المبتور - مجموعة قصص قصيرة - بقلم الأديب/ علي خالد - تونس

بقلم الأديب/ علي خالد
- تونس


مقدمة :
وتبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته .. 

************************************************

1- المبتور
كنت كالتائه في المدى ، كالكفيف أو كالمحموم ، حين ارتطم جسدي تلك الليلة بالجدار .
لم أكن قد أخلدت للنوم بعد ، استلقيت هناك ، على السرير ، أحاول أن أجد لي مهربا من ضجيج أقلق راحتي في بعض أسطر من كتاب قديم لا أذكر تحديدا متى اقتنيته، كتاب قديم جدا لعله يعود إلى سنوات مضت كان الناس فيها مولعين بالكتب ولعهم اليوم بمواقع الإجتماع .كنت قد أهملته دهرا وانشغلت عنه بالدنيا وانخرطت في الزحام مع المنخرطين أطوي المسافة ويلفني الدهر.
لم يكن رواية كسائر الروايات تنتهي بأنتصار وانكسار وتتصارع فيها القوى بين رغبة ورهبة .ولا هو بالقصة تتأزم أحداثها ثم تنفرج لتخلص في النهاية إلى مٱل وعبرة . كان أشبه بالرسائل واليوميات. صفحات مشوشة في غير ترتيب يخاطبك فيها الراوي ، كمن يكلم نفسه. يستفزك وهو يحدثك عن لوحات ومشاهد كثيرة .ويسافر بك بين اللوحة واللوحة بعيدا في كيانك ، في أعمق أعماقك .
يقول الراوي إنه لا يعلم عن كاتبه الحقيقي شيئا. كل ما يعلمه أنه عثر عليه في حقيبة جندي مجهول في صندوق قديم من مخلفات الحرب العالمية الثانية . لا أحد يعلم جنسيته الحقيقية . لكنه كتب بعربية سامقة مثقلة بالاستعارة والكناية والمجاز . بدت صفحاته لي وكأن صاحبها من أولئك المجندين قسرا من شباب المستعمرات في الحرب العالمية ."حرب لا ناقة لي فيها ولا جمل" كما يقول في إحدى يومياته " أحارب جنبا إلى جنب مع عدوي...وأقاتل جيوشا ليس بيني وبينها عداوة في حقيقة الأمر..كنا كمن يصنع أمجاد غيره ". ويحدثك عن الحقول والبساتين والزياتين الفيحاء فكأنما هو بعض طفولتك بين السهول و السباسب ومروج القمح .ثم يعرج بك على الصحاري والواحات فكأنما هو منها يسعى كالماء بين الجداول والنخيل . ويبهرك شوقه إلى غابات الصفصاف والفلين فكأنما ربى فيها ويعيد عليك أغاني الرعاة و تهليم الإبل فكأنما له بأهل الجنوب نسب وصهر .وهو إلى ذلك يسكرك بحنين جارف ولوعة المغترب المشتاق إلى الأهل والديار كالفطيم فيترنم بنتف من أشعار أبي تمام وأبي فراس ومالك بن ربيب وابن الرومي وغيرهم كثير ...ثم فجأة ، يسافر به الحنين إلى "فاطمة" ، فتاته التي هام بها وانتزعته الحرب منها . فإذا هي حلم لذيذ يراوده بالعودة إليها واحتضانها . ويجزم دائما أنها على العهد في انتظاره هناك ، على شفير الوادي حيث تعود أن يلقاها .
أسماء غريبة تطالعك بين الصفحة والأخرى، أسماء جنود من دول مختلفة و شذرات من حياة لهم هناك في أوطانهم تنتظرهم . قصص لم تنته . مسارات بين العدم والوجود ،ٱمال وآلام وكوابيس وأحلام .
يشدك إليه وهو يصف بؤس الفلاحين الذين مر بهم في القرى و يصور لك لهفة الأطفال والنساء والشيوخ للحصول على علب السردين وقطع الجبن المجفف وأكياس الأرز والدقيق التي تمدهم بها منظمات الإغاثة الدولية أو تجود بها عليهم فيالق الجنود مقابل استعمالهم دروعا بشرية لاتقاء غارة مفاجئة من العدو .وكم كان المشهد مفزعا وهو يصور مشهدا لغارة مفاجئة ؛أشلاء ودماء ، رؤوس تطير في الفضاء وجثث بشرية متفحمة ودموع النساء و فزع الأطفال و حرقة السؤال يتردد في الأرجاء ، خراب و دمار ودوار .
ويعود بك إلى "فاطمة" وعيونها العسلية وأمه وحضنها الدافئ وأبيه و إخوته وهم يتوزعون تحت أشجار الزيتون يجمعون الحبات وقد تشققت أناملهم وأرجلهم من صقيع ديسمبر، وحين استوت الحبات زيتا في الجرار ، تأتي محلة الباي وجند فرنسا ومن والأهم فيغنمون نصفها أو يزيد أمام أعين دامعة ونفوس منكسرة وأرجل حافية وأكف دامية .
يقول الراوي إن تلك السرية التي انتمى اليها ذلك الجندي المجهول قد أبيدت ذات ليلة على بكرة أبيها اثر غارة جوية مباغتة . لم ينج منها الا أفراد قلائل كلهم من دول المستعمرات. جمعوا، ولما تضع الحرب أوزارها ، في مركز لرعاية كبار المحاربين في مصحة على هضبة في ضواحي باريس . ثم قضى بعضهم نحبه . ولا زالت تنتاب البعض الٱخر حالات من الهستيريا والكوابيس . ويذكر أن جميعهم لازال يهذي في فزع من ويلات الحرب و فضاعة ما شهدت عيناه ، إلا واحدا فقط . كان صامتا طوال اليوم فاذا هبت ريح جنوبية انبرى يردد اغنيته الوحيدة " جبل فاطمة " بصوت جبلي فيه شجن عظيم تنفطر له القلوب :
"ما ابعد جبل فاطمة عل جبلنا ****رانا ذبلنا
قولوا لجبل فاطمة***يقابل جبلنا ".
ثم إذا ما امتلأ منها تلقمه الممرضة جرعة المخدر فيصعد إلى السماء .
كان نصف مجنون حين وضعت الحرب أوزارها . هكذا قال الراوي . اقترحوا عليه أن يعود إلى وطنه لكنه رفض.
رفض أن يعود إلى أرضه و قريته البائسة بقدمين مبتورتين عوضوهما له في المستشفى بأخريين من البلاستيك لا دماء فيهما وذراع اصطناعية بديلة جامدة . وتمسك بالرفض أكثر، حين علم من رفيق سلاح لم تنل منه الحرب أن فاطمة قد زفت لغيره . فطلب منه أن يشيع في القرية أن قد مات في المصحة بعد الحرب .
في الضفة الأخرى من المتوسط ، ظل والده يستقبل كل شهر جراية من صندوق قدماء المحاربين هي ربع ما خصصته له وزارة الدفاع الفرنسية . أما نصفها الآخر فظل يدفع للمصحة لقاء العناية بمستلزماته، وأما ربعها الأخير فظل يتقاضاه زوج فاطمة مناصفة مع ساعي البريد دون أن تعلم ، وقد اتفق معه على تدليس امضائها. كذلك كان أمر الجراية إلى ذلك أن انقطع صوته عن ترديد اسمها في تلك المصحة الباريسية البعيدة .
زياره
أتيت على الكتاب في ليلة واحدة .التهمته التهاما . كم كانت معبرة تلك الصورة التي رسمها الجندي نصف المجنون في ٱخر صفحة من الكتاب ؛ جسد بشري مقطوع الرأس ترفعه إلى السماء العشرات من بالونات الهواء وتشده إلى صخرة في طين الأرض حبال شداد . معلق هو بين السماء والأرض. لاهو بالميت ولا هو بالحي . فلا هو في الأرض ولا هو في السماء .
كان ارتطامي بالجدار مدويا وأنا أبحث عن الباب حين انقطع التيار . ورأيت ، أو هكذا خيل إلي ، الجندي نصف المجنون يجلس على الطرف الٱخر من السرير، شاهرا ذراعه اليسرى الاصطناعية في سخرية واستهزاء ومقدما براحة يده اليمنى رأسه مقطوعة وقد نبتت من جانبيه جناحان كبيران .
حين أفقت من ذهولي كانت خيوط الشمس تتسرب باحتشام من النافذة ويدي لا زالت تمسك بدفتي الكتاب . تصفحته مجددا فإذا نصفه الثاني أوراق بيضاء . وإذا في أعلى الصفحة البيضاء الأولى ثلاث جمل فقط كتبت بخط عربي جميل :
" لا تكن أبدا كالريشة في مهب الريح ...
إذا ضاعت قبلتك، فابحث لنفسك عن طريق أخرى غير التي عرفت ...
ومتى عرفت عدوك عرفت طريقك ...

**************************************************

2- شوق..
                همهم والتقط أنفاسه كمن لم يذق طعم الهواء من قبل ...تشابكت اصابعه ثم شخص في الفضاء .ادركت ان محدثي لم يعد يراني فأشفقت عليه وخشيت على نفسي من شظايا لن أنحج في الخلاص من جراحها ...فك اصابعه ثم شبكها من جديد فنفرت عروقها وارتعشت او هكذا خيل الي ...امتقع وجهه وتقطبت اساريره واستجمع شتاته وهم بالكلام فارتعشت شفتاه وتيبستا فزمهما الى لسانه وطفرت من عينيه دمعة حرى انسكبت حتى تسربت بين شاربيه وغرغرت في نفس عميق كمن يكابد لظى النار تستعر بين جنبيه ...
          ولم يكن بد من انتشاله قبل ان تحترق الروح فلا أظفر الا بالسراب ..مددت يدي في حذر وضغطت على يده اخفف رعشتها واومأت برأسي دون ان أنطق ببنت شفة ...رفع عينيه الى وجهي ثم قال : " لم أكن افقه من الدنيا شيئا يومها ...لم ابلغ الخامسة من عمري ...ولم يكن يعنيني من العالم شيء غيرها ...كانت كل دنياي ...وكنت كل دنياها ...ٱوي اليها مقرورا فتضمني الى حضنها الدافئ وتحيطني بجناح "بخنوقها" وتربت على كتفي فتنتابني لذة وسكينة ويغشاني دفؤها اللذيذ حتى اكاد اسمع نبض قلبها ...تهدهدني فينساب صوتها الرخيم "سعدي سعد سعدي سعد نا ولدي ما كيفه حد ..."
           حشرج وانسكبت دمعة سخية اكلت ما تبقى من فؤادي ...ثم لملم شتات نفسه وأضاف :"..ملامحها لا تزال مرتسمة أمام ناظري ...وهي تحث الخطى متعثرة مرتبكة على غير العادة ...تحثني على السير حينا ثم تحملني بين ذراعيها وانفاسها المتوهجة تلفح رقبتي ...تتعثر وتسقط ثم تقف وتعاود السير غير مكترثة بالكدمات التي اصابتها ولا بشالها الذي خلفته وراءها ....لم أفهم ساعتها ...كانت طوال الطريق تتشممني وتمطرني قبلا ...على وجنتي ...على عنقي ...وشعري ...وذراعي وصدري وظهري وكل جزء من جسدي النحيل المتهالك على صدرها ....وكنت اتحسس العرق يتصبب على رقبتها واعبث بجدائل شعرها تنسرب تحت غطاء رأسها ...لم اكن اعلم ان ذلك اخر عهدي بها ...تخطينا الجبال عبر مسالك وعرة ملتوية حتى اشرفنا على مضارب أخوالي ...وقد أخذ الاعياء منها كل مأخذ ...وقد مالت الشمس نحو المغيب ..انزلتني عن عنقها وعاودتها موجة القبل وطفرت الدموع من عينيها وعمدت الى فجوة في الجبل تفقدتها بدقة واجلستني بها واوصتني ان لا أغادرها حتى تعود الي او ياتي لاصطحابي جدي او أحد أخوالي .....ثم عاودتها موجة القبل ...وغابت في اندفاع نحو الهضبة المقابلة ...فشعرت انها قد اخذت معها روحي ومهجتي وتهت في الفراغ ." ....
          استجمع محدثي شتاته كمن تاهت به السبل وفقد ملكة الكلام ...ثم قال : "لم تمر الا بعض ساعة حتى دوى في الفضاء دوي هائل ارتجت له جنبات الكهف الذي يأويني وارتج معه قلبي ....وتصاعد في الفضاء عمود من الغبار كاد يلامس السماء ...ولم استفق من غيبوبتي الا على يدي جدتي تضمني اليها وتمطرني بقبلاتها وتصيح بملء الفضاء " اواه يا كبدي ".وعلمت فيما بعد ان امي الحبيبة قد تناثرت اشلاؤها وهي تحاول ان تفتح لي مسلكا آمنا في حقل الالغام الذي يطوق مضارب أخوالي ....عرفت انها كانت تسعى الى تسليمي اليهم ليتسنى لها الالتحاق بوالدي في الجبهة ."
          صمت محدثي وانخرط في نشيج تنفطر له القلوب ولم يترك لي من الكلم شيئا ...جف حلقي وابتلعت لساني ...ورأيته يتطاول امامي حتى كاد راسه يلامس سقف الغرفة التي جمعتنا.

**************************************************

3-  ..وداعا يا أبي ...
لامر ما خطر له خاطر غريب يومها...لا يدري كيف بات ليلته يتقلب على الجمر...ما أثقل الليل حين يشتد في صدرك الصخب وتطلب الكرى فيتمنع ويضيق صدرك ولا تجد في الكون كوة واحدة بقدر خرم ابرة تبثها ضجيجه ...يقولون ان الارواح تسبح في الملكوت تحيط بنا لكننا لا نراها...ويقولون أيضا انها تسعد وتتألم مثلنا تماما ...تنتشي وتزهو اذا ابتهجت في الدنيا أرواح أخرى تحبها فتسارع بالخروج من برزخها لترفرف وتحلق في سمائها ...بات يصدق ...لقد شعر بذلك ليلة بات يقلب أدواته وكتبه وكراساته استعدادا للالتحاق بالمدرسة في يومه الاول ... ويقولون ايضا انها تغضب وتزمجر وتتألم حين يعرض لمن تحب عارض من عوارض الالم والانكسار التي كثيرا ما خيمت على سمائه ...ضاق صدره الليلة أكثر مما ينبغي ...أكثر مما يحتمل هذا الجسد ...لكنها لم تأت ...لم لم تأت كما يقولون فيبثها بعض ما يجد ...لم لم تأت فتؤنس وحشته وتحلق فوق رأسه وتهمس في أذنه همسها الناعم الطروب فيهدأ وينام على هدهدة صوتها وأنغام حنانها ورفرفة جناحيها ...أتراها نسيته هي أيضا ...وما الذي يمكن ان يشغلها عنه ...هو لم يفتقدها يوما ...كانت روحا شفيفة لطيفة ...بل كانت الالطف والاجمل والاروع من كل من حوله...وكم حاول ان يضمها الى صدره ...فعل ذلك اكثر من مرة ...وصورها خياله الغض في اشكال مختلفة ...جناحان بيضاوان ...لينا الملمس كالحرير ...يهبانه الدفء شتاء ويمنحانه نسيما عذبا لينا رطبا صيفا ...كانت تفلت من قبضته كلما فتح عينيه فيسارع الى غلقهما ليراها ...نعم كان يراها ...تمسك به وتضعه فوق رقبتها وتحلق به عاليا عاليا في الفضاء ...فيداعب انفاسه طيب أنفاسها ...عبق لذيذ لم يستنشق له مثيلا...كان يرى الافق رحبا وهو في مكانه ذاك ...بساتين ممتدة يانعة وأزهار زاهية وأنهار جارية ...لم يكن يستشعر جوعا ولا عطشا وهو معها ...كان يشعر أنه كالاثير...كم رغب ان تحمله الى منبت الشمس ...الى ذلك النور الجميل الذي يتدفق هناك هناك بعيدا فتسري في الكون ألحان عذاب يهتز لها الوجود ... كثيرا ما التقى في رحلته تلك بأطفال في مثل سنه وجوههم ناظرة تكاد من بهجتها تضيء ...وكم سعد بوجودها معه ...لم تكن جلسته تلك تشبه شيئا سوى ذكرى بعيدة جدا سكنت أعماقه وهو طفل لم يتجاوز عامه الثالث وهو يمسك بيدي والده وقد استقر فوق عنقه وهو يدور به وتتعالى ضحكاتهما معا ويسمع ضحكة امه وهي تمد ذراعيها من حولهما لتتلقفه ...كم هو بحاجة الليلة الى رحلة اخرى ...لم لم تأت تلك الروح الجميلة ...فتحلق به كما عودته ثم تسلمه الى فراشه البائس البسيط ويستسلم لاغفاءة من الجنة ...قبل أن يستفيق وقد مسحت عن صدره الغض كل حزن وكل أسى ...يستفيق وفي الصدر تلك الطاقة العجيبة من الصبر والعزم والأمل...
عاوده الامل ...مر من الليل نصفه او أكثر منه قليلا ...من يدري لعلها تأتي بعد حين ...سيغمض عينيه الان ...هيا ..هيا...ايتها الروح الجميلة ....
.اريد ان اهمس لك...لا تتركيني وحيدا مع الهواجس والظنون .
جافاه النوم ...تقلب ذات اليمين وذات الشمال ...سحب الغطاء ...غطى به وجه ...شعر بان قدميه في العراء...لف ركبتيه الى صدره ...تكور ...لا فائدة ...لن تأتي ...نزع الغطاء عن وجهه واستقام جالسا ..نظر الى يمينه فألفى جسدين تكورا في لحاف واحد ...والفى جسد أخته يلتحم بجسد جدته العجوز وقد انزاح الغطاء عن كتفيها وظهرها ...نهض بهدوء ...حمل لحافه وغطاها به ثم سار على أطراف أصابعه الى الزاوية الاخرى للغرفة حيث تعودت ان تنام امه ...تلمس فراشها فالفاه في برود الثلج ...امسك وسادتها بكلتا يديه وضمها الى صدره ثم غمر بها وجهه واخذ نفسا عميقا فتسربت الى شقوق الروح أنفاسها وانتشت ...اغمض عينيه يستزيد ...فانتبه للرفرفة الجناحين بين كتفيه ...انتفض واستدار ...فلم ير غير العتمة تلف الغرفة .
اتجه الى الباب ...تلمس الجانب الايمن فوجد الجرة في مكانها ...سكب في الدورق بعض الماء وعب حتى شعر ببرودة تسري في كامل جسده ...ملأ صفيحة تعود ان يصطحبها كلما زار صحبة أمه أو جدته قبر أبيه ...ودلف خارج المنزل .
قادته قدماه الى أطراف القرية ...لم يكترث لنباح كلاب القرية يصل الى مسامعه ...ولم ينتبه الى انه خرج حافيا الا حين انتهى المعبد وانخرط في المسلك الاقصر المؤدي الى المقبرة ...كان الظلام يلف الكون ...سمى الله وسلم وهو يطأ بابها...سمع حفيفا يتردد في الأرجاء ورأى في أقصى المقبرة كهيأة رجل ببياض تحيط به هالة من النور تجلس على شاهد قبر أبيه ....أو هكذا خيل اليه ...انفرجت أساريره وسرت في جسده قشعريرة وحث الخطى محاذرا أن تطأ قدماه القبور المتناثرة في غير نظام ...حتى وصل القبر فجثا على ركبتيه ...تلمس شاهد القبر...يبحث عن الرجل الذي رٱه للتو ...لقد تبخر .
تذكر سر الفاتحة ...هكذا كانت تقول جدته...للفاتحة سر عظيم ...تلاها في خشوع وترتيل كما تلاها حين أثنى عليه المؤدب ليلة السابع والعشرين من رمضان في رحاب مسجد  القرية وسط جموع المصلين ...وخيل اليه كأن أرجاء المقبرة تهتز ...وخيل اليه كأنه سمع عشرات الاصوات تؤمن بعده ....ها انا الان معك يا أبي ...ها قد جئتك أيتها الروح  الجميلة ...هل تسمعني يا  أبي ...لابد أنك تسمعني ...أفتقدك كثيرا ...أحن الى مداعبتك لي وملاعبتك ...أشتاق أن أضمك  ...أتلهف إلى مذاق تلك الحلوى التي تدسها في جيبي...وأعرف أنك بخير يا أبي ...لقد رأيت البساتين والازهار والانهار والجداول حين حملتني على كتفيك وحلقت بي روحك ...انا ايضا بخير ...وأختي أيضا بخير ...لا عليك ...نذهب الى المدرسة والمعلم يحبنا ...يقول اننا نشبهك ...يسلمنا  جائزة جميلة كل عام ...البعض فقط البعض يا ابي ...لا تهتم ... يسخرون من ميدعتي المرقعة وحذائي الممزق ...لكن لا يهم يا أبي ...أمي تقول أنني أفضل منهم وجدتي ايضا والمعلم ...أمي تقول أنني يوما ما سأكون قادرا على شراء ملابس جديدة وحذاء جديد وحتى سيارة ...حقيقية وليست مثل التي اشتريتها لي في العيد ...هي تقول فقط علي ان اجتهد.. وأنا أجتهد كثيرا في الدراسة يا أبي ...أمي لا تكذب ...أتدري لم جئتك الٱن يا أبي ؟ يقولون أن الارواح تنزل عند الفجر ...والفجر قريب يا أبي ...يقولون أنك عند الله يا أبي ...سأطلب منك طلبا وحيدا يا أبي ...أطلب من الله أن لا يأخذ أمي يا أبي ...بربك يا أبي ...ليس الٱن يا أبي ...انها مريضة يا أبي ...في المشفى ...خالي يقول حالتها صعبة ...في غيبوبة منذ اسبوع ...يقول ان الاطباء فعلوا كل الشيء ...و" الباقي على ربي "...اطلب منه ان يشفيها يا أبي ...فنحن نحبها ونحتاج اليها يا أبي ...بربك يا أبي "..
خيل اليه كأنه يسمع شهقات ...تلتها رفرفة عظيمة ...ثم استسلم للنوم في هدوء وسكينة كالرضيع ....ولم يشعر الا بشعاع الشمس يسري في اوصاله ...جلس وفرك عينيه ...استشعر من نفسه نشاطا عظيما ...سكب صفيحة الماء على شاهد القبر...وأعاد تلاوة الفاتحة ....ثم نهض يطلب الطريق ....ماكاد يصل المعبد حتى التقى " فرج" ابن خاله يبحث عنه ...
-" اين كنت ؟ ابي يبحث عنك منذ الصباح ...سنذهب انا وانت معه لزيارة امك في المستشفى ....ابي يقول انها بخير ...يومان او ثلاثة ونعود بها الى بيتها ...هيا اسرع ".
رفع يديه الى السماء ...شكرا يارب ...شكرا يا أبي ...والتفت صوب المقبرة ملوحا ...وداعا ...وداعا يا أبي

***********************************************

نصوص رائعة، أبدع الأديب الفكرة والسرد والاقناع، فجاءت النصوص كأنها لوحات بريشة فنان مبدع ، دام الإبداع والتميز أديبنا القدبر، بالتوفيق والنجاح الدائم ان شاء الله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم