قراءة نقدية في القصة القصيرة جدا - أثمان - للناقد الأديب/ الطيب جامعي - تونس

قراءة نقدية - بقلم الأديب الناقد / الطيب جامعي 
- تونس 



أثمان - قصة قصيرة جدا - بقلم الأديب/ أسامة حواتمة- الاردن  



نعلم جميعا أن القراءة النقدية عملية قراءة نشطة وأعمق وأكثر تعقيدًا في التعامل مع النصوص  و هى عملية تحليل وتفسير لخبايا النصوص وإظهار مواطن القوة والجمال وكذلك مواطن الضعف في النص ليستفيد منه الكاتب والقاريء
وهكذا يكون النقد مهما للكاتب والقاريء
المهم أن يكون النقد بناء ويساعد الجميع بنظرة فاحصة عميقة راقية للنص
وأن يتقبل الكاتب وجهة نظر الناقد بصدر رحب ..
وليس كل من يقرأ عن ملامح النص يكون ناقدا، عديد من الأدباء يدخلون إلى النصوص بغرض عمل قراءة ، فيخرج من النص مهرولا، هاربا من هذا المستوى الراقي الذي لم يجد إليه مدخلا أو منه مخرجا، وهنا يبدأ في رحلته مع هدم النص من أساسه، ومحاولة اقتلاع الأديب من جذوره، 
أما والحمد لله لدينا أيضا الأدباء النقاد أصحاب الخبرة الواسعة والدراية اللامعة، والتذوق الواضح للنصوص التي يقومون بعمل قراءة لها ، ويستمتع القاريء بقراءته لهذا التحليل والتقييم كمتعته بقراءة النص أو أكثر فهو يغوص مع الأديب الناقد في أعماق النص مستكشفا لمجال وزمان ومكان ومقصد وفكرة لم تخطر بباله.. 
إلى القراءة الجميلة في هذا النص

************************************************

نص و قراءة
أثمان
رآهم يوقعون بالموناليزا عدسة "ابن الهيثم"، خرج من متحف اللوڤر مفتخرًا بهذا الإرث، عاد إلى البصرة مصدومًا...
أطفال يصنعون من بقايا الدبابات تمثال الحرية.
أسامة الحواتمة/ الأردن

العنوان
أثمان، اسم نكرة، في صيغة الجمع. المفرد ثمن، عِوض يؤخذ على التراضي في مقابلة البيع نقدًا كان أو سلعة...
هو ببساطة مقابل الشيء، و عوض عنه...
غير أن العنوان جاء في صيغة الجمع ممّا يوسّع دائرة المعاني و الدلات، فهي قطعا لن تقتصر على الاقتصاد و المال.
 هذا معطى أوّل دافع لقراءة النص للتعرّف إلى ماهية هذه الأثمان، و بمَ أو بمن تتعلّق.

المتن
قبل الولوج إلى ثنايا السّرد في هذا النّصيص رأيت أنّه لابدّ من الوقوف عند بعض الدّوال لما لها من أثر بيّن في تشكيل الفكرة العامة.

" الموناليزا" للرسام الإيطالي ليوناردو دا فنشي، من أشهر الأعمال الفنية الخالدة فاقت شهرتها كل الحدود.

"ابن الهيثم" أبو علي الحسن بن الهيثم (354 هـ-430 ه) عالم موسوعي عربي... قدم إسهامات كبيرة في الرياضيات والبصريات والفيزياء وعلم الفلك والهندسة وطب العيون ....(1 )

" اللّوفر" متحف اللوفر ... من أهم المتاحف الفنية في العالم، ويقع على الضفة الشمالية لنهر السّين في باريس عاصمة فرنسا. يعد متحف اللوفر أكبر صالة عرض للفن عالمياً.(2 )

"تمثال الحرّية" تمقال الحرية، واسمه الكامل "الحرية تنير العالم". هو عمل فني نحتي قامت فرنسا بإهدائه إلى الولايات المتحدة الأمريكية في 28 أكتوبر عام 1886 كهدية تذكارية، بهدف توثيق عرى الصداقة بين البلدين بمناسبة الذكرى المئوية للثورة الأمريكية".(3 )

"البصرة" بالعراق، "عُرفت البصرة بدورها الكبير الذي أدته في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية. فقد كانت مساجدها ومدارسها تعج بحركة العلماء والفقهاء والأدباء"(4 ) .
      ( /1/2/3/ 4 ويكيبيديا)

النّصّ يبني فكرته العامة على هذه الشخصيات: ال"هو"/ أطفال # ال"هم".
أما الشخصيتان الأولى و الثانية فهما و لا ريب تنتميان إلى حضارتنا العربية، إذ أن ال"هو" تعود في نهاية النصّ إلى الأصل، إلى الأرض التي منها خرجت، و هي البصرة رمز للحضارة و التطور و الازدهار.
و أما ال"هم" فهي الآخر المختلف عنّا. فأية ملامح للعلاقة بين الطرفين؟

تبدو العلاقة قائمة على الانبهار و الإعجاب بما وصلوا إليه من تقدّم و رُقيّ(فني) و هو ما يرمز إليه "اللوفر" و "الموناليزا". و ما هو في الواقع إلا إعجاب بالموروث  العربي القديم من خلال الإشارة إلى"ابن الهيم" الذي برع في العلوم البصرية. و في ذلك إيحاء بفضل علمائنا لبلوغ تلك الدرجة من التطور. هذا من شأنه أن يثير النخوة و الاعتزاز بالذّات أولا، و الاطمئنان إلى العلاقة بين الحضارات ثانيا. و هي الإشكالية التي لطالما أرّقت المفكرين و الباحثين. فهي من هذا المنطلق علاقة تواصل إنساني. الحضارات المتنوعة تتعالق لإنشاء المجتمع الإنساني عموما بعيدا عن الشعوبية المقيتة و البغضاء و التناحر... و من المنطقي، و الحالة تلك أن يعود ال" هو" إلى دياره مشبعا بهذا الشعور الإنساني الفيّاض. و لعل لسان حاله يقول:" إن ما نسمعه هنا و هناك من البعض عن تناحر الثقافات و تدافعها ليس إلا مجرد خيالات و وهم يعشش في أذهان مرضى القلوب."
ولكن حدث العودة( إلى الأصل) حدث اقترن لغويا بمتمّم يبين هيئة الفاعل و هو يقوم بالفعل( عاد إلى البصرة مصدوما). فلمِ كان هذا التعجب و هذه الصدمة يا تري؟ و ممّ؟

إن الذات المشبعة بهذه المشاعر و الانطباعات سرعان ما تتحطّم على أرض الواقع المعيش ( أطفال يصنعون من بقايا الدبابات تمثال الحرية). هذه الخاتمة المباغتة تحمل من الدلالات الشيء الكثير.
فأرض البصرة باعتبارها رمزا للحضارة و التقدّم... و التسامح و التواصل أضحت فضاء ترتع فيه كل صنوف المؤامرات الخارجية. نحن أهديناهم في ما مضى العلوم المتقدمة في مختلف الفروع، و هم ماذا أهدونا؟!
بالطبع أهدونا آخر مظاهر التقدم، ولكن في علوم الفتك و القتل مجسدة في صواريخ و دبابات و قذائف... لا تبقي و لا تذر. تحوّل الأخضر إلى يابس، تحوّل المعمار و البشر إلى يباب...تحول "التواصل الحضاري" و "المجتمع الإنساني" و " الأخوّة " و غيرها من المفاهيم إلى مجرد مقولات فارغة المحتوى، غير ذات قيمة. و يعود الجدل من جديد إلى طبيعة العلاقة بين ال"نحن" و الآخر المختلف عنا، و يعود الصراع الفكري و الإيديولوجي من جديد. لكأن التاريخ لا يريد إلا أن يعيد نفسه، فيُحْيِي هذه المعارك من جديد. ولكن في الحقيقة هل اختفت في يوم من الأيام؟
اعتقادي الشخصي أن هذه المعارك وجدت قديما، و هي متواصلة الآن بمظاهر شتّى و تحت عناوين مختلفة، منها الفكري و منها الاقتصادي و منها الجغرافي.... و ستظل موجودة.
و عود على بدء"أثمان". إن مسار التثاقف يبدو مسارا مختلا، فثمن انفتاح الآخر علينا مكنهم من الخروج من عصر الظلام فبلغوا أرقى درجات التقدم و التطور في كل مجالات العلوم، و في المقابل فإنّنا دفعنا الثمن غاليا في هذا العصر، إن بإرادتنا أو بالغزو المادي و اللامادي.
هذا من ناحية المضمون. أما فنيا / شكليا فإن النص قد احترم خصائص النص القصير جدّا عموما من حيث الطول و الاختزال و التكثيف و الإيحاء و الخاتمة المباغتة.
ملاحظة: من الممكن التخلص من "مصدوما" و ترك هذا الانطباع لذهن المتلقي، و لو أنها حسب رأيي تبقى مقبولة في سياقها.
--------ا-------
تبقى هذه قراءة ذاتية لا تلغي قراءات أخرى طبعا.
تحية للكاتب  Osama Hawatma

***************،***************************،******
قراءة جميلة شاملة لنص معبر .. دام التألق والإبداع  .. بالتوفيق دائما ان شاء الله

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم