دروب شعثاء - قصة قصيرة - بقلم الأديبة/ زينب بوخريص - تونس

بقلم الأديبة / زينب بورخيص
- تونس



مقدمة :
وستبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته 

***********************************************
🌸دروب شعثاء🌸
بسطت الشمس أشعتها الذهبية على الكون، فأنارته، وانعكست على القرية البعيدة، الهادئة، فأيقظتها من سباتها العميق، معلنة عن بداية يوم جديد...
ما إن لمحت فاطمة تباشير الصباح الأولى، حتى أفاقت، تعد نفسها لتلتحق بمجموعة النسوة الذاهبات الى الحقل، حملت زادها معها وقارورة الماء، وغادرت مسرعة مخافة أن تتخلف عن الركب. تركت ابنها نائما في المنزل لم تشأ أن تحدث صوتا، حتى لا توقظه فيتشبث بالذهاب معها، لا تريده أن يتكبد مشقة العمل في الحقل. تركت له على المنضدة بعض الطعام، نظرت له بحنو كبير،، وغادرت المنزل.
 صعدت إلى الشاحنة المكتظة بالنسوة أمثالها ممن سلكن الدرب الشائك. ألقت عليهن التحية الصباحية،،، وبقيت تصغي لهذر لا ينتهي...
لم تكن فاطمة مثلهن...
صامتة، كانت تتابع ما يدور بينهن من أحاديث تعودت سماعها: عن أزواجهن وأبنائهن، عن شؤون المنزل وكثيرا ماكن يتناقلن أخبار القرية وما يستجد فيها من أحداث....
كانت الطريق الفلاحية وعرة، لا تخلو من مخاطر، وكانت الشاحنة تسير متثاقلة،،في طريق متعرجة خطرة، محدثة أزيزا مزعجا كلما لامست عجلاتها الاسفلت، مترنحة، تنوء بحملها الثقيل.
 مشاعر الخوف، تتنازعها أحيانا: تخاف أن تترك ابنها الوحيد بلا سند، بعد أن تركها زوجها و هاجر إلى الخارج. كانت حينها حاملا بابنها في الأشهر الأولى، وكان زوجها يعمل في الحقول لقاء مبلغ زهيد، لم يكن يكفي لسد سغبهما،، فكر زوجها في اتخاذ سبيل لتحسين وضعية أسرته المادية، خاصة وأنهما سيرزقان بمولود في غضون أشهر،،  فلم يجد سوى الهجرة الى الخارج، ملتحقا بأخيه المقيم هناك. على أن  تلتحق به عندما يستقر ويجد عملا.
مضت الأشهر ووضعت مولودها،، و لم تتلق أي اتصال من زوجها. لم تكن تعرف عنه شيئا. وكأنه كان ينتظر هذه الفرصة ليختفي إلى الأبد. استفسرت عنه كثيرا، لكنها لم تظفر بإجابة شافية لأسئلتها...
ثم أصبح وجودها غير مرغوب فيه من قبل أسرته كلما جاءت لتسأل عنه. أصبحت تسمع تلميحات عن ضرورة طلاقهما،، حتى يتمكن من الزواج بالفتاة التي ستجعل إقامته شرعية...وفعلا بدأت أسرة زوجها تتخذ الإجراءات اللازمة لذلك،، وما كان منها بعد ضغط شديد منهم، إلا أن أمضت على الوثائق الخاصة بإجراءات الطلاق بالتراضي بين الطرفين. لم تصدق في البداية،، كانت تحت وقع الصدمة. صرخت في داخلها:
-كيف يطلقني؟؟؟ أنسي وعوده لي؟؟ ماذا عن ابنه الذي تركه في أحشائي؟ هل يتربى يتيما ووالده حي يرزق؟؟؟
كان ابنها في الأشهر الأولى من عمره، لم تجد سبيلا آخر سوى الخروج إلى العمل،، تمكنت من العثور على عمل في منزل أحد أثرياء القرية، كمعينة منزلية وكانت ربة البيت كريمة معها ومع ابنها،،، ثم أصبحت غير قادرة على الاستغناء عنها -خاصة وأنها كانت تعاني من مرض عضال أعجزها عن الحركة- فاقترحت عليها أن تقيم  معهم في المنزل، في  غرفة صغيرة لا تبعد كثيرا عن غرفتها. أسعدها ذلك كثيرا،، فانكبت على العمل بجد  وتفان شديدين، حتى لا تخيب ثقة سيدة البيت فيها، لاسيما وأنها كانت امرأة تفيض رقة وحنانا ، كانت تعطف كثيرا عليها وعلى ابنها،،،لكن الحياة أبت أن يتواصل هذا السخاء ،،فقد كشرت لها عن أنيابها مرة أخرى. فقد حاول صاحب البيت الدخول الى غرفتها بعد أن خلدت زوجته الى النوم،،،لكنه فشل في فتح الباب، فعاد إلى مضجعه خائبا. منذ أن لاحظت نظرات صاحب البيت المريبة،، أو تعمده الانفراد بها لتمتد يده إلى جسدها تتحسسه في جرأة لا مثيل لها، أصبحت تغلق الباب من الداخل، كانت تصده بقوة وتلوذ بالفرار. أصبحت تتحاشى التواجد معه في مكان واحد...لكن بعد أن أقدم على التسلل الى غرفتها لم يعد هناك مجال سوى الهرب من المنزل تحت جنح الظلام. جمعت ثيابها وبعض الأمتعة البسيطة وغادرت المنزل ملتحفة بسواد الليل. سترجع الى بيتها الصغير. وتبحث من الغد عن عمل آخر.
ما إن انبلج الصبح، حتى تفطنت الأسرة إلى رحيل فاطمة وابنها،، خاف رب الأسرة أن يفتضح أمره فتظاهر بفقدان مبلغ مالي كبير،،، ادعى أن فاطمة استولت عليه ولاذت بالفرار،،، لم تنطل الحيلة على زوجته التي خبرته جيدا، وتعرف حيله و أراجيفه. لكنها في المقابل انطلت على أهل القرية الذين ظلوا يتناقلون تلك الحادثة لأسابيع عديدة،،ويضيفون لها بعض البهارات، كل بمقدار، و بنكهات مختلفة،، تلك عادتهم، يضخمون الأحداث حسب أهوائهم وميولاتهم.
وصل الخبر إلى فاطمة،، التي قضت شهورا تنتحب بسبب ما حيك عنها من أقاويل،،لم يترك الرجل الخسيس صفة مشينة إلا ألحقها بها،،، فهي السارقة عديمة الشرف، مستغلة  عجز زوجته تحاول إغواءه،، لكنه كان يصدها،، كان يقول على الملأ:
-تصنع مليحا فتجازى قبيحا،،أكرمناها واعتبرناها فردا من عائلتنا وهاهي تتنكر لنا و تضرب بمعروفنا عرض الحائط،،،
لم يتوان أهل القرية عن صب البنزين على النار ، أثخنوا صدره عليها، حتى أن هناك من أشار عليه بأن يقدم شكوى ضدها،حتى تنال جزاءها. خاصة الذين كانت تصدهم و لا تستجيب لطلباتهم الدنيئة، لم يفوتوا الفرصة للنيل منها.
ذاقت فاطمة طعم الظلم و تجرعت مرارة القهر والهوان. فكرت مرارا في الرحيل عن القرية،، لكنها كانت تعرف أن كل القرى متشابهة سينالون منها، مادامت امرأة وحيدة لا سند لها.
ضاقت بها السبل بما رحبت، وباتت لاتقدر على تأمين مال يكفيها لتسديد نفقاتها. لكنها في وسط تلك الظلمة الحالكة والسواد المطبق على حياتها،، تراءى لها بصيص من نور،، فالمرأة التي كانت تعمل عندها كانت متيقنة من براءتها، أرسلت لها مبلغا ماليا محترما،، ووعدتها بأن تساندها دائما  واعتذرت لها عما بدر من زوجها الأرعن..
لازمت بيتها ولم تخرج منه إلا لقضاء بعض الشؤون.
كانت تتجنب حضور اجتماعات أهل القرية،، لا تحضر مسراتهم ولا أحزانهم. قضت ردحا من الزمن في عزلة تامة عما يحدث حولها،، علها تسلم من همزهم ولمزهم. كان ابنها هو السبب الوحيد الذي يربطها بالحياة. لذلك أحبته حبا لا يوصف.
غير أن الحياة  تعودت أن تأخذ منها ولا تعطيها الا النزر القليل. فقد توفيت المرأة الفاضلة التي كانت تعطف عليها. شعرت أن الأرض تميد بها،،، لم يعد لها سند في الحياة. لكنها أبت أن تهزم ، ستصمد وتواجه و تجد عملا. كانت كنمرة جريحة،، ضغطت على جراحها، و خرجت إلى معترك الحياة. يجب أن تنشب أظافرها في الصخر. لن تستسلم مهما تألمت... لن تكون لقمة سائغة لأحد.
تقلبت في العديد من المهن: باعت الخبز على قارعة الطريق،، عملت في الحقول المجاورة،،، كانت عمولة ونشيطة كنملة. لم تتخلف عن العمل سوى في بعض المناسبات القليلة. كلما رأت ابنها يكبر أمام ناظريها، تضاعف عزمها وإصرارها على المضي قدما. وكلما فترت همتها وخارت قواها تذكرت أنه متفوق في دراسته، فاستعادت نشاطها ومضت في سبيلها لا يثنيها أحد عن عزمها.
 صار ابنها شابا بهيّ الطلعة، خلوقا. حاز على إعجاب الجميع. وهاهو سينهي قريبا المرحلة الثانوية،،وهو ما جعلها تضاعف جهودها لتؤمِّن له مصاريف الدراسة وكان هو أيضا رؤوفا بها يلّح عليها أن تصطحبه معها في أيام العطل لمساعدتها في العمل. كانت ترفض ذلك بشدة، قائلة:
- لا يا بني لا أريد لك الشقاء،،، دعه لوالدتك فقد ألفها وألفته، حتى غدا جزءا لا يتجزأ منها. أما أنت يا عزيزي فينتظرك مستقبل أفضل.
فاضت عيناه دموعا واحتضنها، قائلا بنبرة حانية:
-لن أخذلك يا أماه! سأعوضك عما فاتك، ثقي بابنك فقد أصبح رجلا".
كان كلامه مرهما يشفي جراحها مهما كان عمقها،، و يبعث السكينة في نفسها،، فتنسى آلامها وتعبها، وتستعيد حيويتها ونشاطها،،بعد هذه الشحنة المعنوية التي أمدها بها. كان فراس في طفولته كثيرا ما يسألها عن والده، فعقله الصغير أبى أن يستوعب كيف يترك أب ابنه ويهاجر دون رجعة. لكنها لم تكن تريده أن يكرهه.  بل سعت جاهدة إلى أن يحترمه حتى وإن لم يره ولو لمرة واحدة في حياته، فتقول له:
-نحن لا نعرف الظروف التي يعيش فيها والدك في الغربة،، لكنني متأكدة أنه سيرجع يوما ويسأل عنك.
كانت فاطمة فطنة، رغم أنها لم تذهب يوما واحدا إلى المدرسة،، لم يسمح لها والدها بذلك. "فمستقبل الفتيات حسب رأيه، في بيوت أزواجهن،، لا في المدارس".
 لكنه في المقابل يسمح لها بأن تعمل معه في الأرض. تلك القطعة التي حرمت حتى من أخذ منابها فيها بعد وفاة والدها، فقد استحوذ عليها أخوها كلها،،
يالقسوة الحياة تأخذ منها عنوة كل ما تملك ولا تجود عليها إلا بالفتات!! أحيانا كانت تتمنى لو كانت ذكرا ربما كان حالها أفضل مما هي عليه الآن،،، فقد عودتها أمها منذ صغرها على أن تتنازل عن منابها من الطعام لأخيها. لأنه هو الذكر فله الحصة الكبرى، فهو الأثير في المنزل، لا ضير إن نامت دون عشاء. مادام رجل البيت قد تعشى. تعودت على التضحية منذ صغرها، حتى عندما تزوجت كانت تؤثر زوجها على نفسها. ربما  كان ذلك عن غير وعي منها، لكنها تقوم به سعيدة ، راضية.
فعلا لقد صدق حدسها وجاء والد ابنها إلى القرية بعد غياب طويل،،سمعت عن مجيئه من أهل القرية،، لكنها لم تكن تتوقع أن يزورهما في البيت،، ويحاول التقرب من ابنه.
 كانت علامات الثراء بادية عليه:من ملابسه أو من السيّارة الفارهة التي كان يركبها. رفض ابنها الهدايا التي جلبها له،، كان ينفر منه. لم يستطع أن يغفر له هجرانه لهما. لكن فاطمة سعت إلى التقريب بينهما، رغم كل ما فعله معها. كانت تريد أن يكون لابنها أب مثل لداته، لكن فراسا كان عنيدا،، لم يرضخ لرغبتها. انتهت الزيارة وعاد طليقها الى البلد التي أتى منها، واعدا ابنه بالمجيء مجددا، أو ربما سيصطحبه معه  كما كان يقول.
 شاردة تفكر، لم تنبس بكلمة واحدة، لم يوقظها من أفكارها تلك سوى توقف هدير الشاحنة. عندها تفطنت الى وصولها إلى الحقل، حيث ستمضي يوما من العمل والكد.
كان يوما شاقا، كانت تمسح حبات العرق المتصببة على وجهها بين الفينة والأخرى، عملت دون توقف، حتى غداءها الذي حملته معها تناولته على عجل - شأنها في ذلك شأن كل النسوة-
فهن أبين التوقف حتى يستطعن الرجوع الى منازلهن قبل حلول الظلام.
قبل مغيب الشمس قفلن راجعات الى منازلهن،، وقد أخذ منهن الإعياء والتعب أي مأخذ. لكنهن كن مزهوات، طربات بالعودة إلى منازلهن، رغم ما عانينه طيلة يوم كامل من تعب في العمل. فقد رددن أهازيج حفظنها عن أمهاتهن. غير مكترثات بالهزات التي كانت تحدثها الشاحنة ولا حتى صريرها المزعج.
 غاب النور تدريجيا، تاركا مكانه لعتمة حالكة، امتدت في الأفق، سارت الشاحنة متثاقلة تنوء بحمل كبير.
غير عابئات بصعوبة السير، كان النسوة يتكلمن دون توقف. و كانت فاطمة تنظر إلى الأفق البعيد، تفكر في ابنها الوحيد وتتمنى لو تقدر  أن تمضي يوما كاملا معه.
فكرت في نفسها:
ماذا لو لم أذهب غدا إلى العمل وأمضي اليوم مع ابني؟ سيكون يوما رائعا. دبّت إلى أوصالها نشوة مفاجئة...عاشت لحظات في ألفاف السعادة، إلا أنها لم تدم طويلا فقد أخرجها منها صياح النسوة وهن يتمايلن قبل أن تنقلب الشاحنة بهن...
كان حادثا مروعا لم تنج منه سوى بعض النسوة، ممن كتبت لهن حياة جديدة...
من الغد لم يتسن لفاطمة الذهاب إلى عملها بسبب جروحها،  لكنها تمكنّت من قضاء يوم كامل مع ابنها فراس.

*********************
2-  🌺شيماء🌺
على سفح جبل تقع قرية صغيرة: وارفة الأفياء،تتعالى فيها أشجار السرو السامقة في زهو وكبرياء. نشأت شيماء في تلك البقعة الصغيرة باذخة الجمال، المتفردة حسنا وبهاء، في أسرة طيبة -شأنها شأن أهل القرية- تقدس العادات و التقاليد.
كانت والدتها قنوعة، صبورة... غير أن شيماء لم تأخذ عن والدتها طباعها ولا حتى عن والدها:  مختلفة عنهما بسلوكها الغريب وتصرفاتها الشاذة، او حتى عن الفتيات في مثل عمرها- لا تميل - مثلهن- إلى اللعب بالدمى، بل تعتبرها لعبا سخيفة...
لشد ما مقتت تلك البيوت، التي يشيدنها من الوسائد، وعمدت إلى تقويض بنيانها وأسسها. وعيناها كانتا تلمعان شررا وتقطران شماتة، وأحيانا تطلق قهقهات مستفزة إمعانا في الاستهزاء منهن. وكثيرا مانشبت بينها وبين لداتها خصومات حادة بسبب اعتداءاتها على ابتكاراتهن الصغيرة.
متلذذة بالسخرية منهن، خاطبتهن بنبرة تنضح استهزاء :
-ألعابكن سخيفة و أحلامكن محدودة...
كانت تكره أن تسرح لها والدتها شعرها و تشكله جدائل صغيرة، إذ لم تكن تطيق تلك الضفائر.
  محتجة، تصرخ قائلة:
-أطلقي لي شعري، أمقت هذه الجدائل البغيضة.
 غير عابئة بما ستلاقيه من والدتها، كثيرا ما كانت تعمد إلى فتح تلك الضفائر، وإرسال شعرها على كتفيها.
ما ان تلمحها والدتها حتى تستشيط غضبا واصفة إياها بأقذع النعوت، صارخة فيها بأعلى صوتها:
-يا ابنة الكلب،انت لست طفلة، بل شر ابتليت به، سأهشم ذلك الرأس المتنطع الذي تملكين.
 كما ينقض النسر على فريسته، تنقض عليها، توسعها ضربا. والغريب أنها لم تكن تبدي أي اعتراض بل تلاقي الامر ببرود شديد وكأنما قدت من حديد، لا يؤثر فيها الضرب أوالتقريع، مستفزة أمها ببرودها الغريب، فتمعن في ضربها دون رحمة.
تذكر مرة انها ألحت على والدتها بأن تقص لها شعرها لكن والدتها رفضت بشدة، سيطرت عليها تلك الرغبة وأصبحت هاجسها الوحيد، وأزمعت أن تنفذها مهما كانت العواقب، اغتنمت فرصة خروج والدتها من المنزل ذات مساء صيفي، وتسللت إلى غرفتها، باحثة عن العلبة التي تحفظ فيها أمها أدوات الخياطة، تناولت منها أداة الجريمة و انقضت على الضحية المسكينة، تقصها قصا، بلا رحمة أو شفقة، لم يرف لها جفن وهي تقوم بجريمتها الشنعاء، بل كانت ثملى من النشوة.
  تناثرت الخصلات صرعى هنا وهناك، نظرت اليها بتشف وحقد شديدين. ضحكت وهي تتأملها ملقاة على الأرض كجثث هامدة، وقالت في نفسها:
- لن تكون تلك الخصلات ضفيرة بعد اليوم، تخلصت منها إلى الأبد.
متأملة نفسها في المرآة، تنظر إلى آثار جريمتها البشعة، ألفت منظرها يبعث على السخرية: شعر متفاوت الطول جعلها تبدو كمعتوهة..
عندما عادت أمها، وقفت أمامها بثبات.
َمصدومة من هول المفاجأة، كاد يغمى عليها،، وهي ترى منظر ابنتها المزري، لم تتمالك نفسها، جرتها مما تبقى من شعرها، وهي تصرخ:
سأقتلك و أتخلص من عنادك وتعنتك.
لم تقل شيئا، كانت سعيدة بانتقامها، الى حد الانتشاء حتى أنها لم تشعر بالألم...
ضحكت في سرها وهي ترى والدتها تتحول الى تنين ينفث نارا في كل مكان، أرضى ذلك غرورها وكبرياءها.
وجعلها تشعر بالنصر.
حدثت نفسها:
-أخيرا انتصرت لإرادتي....
وافق ذلك اليوم قدوم الغجر إلى القرية ليستقروا فيها بضعة أشهر. ثم يغادرونها الى مكان آخر.
استمعت لحكايات كثيرة عنهم من أهل القرية فتملكتها رغبة قوية في التعرف إلى نمط عيشهم، و الاقتراب منهم.
وبالطبع كان ذلك ممنوعا منعا باتا. تذكرت كلام والدتها عنهم:
-هم قوم همج يعيشون حياة مضطربة، يسرقون و يختطفون الاطفال الصغار ولا يتوانون عن فعل أشياء فظيعة....
كانت والدتها تظن أنها بهذا الكلام ستقنعها بسوئهم و تردي أخلاقهم لكنها في الحقيقة كانت تضرم نار الشوق فيها لولوج عالمهم الغامض.
 بحماس شديد، حدثت صديقتها المقربة بتلك الرغبة:
-عليك أن تساعديني على الخروج من المنزل ليلا حتى أحضر عروض الغجر.
وفعلا تمكنت صديقتها من إقناع والدة شيماء بالسماح لها بمرافقتهم  لحضور العرض.
كانت في قمة سعادتها. رقصت طويلا، تدربت على رقصتهم و شاركتهم الغناء، كان ذلك أسعد يوم في حياتها. شعرت بأنها وردة تفتحت لتوها ناثة عبيرها في الكون بأسره، حلقت كفراشة جميلة، شاركت العصافير فرحتها وتغريدها. بدت لها السماء أكثر اتساعا و النجوم أكثر ألقا.
بعد ذلك لم ينقض يوم لم تذهب فيه الى حيث  تنتصب خيام الغجر. عاشت معهم لحظات انتشاء حقيقية:  شعرت بسعادة لا توصف، قالت في نفسها:
-إنه العالم الذي تمنيت العيش فيه منذ أن ولدت... أمضت شهرين من السحر وكأنها في حلم لذيذ لا تريد الاستيقاظ منه.  رغم أن والدتها تفطنت لغيابها عدة مرات وعاقبتها بشدة. لكن ذلك لم يثنها عن الذهاب إليهم كلما سنحت لها الفرصة...
مع انبلاج فجر يوم جديد، كان الغجر يغادرون القرية، وفي قلوبهم لوعة على فراق شيماء-تلك الفتاة التي وإن كانت من الحضر- إلا أنها أصبحت بحضورها الصاخب جزءا لا يتجزأ منهم.
على أطراف القرية وهم يبتعدون شيئا فشيئا عن القرية، حانت التفاتة من أحدهم كأنه يودعها بنظراته،
تراءت له من بعيد فتاة صغيرة تعدو نحوهم، صرخ بصوت عال:
فعلتها المتمردة الصغيرة..

***********************
نص جميل ابدعت الأديبة في توصيل فكرتها للقاريء ، والغوص في أعماق الشخوص، وتحليل مايدور في مثل هذه الأحوال بعمق وموضوعية، دام الإبداع والتميز أديبتنا المتألقة، موفقة دائما ان شاء ألله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم