرود .
والزمن يرتبط بالمكان ارتباطا وثيقا فالمكان وعاء الأحداث والشخصيات والمكان محدد باللحظة الروائية السردية. ولأن القراءة مرتكزة على  الزمن فإنها ستتناول أنواع الزمن في المجموعة القصصية " يوم في برواز" للقاصة اليمنية/ نبيهة محضور ونتناول ذلك  من حيث التسريع السردي والتبطيئ السردي أيضا.

- أولا المفارقة:

وهي محاولة الراوي الخروج عن التسلسل المنطقي للأحداث سواء بالرجوع بالأحداث للوراء أو استشراف المستقبل للتبؤ بأحداث جديدة وتنقسم إلى:
- الاسترجاع الخارجي: وهو العودة بالقارى إلى ماقبل بداية القصة
- استرجاع داخلي: وهو أن يعود الراوي بالقارئ إلى ماض لاحق لبداية القصة واسترجاع مزجي وهو الجمع مابين النوعين
وإذا تأمل القارئ نص " يوم في برواز"
ويحكي بلسان طالب جامعي وصف يوم تخرجه والتقاط الصور ببزة التخرج على التوظيف وتظل تلك صورة محاطة بإطار كذاكرة ومن اليأس يضعها الطالب واجهة لمحل عمله.

يقول النص:" وسط زغاريد الفرح التي زحمت بها أحدى قاعات الجامعة ابتهاجا بتخرج دفعة الأمل ، وقف الطلاب والطالبات ملوحين بقبعاتهم لالتقاط الصور التذكارية ليوم وصفوه بأنه الأجمل في حياتهم" ص60

وهذا استذكار خارجي عاد بالمتلقي لأحداث ماقبل بداية القصة  لينتهي بالقارئ لبداية القصة وهذا البداية تشويقية جاذبة ليصل بالمتابع إلى الاسترجاع الداخلي وهو مرور عشر سنوات على تخرجه وهو بلا وظيفه" هكذا وصف سعيد يوم تخرجه الذي مضى عليه عشر سنوات وهو يقف أمام برواز كبير يحتضن والذي اختاره ليكون واجهة لمحله"ص40
وإذا الاستذكار بالسرد يقاس بالسنوات والشهو فإنه سعته تقاس بالأسطر والصفحات
وكل استذكار يعود بنا لأحداث ماضية في القصة والاستذكار المزجي يقف بين الاسترجاعين ليخلق المفارقة مابين الفرحة بالتخرج والخيبة من تحقيق الأمل فخلقت المفارقة سخرية بين تسمية الدفعة بدفعة الأمل وبين اليأس في تحقيق الآمال والتطلعات وبين الصورة التي دلت على التميز عن المجتمع فكان الخروج من الجامعة عودة للمجتمع فسخر الطالب من ذلك التميز واتخذ من الصورة واجهة لمحله.
اختزلت الاسترجاعات التي أمتدت عشر سنوات في ثمانية أسطر ليفضي لتسريع في السرد وشد وجذب مابين المتلقي والراوي.

-ثانيا: الاستباق" الاستشراف"

وهو تطلع الراوي للمستقبل وماهو متوقع الحدوث في القصة وينقسم إلى استباق داخلي ويكون في القصة واستباق خارجي يتجاوز القصة وأحداثها. ويأتي كتمهيد لأحداث جدبدة في القصة وتوطئة لأحداث لاحقة والهدف جذب وتشويق القارئ لتوقع جدث سيأتي.
وإذا تأملنا نص" خمس شموع"
وهي قصة  بين زوجين تحكي برود مشاعر بحيث أصبح الزواج ذكرى يحتفل به الزوج ليتذكر  جمال يوم عرسه وزفافه ويقوم بعزومة زوجته  بعد مرور خمس سنوات على زواجها للاحتفال بذلك اليوم السعيد  ومن خلال حوار الزوجين يتحدث الزوج بالماضي بلفظ" كنتِ"  فتتوقع الزوجة تغير مشاعره ويحاول هو التبرير.

"-مازلت أتذكر تألقك بذلك الثوب الأبيض وكنتِ ليلتها كأميرة ألف ليلة وليلة وكنت متيما بك حد الثمالة.
- كنت هذه يعني أن مشاعرك تغيرت..!
- تغيرت مستحيل ياجبيبتي بل أزددت هياما بك" ص64

فكان الاستباق  في قول الزوجة" كنت هذه يعني أن مشاعرك قد تغيرت"
وهذا توقع من خلال الحوار الذي كرر فيه الزوج الفعل كنتِ مرتين "

وعند العودة للمنزل بعيد الاحتفال وتلك العزومة يعود الزوج للبيت غاضبا متغيرا آمرا ناهيا وصارخا برغم من أن المرأة قد أحرقت يدها وهي تعد غداءه إلا أنه مايزال  يصرخ.

"- ها.. أنت ياامرأة.. أين أنت ..؟
ويكثر من الصراخ
- تبا لك
- اسرعي بالغداء.
-زيدي من الفلفل الحار -اغسلي القات...
جهزي المتكأ" 65.

فكان الاستباق الداخلي غير المعلن هو  المفاجئ والصادم والذي تناقض مع حياة الزوجين والدعوة للغداء وتحويل المرأة لآلة أشبه بالخادمة وعدم تقدير لظروفها  وهو نهاية القصة الصادمة.
وبذلك كان الاستشراف عامل جذب وتوقع لأحداث جديدة وخروج عن الأحداث بالحدث الصادم ويدل على احتراف وقدراته القصصية.

ثالثا: تسريع السرد.

ويتمثل بالخلاصة والحذف.
فالخلاصة هي: سرد مسافة زمنية طويلة بمساحة نصية قصيرة فالراوي يختزل أزمنة سواء كانت سنوات أو شهور أو أسابيع بسطور وفقرات قليلة وقد جاء ذلك في أكثر من نص سواء في النصوص المدروسة سابقا أو باقي نصوص المجموعة ومن ذلك نص" وعد ووسام" وبسرد قصة أم توفي زوجها وورثها نركة من الأبناء كان أحدهم في الكلية العسكرية وحين رأى سيف أمه تبكي فقد أبيه وتبكي كثرة أبنائها غادر صبيحة اليوم الثاني لوفاة أبيه ليتحمل المسؤولية تجاه أمه وأخوته تاركا رسالة لأمه موضحا فيها سبب مغادرته فائلا: " سأعمل من أجلكم يجب أن يتخرج صالح من الكلية العسكري والدتي العزيزة عديني ألا تعملي في حقول الآخرين" 68
ويأتي موقف الأم من مغادرته فيمايلي:
"بكت الأم لفراقه سنوات عشر مرت يزورها خطابه كل شهر مع مبلغ مالي...
اليوم العرض العسكري صالح بأبهى صورة تمسح أمه على كتفه تمرر يدها في بزته العسكرية
تذرف دموع الفرح بتخرجه ولفراق الذي وفى بوعده لأخوته"ص68

وهنا استطاع الراوي أن يختزل أحداث عشر سنوات بسطور قليلة ومساحة نصية قصيرة  سواء من حيث معاناة الأم لفراق أبنائها أو معاناة الابن " سيف" في توفير ماتحتاجه أسرته أو من زواية  اجتهاد الابن وهو يدرس ويكمل دراسته.في الكلية  العسكرية ليتخرج بعدها  فكم الأحداث الكثيرة طيلة عشر سنوات ؟
فقد  اختزلها الراوي بسته سطور أو أقل ناهيك عن الأزمنة الممتدة داخل الفترة الزمنية نفسها  فهذه خلاصة وحذف في آن واحد حققه النص.
ويتضح الحذف أكثر في النصوص القصيرة جدا والتي ضمت المجموعة عددا منها ففي نص " طفلة " يلحظ المتلقي أن الراوي حذف من خلال الاختزال أحداثا كثيرة وأزمنة وتفاصيل متعددة ويأتي بنص لايتجاوز أكثر من  سطر" برغم أن شمس عمرها شارفت على المغيب؛ تستمتع بإشراقة عمرها" ص72

فهنا الراوي أحداث عمر وهو الحياة بسطر وأعادنا لبداية الأحداث بإشراقة  الصباح فكم التفاصيل السردية التي رافقت العمر وكم من التفاصيل الروحية التي ترسم روح متحدية قوية انقلب غروبها إشراقا
والخلاصة والحذف عمل فني يعكس قدرات ويشوق القارئ ويبعد عنه الملل ويخلق الدهشة في أعماق المتلقي وينم عن فهم في بناء العمل السردي الذي يتلاعب بالقارئ فيجعله يشتابك مع النص والرسالة .

رابعا التبطيئ السردي.
ويتمثل بالحوار والوصف والمونولوج.

فالحوار يأتي لتبطيئ السرد للتنويع في الخطاب السردي  لجذب القارئ وأهمية الحوار يأتي  لتوضيح ورسم الآمال والطموحات بين الشخصيات وتكشف عن  توجهاتها رؤاها ويسبر أعماق الشخصيات النفسية.
وقد مر علينا الحوار مابين الزوجين في نص " خمس شموع" والذي بين للمتلقي علاقة  الزوجين وأوضح  مشاعرهما من حيث البرود والتوهج وحرمان المرأة من مشاعر زوجها الصادقة  ونفسية  الشخصيتين فالزوج بارد المشاعر يتحدث عن الماضي والمرأة توده كثيرا  فهي  مسرورة بدعوته للاحتفال بعيد زواجهما بعزومة.غداء نادرة الحدوث  في مطعم  وسرعان ماتغير كل ذلك في اليوم التالي للاحتفال.

-  الحوار الداخلي أو المونولوج:

  ويأتي للكشف عن الأعماق النفسية للشخصية في الخيبات وتحقيق الآمال أو في حالة الخذلان أو الانتشاء بالحلم ففي نص" ارحل" يأتي الحوار داخليا بضمير الغائب ليهرب بالنص عن الخاطرة حين يكون السرد بضمير الأنا أقرب للخاطرة
وهو نص يسرد حالة للخيبة مع وفاء الروح والمشاعر " طوت صحائف الغرام بقبضة الحسرة قالت له:" ارحل تشق عباب البعد تجفف دمعا يبحر في مآقي عينيها ، تدفن أخاديد شوق في أعماق فؤادها .......... تمرات من أشواقه؛ تكتفي بها زادا في طريق الرحيل" ص25

ويلحظ الحوار ملتصق بالشخصية يعكس سيرة حدث ذاتي مرتبط بالمشاعر وأعماقها وآمالها وخيباتها.

- الوصف أو المشهد السردي ويأتي.

 للتخفيف من جدية السرد بحيث يهتم بوصف الشخصيات والأمكنة ممايفضي إلى التعرف على قيم الزمن ففي نص بلا هوية المشهد الوصفي واضحا ودقيقا  يصف الشخصية والمكان التي نعيش فيه ليوضح جزءا من الرسالة التي يريد أن يرسلها النص وفكرته للمتلقي" يداعب أكياس البلاستيك الجاثمة على صدر المدينة، شاحب الوجه بهيئته الرثة وبقايا ثياب نغطي جسده الهزيل شعره المجعد الذي هجره المشط منذ أعوام يتدلى حول وجهه" 60

الوصف دقيق جدا للشخصية حد أن الرسام يستطيع رسم الشخصية في لوحه وأيضا يرسم المدينة المكتظة بأكياس البلاستيك مما يجعل المتلقي يكتشف أن الشخصية لمجنون من خلال الوصف  وجاء العنوان مناسبا بلا هوية أي بلاشخصية فالوصف أوضح أن المدينة رثة تشبه المجنون فهي مكتظة بأكيأس البلاستيك .

ومن خلال دراسة المجموعة  يمكن استخلاص النالي:

-اهتمت القاصة بالبناء الفني للمجموعة فجاءت  استرجاعاتها محترفة لحد بعيد ومتنوعة.
-خلقت الاسترجاعات مفارقات ساخرة كانت قوية في رسالة النصوص
- استطاعت النصوص أن تأتي بأنواع الاستباقات الداخلية والخارجية  التي تأتي  في أحداث القصة أو الاستباقات الخارجية التي مفأجأة خارجة عن الأحداث فتحدث صدمة المتلقي.
- اختزلت النصوص مراحل زمنية كثيرة في سطور قليلة  لتخلق  خلاصة سريعة لتحذف  كثير من التفاصيل  ليتحقق للقصة والنصوص التكثيف والاقتطاع  لتأتى السرعة الجاذبة للقارئ.
- تنوع الحوار في النصوص فأتي داخليا وخارجيا  ليكشف أعماق الشخصيات وتطلعاتها وأحلامها ورؤاها وتوجهاتها وخيباتها.
 - جاء الوصف دقيقا كشف صورة المكان والشخصيات فيكون المتلقي صورة كاملة عنهما.
- بعض العناوين جاءت مكشوفة ومفضوحة وهذا لايقلل من قوة المجموعة.

************************************************

قراءة مختصرة وعميقة في  نصوص المجموعة أبدع الاديب الناقد في التحليل  والتعمق فكانت القراءة الجميلة التي بين أيدينا،  دام التميز والإبداع أيها المبدعان، بالتوفيق والنجاح الدائم ان شاء الله تعالى

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم