مجموعة مقالات عن فنون الادب- بقلم الأديب/ حسين الباز - المغرب

بقلم الأديب/ حسين الباز 
- المغرب


المقال هو فن نثري يقوم فيه الكاتب بعرض فكرة أو قضية أو موضوع ما بطريقة منظمة محببة للقاريء على أسس معينة 
ويستطيع الكاتب الكتابة في أي موضوع فليس للمقال موضوع محدد،  ولا يستطيع  التوسع في الموضوع إنما يقتصر على فكرة معينة أو قضية محددة،
والمقال قد يكون
- مقالا ذاتيا 
- أو مقالا موضوعيا. 

أجزاء المقال: 
- المقدمة
- العرض 
- الخاتمة 
خصائصه: 
أن يكون سهل الأسلوب دقيق العبارات حسن التنسيق وأن يوظف كاتبه حججه وبراهينه لتوصيل وجهة نظره، تناسق المقال مهم بحيث لا يفلت من الكاتب مفتاح المقال، ولا بد أن يكون المقال واضح المقدمة ثم عرض الموضوع أو الفكرة ثم الخاتمة والتي بها ينتهي المقال.

وعلى هذا يكون المقال فنا مهما يبرع فيه المتمكنون.
إلى هذه المقالات : 

************************************************

1-  إشكالية التجنيس الأدبي ما بين انغلاق النقد وانفتاح السرد/ مقالة 

مع تجاوز الحداثة لكل معايير مسبقة للكتابة السردية، وأصبح الحرف هو الذي يكتب صاحبه ويختار النمط الذي يكتب فيه، وبعدما صار هم الكاتب هو نقل أفكاره ومشاعره دونما أدنى اهتمام لاختيار النمط / الصنف الذي سيلتزم فيه بشروطه وهو لا يحضر فترة الكتابة لا راقبا/ناقدا ولا قارئا/ متجاهلا لأفكاره، لاغيا لها، فتصبح غثاء بين قراءات وتأويلات. 

- المبدع حالة خاصة، والمتلقي حالة عامة:
فكيف لقارئ عادي كيفما كان نوعه سواء أكان متعمقا أم سطحيا تأويل نصوص كاتب من خلال منهج واحد معين؟ 
- مع خوصصة المدارس النقدية وانغلاقها على نفسها باختيارها النص الذي يستفز فقط دعم نظريتها، 
أولا، لم تتعرض نصوص قيمة للإهمال؟
 -كيف الخروج من مأزق النقد المفبرك لينظر إلى النصوص على أنها قيمة فنية وجب الغوص فيها بشتى الطرق والنظريات، فيكون النقد حرا ؟

.. ينظر إلى المنتوج الأدبي الفني في سوق الثقافة بعد عرضه في سوق الكتاب من طرف المتلقي كقطع غيار لا يشتريه إن لم يجد فيه جدوى تحريك سيارة إسعافه الشعورية لو كان قارئا عاديا، أو الفكرية لو كان قارئا جيدا ، بنظرة استعلاء لا بنظرة إعجاب ، بنظرة نرجسية لإشباع الرغبة الميولية أو المعرفية لا بنظرة فضول للكتاب ومبدعه للتعرف على مشاعره وأفكاره، فتجد أتباع الجاحظ يبحثون في المنتج عن فنون اللغة والبيان والفصاحة واختيار الألفاظ الأنيقة ، ومن ثم صنفه وشروطه كالايجاز والخوض في الموضوع مباشرة دون لف ولا دوران ، ويبحث أتباع الجرجاني في العمل الأدبي عن النظم وتنسيق دلالة الألفاظ وتلاقي معانيها بما تقوم عليه من معاني النحو الموضوعة في أماكنها على النمط المعهود به في علم النحو، وما يلزم من ترتيب المعاني من قضايا التقديم والتأخير والفصل والاضمار والاستفهام والنفي والحرف والتعريف والتنكير وغيرها من مباحث علم المعاني ، فأنى يحرك عمل غير مقيد قلم مدارس شكلانية؟ وأما أتباع النقد الصوفي حتى بعد تجاوزهم للشكل تجدهم ينقبون بين الأسطر عن اللانص وما وراء الخطاب لما يروم منهجهم التحليلي الذي يستقي أسسه من مختلف المعارف والعلوم الصوفية، فهل يستوجب على الكاتب استحضار مدرسة معينة أثناء المخاض الإبداعي  لفتح شهيتها على قراءته؟ سيكون إذن كمؤلف تحت الطلب، ليصير بعدها عضوا مؤطرا يساعد بكتاباته في دعم فرقة نقدية معينة ، ناهيك عن أتباع كانط الباحثة في النصوص عن الجانب الأخلاقي والضمير الإنساني وفلسفة الجمال والغائية، ودور العقل في التحكم في الكتابة التجريبية بطريقة السببية ، وهل الموضوع سيؤول سببا أم نتيجة؟ وأتباع رولان بارت ووجهة التعامل مع النصوص وكأنها مستودع للدلالات الموضوعية كمنتوج ولكن ما أن ينظر إليها كإنتاج حتى يصبح مفهوم الدلالة غير ملائم ، لهذا فهم ينظرون النصوص باعتبارها فضاءا متعدد المعاني ، ومن ثم كسر شرعية الدلالة من الوحدة ونزعها من المؤلف/ قتله وإحياء نصه لمنح شرعيتها للقارئ باتجاه تعديدها في وحدات ، والدلالات هي رسالات المؤلف المتوخاة لتقديمها للقارئ لمعرفة أفكاره ومشاعره وتجاربه ورؤاه وفلسفته بعين مبدع غير عادي ، استثنائي، منفرد ، فنان ، موهوب ، حكيم ، يجوب الشوارع ليقتنص اللحظات والأمكنة بعين المتربص لخطها على ورق، لتوثيقها ، بينما القارئ غافلا عنها بملاهي الحياة، وقد يكون المؤلف شعلة صحو يخمد فتيلها بإخماد فكره رويدا رويدا، وجره للتلف بين تآويل القراء، كل ومواله، كل ومذهبه ، وحزبه ، وحياته الخاصة به لتأ ويلها، ولكن حينما يقترب قارئ لنص مبدع ما ، عليه بالاغتسال من كل رواسب النظريات للغوص في معرفته كتحفة نادرة ،  وبالاستئذان بالدخول  لقراءته دون سبق قيد أو شرط، لأن عصر اختلاء المبدع مع نفسه قد ولى ، وهذا هو عصر الإبداع وسط الضجيج. 

************************************************

2- اللوبي الثقافي*

1/ كيفية القراءة تتمحور في ثلاث درجات:
الجيدة والسطحية والضعيفة:

أ/ تنتمي القراءة الجيدة للقارئ المتوغل في الكشف الدقيق عن خبايا النص غير المكتوبة، أو بمعنى أصح عن الرموز المتخفية بين السطور قبل البحث عن المعنى أو المتعة.
ب/ القارئ السطحي يمر على الحروف مر الكرام بدون محاولة منه لتفسير المعنى، فإن وجد النص لا اجتهاد فيه استحسنه، فراح يتفرج بعقله مشاهد النص أو يتذوق بلسانه مخارج الحروف، وإلا ألقى بالنص جنبا كلما أحس جهدا.
ج/ وقد يكون القارئ الضعيف من النخبة حين يعتلي النص من وجهته ولا  يرى فيه ذاته أو فكره، فيعبر الحروف متمايلا وكأني به أمام جسر مخيف لا ينظر إلا أمامه، وحين يصل إلى نهايته يكون قد فاته الكثير لم يأخذه بعين الاعتبار، فيخرج من النص كقارئ مبتدئ.

2/ والكتابة ثلاث درجات أيضا:
فهناك من يكتب للقارئ الجيد، وهناك من يكتب للسطحي، وآخر للضعيف.
الكاتب المميز هو المبدع الذكي الذي يستحضر القارئ فيه بمختلف الدرجات ، فهو حين يرمز بالمعنى، يسهل التعبير، ويستعمل التشويق ويستهدف الذوق الجميل لجلب القارئ أكثر وقت ممكن، فيكون كمن يدخل الجنة، فيسد من ورائه الباب، ثم يلقي بالمفتاح في مكان ما خفي، ويهمس في أذن القارئ :
_ لو أردت الارتقاء فعليك بالمفتاح!

3/ هناك نقص في الذكاء الفني فيما يخص الساحة الأدبية من ناحية، والتواطؤ معه من ناحية أخرى:

أ/ السكوت على السلوك الرذيل بداخل الوسط الفني بحد ذاته رذيلة.
ب/ التحالف الكيدي من أجل إسقاط الكلمة الحرة، وشهادة الزور في الحق الفكري بنزعه من صاحبه لمنحه للآخر خلسة.
ج/  الخبث داخل الكواليس لعرقلة مسيرة مبدع بجميع الوسائل، قد تحدث ضجيجا نسبيا بالنسبة له لو كان متمكنا، وقد تؤدي به إلى الحضيض عوض التقدم إلى الأحسن لو كان لا يمتلك أدوات تقيه شر "اللوبي" الثقافي.
د/ المبتدئ الماكر هو وسيلة رخيصة يستخدمها الناخب الخائف عن اسمه ، يلقي به أمام المدفع ضحية غبية لضرب المنافس بدل الإبداع بكرامة.
ي/ لم تك الشهرة في يوم ما مقياسا للجودة  كيما يهرول وراءها أغبياء الفن بأخذ الصور أو الاسترزاق من ورائه!

- هي أيام معدودات ستنقضي، و يبقى المبدع الحق في الساحة الأدبية هو النجم المضيئ بلا منازع.

*اللوبي: جماعة الضغط (بالإنجليزية lobby) تعني الرواق أو الردهة الأمامية في فندق،تستخدم هذه الكلمة في السياسة على الجماعات أو المنظمات التي يحاول أعضاؤها التأثير على صناعة القرار في هيئة أو جهة معينة)

************************************************

3-  تيمة الكتابة ما بين الواقع والخيال 

 ما الأفضل؟ هل نكتب واقعنا بحروف من خيال؟ أم نكتب خيالنا بحروف من واقع؟

- يود الكاتب إقحام نفسه في الواقع المرير عنوة، فتأتي قصرا كتابته خيالية لا تمت للواقع بصلة.. 
ويهرب الآخر عن الواقع بكتابة معبرة لتجسد لنا الواقع كيفما تخيلناه ونتخيله..!  ما السر في ذلك؟

- الأول رؤيته للواقع محدودة، لا يكتب دون الاعتماد على قواميس اللغة، لذا تسبق المرادفات المواصفات، تكاد تقيده المعاني ليختفي في المجاز، فيعجز الأخير عن مبتغاه، لتصير الجملة محض حروف من خيال... 

- الثاني خياله واسع ويكتفي بالمرادفات المستعملة، فتأتي الجملة واقعا متداولا مقنعا، سهلا ممتنعا، يسحبنا بعقولنا إلى الخيال بحروف من واقع... 

..لقد تجاوزت الحداثة استخدام الألفاظ التي استغنى عنها العصر، غير أن في اعتقاد بعض الكتبة بأن البلاغة تكمن في المفردات الطنانة غير المتداولة، والعكس صحيح بتناول المصطلحات الجديدة (العامية).

..ما الهدف إذن من تقريب الواقع بتصعيب القراءة؟
سيكون أفضل تقريب الخيال بتسهيلها. 

************************************************

4- في القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا /مقالة

..إذا اعتبرنا الرواية واقعا ممزوجا بخيال، فالقصة خيال ممزوج بواقع. 
في الأولى يأخذ الكاتب الواقع نصا حكائيا مصبوغا بمخيلة، وفي الثانية يأخذ المخيلة نصا حكائيا مصبوغا بواقعية ، أو بمعنى أدق، إذا كان الروائي يسحبنا من الواقع للخيال، فنحسب من رواية واقعية بأنها خيالية، فالقاص عكسه يسحبنا من الخيال للواقع ليقنعنا بأن القصة الخيالية هي واقعية.

هذا لنفرق بين الرواية والقصة الطويلتين، وبين الروائي والقاص.

ولنفرق بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا، بالقفلة نفرق بينهما، فإذا كانت الأولى من صفاتها الاختزال والتكثيف والقفلة، فهذه الأخيرة هي عبارة عن قفلة مختزلة مكثفة.

الإختزال هو الاحتفاظ بجمل منظمة دونما إطناب ، والتكثيف تضييق الخناق على الحرف حتى يتحول من سحاب لجماد، بعيدا عن الشرح والوصف، والتشبيه المبالغ فيه، وعن  كل حوار بثرثرة حد الاستغناء عنه، وعن تقليص الشخصيات حتى يصبح الواحد هو الكل، والكل واحد، ثم القفلة هي تلخيص لما ينبغي قوله بمختصر مفيد، بحيث إذا كانت القصة القصيرة بابا لفكرة، فالقاص يقفله بقفل ويلقي بالمفتاح إلى أن يعثر عليه قارئ جيد.

..هذا نموذج ينبغي للحكام الذين يوزعون الجوائز وضعه فوق الطاولة وقت الفرز.
فلا يحتاج القارئ لشرح داخل قصة لأنه أحوج لعقدة لا للحل، العقدة تكون بيد القاص والحل بيد القارئ، لا كما الرواية تكون كلتاهما بيد الروائي، كما لا يفيد الوصف الخارجي في القصة، فبمجرد ذكر الموصوف تظهر صورته، كالزيادة مثلا في وصف شكل الشخصية المحورية من شعرها لأخمص قدميها، والوصف لا يجوز إلا في الرواية.

والقصة القصيرة تظهر شكلا بشخصية واحدة، إلا أنها تحكي عن واحد من الكل، والحوار فيها داخليا،  وقد لا يكون..! 

وكلما اخترقت القصة القصيرة الاختزال والتكثيف والقفلة، فهي مؤهلة لتصبح قصة طويلة، يفترض على القاص إخراجها في حلة كتاب، لا كمجموعة في كتاب،
كما يفترض على حكام المنصات كتابة الرواية والقصة الطويلة والقصيرة والقصيرة جدا، قبل الصعود للمنصة. 

هذا لو استطاعوا التفريق، والتمييز، وتوفرت لديهم ملكة الفرز.

************************************************

5-  فن الرواية / مقالة

ليست الرواية حديثة عهد بالأدب ، إنما حداثتها متجذرة من الأصول/روى أو حكى/ لنقل تغيرت في الأسلوب وبعدها في التركيب كما حدث للشعر بالضبط.

 حكايات ألف ليلة وليلة/كليلة ودمنة /  وكثيرة هي حكاوي الشعوب ما نقلت وما كتبت من قصص الأنبياء..  إلى أساطير "أبو الهول" و"أمنا الغولة" وغزوات ٱلملوك.. إلخ.. تحكى في الأسواق في سنوات الضياع.

 الرواية تعبير عن مكنونات النفس وتبادل الأحاسيس والأفكار والأخبار بعفوية الإنسان المائل بغريزته للتواصل الاجتماعي وفضوله الفطري لمعرفة الآخر، لهذا فهي من أقرب الفنون إلى القلب وأكثرها تسلية وخبرة.

 تتطور الرواية فتصبح أرقى من حكاية تروى بنسق العبر ونسج الخيال ودمج الحوار ، فتصنف الحكاوي إلى روايات تروى جيلا بعد جيل  (تتبع الأجيال) وكلاهما يلازم الخيال ، وما يطغى عليه هذا الأخير زمانا ومكانا فهي قصص خيالية أسطورية / علمية. 

هكذا تناسخت وتناصت الروايات إلى أن تخلصت  تدريجيا من مكوناتها التي تربت عليها/تعاقب الأجيال..المقدمة والعرض والخاتمة، العقدة و الحل ثم الحوار/.. 
وعادت تحمل بثقلها الفكري قيما وأفكارا تحررية بعدما كانت مجرد للتسلية. 

وفي منظورنا كل حكاية رواية، وكل رواية قابلة للتغيير.

***********************************************

6- بين الومضة والهايكو رباعيات

"الهايكو" فن من فنون القول أقرب إلى الشعر منه للنثر ،  يعبر فيه الشاعر عن أحاسيس جياشة بأقصر تعبير ، ويلتقط صورا للطبيعة متناغمة مع شعوره ،  حدده اليابانيون حسب لغتهم بمقاطع ،  وباللغة العربية  حدد بسطور ، وهي لا تتعدى الأربعة حسب "الرباعيات" التي نقلها العرب عن الفرس قبل الهايكو بسنين.

والومضة أحسبها كذلك مثل الرباعيات ، فالوميض هو خفة البرق ،  ويستعار به الخفة والدقة بحيث كملتقط لصورة عابرة ينبغي أن يكون الشاعر. 

أتعجب كيف لا يزال النقد الأكاديمي يبالي بالشكل في كل الفنون ، فيركز على التفريق بين الهايكو والومضة كما دأب التمييز بين الرواية والقصة  بالطول وبعدد السطور ،  بيد أنه يسهل التصنيف بالمضمون. 

قد يعجز عن التصنيف بين الفنون من اعتاد القياس بعد السطور ، في نفس الوقت يتم الحفاظ عن المظهر بالتخلي عن الروح ، فيصبح بدل شعراء بناؤون ونجارون وخياطون...
والحل بسيط هو استخدام حدس الفراسة كقياس. 

************************************************
مقالات رائعة تستحق القراءة والاهتمام ، دام التألق والإبداع أديبنا القدير ، موفق دائما ان شاء ألله تعالى. 

1/أكتب تعليق

  1. مقالات رائعة وهادفة
    مباركة جهودك الاظيب والناقد المبدع الاستاذ حسين الباز

    ردحذف

إرسال تعليق

أحدث أقدم