مقصلة - مجموعة قصص قصيرة - بقلم الأديبة/ حنان الرقيق الشريف - تونس

بقلم الأديبة/ حنان الرقيق الشريف - تونس



مقدمة :
وستبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي ٧المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته في الغوص بأعماق أفكاره .. 

************************************************

1- ⚡⚡مقصلة⚡⚡
حاولت أن تفرّ من المصير فلسعتها حدة الشفرة .
 و خنقتها حمرة الحجرة المرعبة. و كادت أن تتقيأ  اصفرار المصير .ها هي مكبلة و يداها متورمتان. تتقاذفها الهواجس .تشرّق بها  الأمنيات ثمّ  تعود منكسرة لتغرّب بها  النهاية . دمها سيسيل في شوارع الكابوس  و صفرة جوفها ستنقع كل الوجوه . حلقت بناظريها في أرجاء العتمة ثم عادت لتمشط ذاكرتها المتعبة . لم تعد تتذكر كم  أمضت في جحيم العفن همست خائرة القوى:
"لن أتفوه بكلمة و لو مزقوا أشلائي .كل شيء مغلق، لن أستطيع أن أتسلل من ثقوب الأبواب و النوافذ الموصدة.أنى لي ذلك و أنا مكبلة  في عمود و الحبل يتنمّر؟؟؟ "
ولج الجلاّد  المكان و سُمع دويّ مخيف و دق حذاؤه في  هوة الدّاموس دقات رتيبة. خنقتها قذارة أنفاسه.
تمتمت حاقدة :  " سأقفز في وجهه.لن  أستجديه أن يبقيني على قيد الحياة.  سأشقّ أدغال أذنيه. لم لا أنزع عنها الصمغ النتن المعشش في الزوايا؟ لا شك أنني سأشنًف مسامعه.و سيطفئ لهيب غيظه في أجنحتي . و سأنتشي باستعمار  أنفاق عقله  "
 لكنها خرت مطأطئة جبهتها المتعرقة و لفظتها
 دوامة أفكارها اليد فارغة و الأخرى خاوية.
اِجتاجتها رغبة جامحة في الصراخ  فرفعت يديها
 و علا رأسها و تخدرت حواسها خدرا لذيذا و جعلت تطنّ : " سأحلق بعيدا بعيدا بجناحيّ المثيرين أكاد أراقص حبال النجوم و أخيلة القدّيسين.
 انتظر ارتعاش القدر ،أترقّب نشيد القمر.
 أنا أترنّح على ضفاف الموت. و خيوط الشمس تحتضر. و طبول الخراب تقرع في جمجمة جلادي "
و بدأ الصوت الغليظ  يقرأ سراط الخيبات.
فابتسمت ابتسامة ساخرة و جعلت تمور جيئة
و ذهابا أمام عينيه الحادتين كرقاص ساعة هاربة من الزمن. أصابه الحول. ضاجع عجزها على فراش منحوس .لكنه لم يحرك جفنا و لم يعبأ بأجراس النداء.
حاولت ان تستلّ شعره و تطمس تجاويف أنفه. لكن الصمت اجتاح الضلوع و همت دموعها مدرارا.
عادت إلى المشنقة قانعة بالمصير.  لملمت جرحها المتقرح .اِستجمعت قواها  ثم همست و الدم ينزف من فِيها:
 "مقصلتي  أرحم من العيون التي لا ترى
و من الآذان التي لا تصغي و من العقول التي لا تفقه.
احتضنت نبضي و عانقت صرير أوجاعي.أخصبت عقمي و زينت قبحي و فجرت صمتي
و أسعدت وجومي .سأحيا رغم طنين العذاب.
أضرمتُ التحدي و أشعلتُ لهيب الوجدان. أناحرّة رغم القيد، و بيضاء رغم السواد .. أغرتني حلوى الموت فاغتسلت بفتات النجوم  و دمرت صقيع المصير."
انتابتها قشعريرة و انتفض جسمها البارد
ثمّ قالت و هي ترسم ارتعاش النهايات:
" ذبابة أنا
و لكنني نقيّة أمام أعتى الحشرات
و أقذرها."

************************************************

2- 🌹عيّادة🌹
كانت الحافلة تمخض الأطفال مخضا∙كانت تغربل أوجاعهم لاستقبال يوم ممضّ جديد∙و كانت عيّادة الطّفلة البدويّة الحسناء ذات الشّعر الأسود  الفاحم
 و العينين السّوداوين  تنتظر بفارغ الصّبر أن يحلّ الرّكاب بالمكان المجهول∙ قيل لها إنه شارع خلفيّ بالعاصمة أطلق عليه كبار القوم "شارع الشّهداء"∙
لم تفهم كنه التّسمية لكنّها استبشرت باحتضان فضاء جديد لشقائها اليوميّ∙ لم تعد مضطرّةً إلى التسوّل
من السّابلةِ∙ و لم تعد مجبرة على الوقوف لساعات طوال بجانب إشارات المرور تتسلّل بين السيّارات لبيع المناديل الورقيّة∙ لقد طلب منها "ساطور" زعيم الفرقة أن تبيع الفحم قبل يومين من عيد الإضحى∙
لعلّ ذلك يدرّ عليه ربحا وفيرا ∙فأعاد ترتيب مهام الأطفال∙كان كل يوم يقلّهم من مخبئهم المتعفّن و لا يعود إليهم إلا مساء عندما يتأكد أن النّقود ترنّ في جيوبهم المثقوبة∙ كان يستغلهم في التّسول أو في التّحيّل أو في بيع أشياء تافهة∙يستنزف قوتهم و يهرق كدّهم على زجاجاته النّتنة∙
اِستعدت عيّادة للنّزول من الحافلة ، سلّمها كيسا كبيرا مملوءا فحما عجزت عن حمله ∙ فتنمّر وجهه العكر و كوّر يده و كاد أن يسدّد لها لكمة ∙ لكنّ النّدوب الزرقاء على محيّاها جعلته يعدل عن الأمر ∙
قد يؤجّل ذلك  ليوم آخر∙
تفرّس لأول مرّة في وجهها الصّبوح∙ لم يلحظ أبدا أنّها بدأت تكبر و أنّ أنوثتها طفقت تزهر∙ تحرّك
شيطان الغواية في جمجمته الخاوية∙ فوعد إبليسه بوليمة فاخرة تعدّها صبيّة الاثنتي عشرة سنة∙
تملّت قسماته البشعة في براءة∙ و لم تدرك سرّ الشرّ الكامن في أحداق  هذا الرّجل الأشيب
السكّير القذر صاحب العصا العقفاء التي يتخذها سوط عذاب للأطفال ∙
اِستسمحته أن تبدأ عملها∙فنزلت من الحافلة ملوّحة  بيديها الناعمتين لرفاقها البؤساء أكثر من مرّة∙
كان النعاس يجثم على أعينهم الثّقيلة المتعبة و لم يتفطنوا لوداعها∙ أعادت الكرةّ لكن أصدقاءها
أصابهم خدر المسافات∙ جعلت الحافلة تمخر عباب الطريق و عيّادة تردد هامسة"إلى اللقاء أحبتي أراكم مساء"
جمعهم نفق صغير  بجانب قطار أصفر تصدّأت أركانه بعد أن لفظتهم العائلة و المدرسة و بعد أن عصفت بهم الحياة و تقاذفتهم على الأرصفة و السكك الحديدية الهامدة و تفطّن إلى وجودهم لصّ الأطفال"ساطور " فامتصّ رحيقهم في أعمال التسوّل و الاحتيال∙و فكّر جدّيا في بيع القراطيس الصّغيرة أو في نهش لحم الفتيات∙
و رضيت عيّادة مجبرة بهذه الأعمال∙فقد فقدت والديها في حادث مرور مروّع∙ نثروا الحبّ و ناموا نومتهم الأبديّة∙ فطردها عمّها من المنزل طمعا في الجدران و قطعة الأرض الخضراء∙ فهجرت القرية إلى المدينة مع بعض الرفاق الذين حدّثوها عن الأضواء السّاطعة و عن المباهج الخلاّبة∙
توسّدت الطّريق في اللّيالي العاصفة و لم يهتمّ أحد∙ بكت حظّها تحت أسوار المدينة الثّكلى و لم يأبه أحد∙ تورّمت يداها و رجلاها من العمل و بدأت بقعة الظلام تكبر و تتّسع شيئا فشيئا∙ نقمت على الدّنيا
 و على الأهل الذين غدروا و خانوا أمانة والديها∙ لا تتذكّر ملامحهم كثيرا بيد أنها لم تنس أنهم أسموها عيّادة لأنها ولدت ليلة العيد∙
تبّا لهذه الذاكرة كلما خدرتها تصحو من جديد تجتثّ صور الماضي من ركن دافئ في القلب∙∙
كانت الفرحة فرحتين الخروف يثغو و عيّادة تُـناغي ∙جوقة من الأصوات جعلت الوالدين سعيدين∙ هكذا روت لها أمّها∙ تأتي أعياد و ترحل و عيّادة لا تشعر بالأمان∙ سكنت مدينة الأحزان∙ صارعت نوائب الدّهر حافية القدمين∙و لكنّها لم تطأطئ رأسها قط أيقظها من غفوتها صوت المزامير  في الشّارع الجديد∙ بعض الأطفال يلهون بدراجات زاهية الألوان
و البعض الآخر يمسكون بأذيال أمهاتهم أمام مرايا المغازات التي تكشف خداع العابرين∙فتخيّلت نفسها ترفل في فستان أسود مرصّع باللآلئ البرّاقة∙
عيّادة لا تعرف من العيد إلا اسمها∙ ظلّ محفورا في ذاكرتها كوشم جميل∙ و لا تتذكّر من فرحته إلاّ دندنات أمّها "يا ليلة العيد أنستينا"  فيهمس والدها نشوان حاضنا عيّادة "و جددت الأمل فينا"
أين تلك السّعادة التي كانت ترفل في ثوب زهري لمّاع؟
اِقتربت عيّادة من محل لبيع الحلوى الفاخرة و الشكلاطة∙كانت ترمق من بعيد أفواج الأطفال يتزاحمون على الشّراء و يخرجون محمّلين بعلب جميلة∙ تمنّت في سرّها أن تتذوق الحلوى ، أن تجرّب سرّ الشكلاطة ∙راحت تقتفي أثر الحلم في يوم عاصف∙
عادت من جديد إلى سياط الواقع يجلدها∙ فاستفاقت على كيس الفحم أمامها و بدأت تنادي لعلّ أحدهم يسعفها ببعض المليمات∙ هل تستطيع هذا العيد أن تشتري قطعة حلوى ؟لعلّها في طعم الفحم أم تراها ألذ؟؟
نظر إليها بعض المارة بازدراء∙ و استغربوا وجودها في هذا الشارع∙ هالتهم ملابسها الرثّة و شعرها المجعّد و وجهها الكاسف∙و أشفق عليها أحدهم فاشترى كيسا و الآخر كيسين∙ شدّتهم ملامح الحسن
و البراءة رغم الإهمال∙
اِنقضى يومها سريعا∙و سعدت بكسب يسدّ الرّمق و يخرس "ساطور"∙ ما جعله يعود بها في اليوم الموالي إلى نفس المكان∙ و خمد شيطان الشّهوة عندما لمعت النّقود أمامه∙
حلّت ليلة العيد و عيّادة ترابط في نفس المكان و رائحة الحلوى تشقّ أنفها و تدغدغ حواسّها∙
لم يبخل عليها أبوها أبدا بملذّات الطّفولةِ و إن كان الدّخل زهيدا∙فاحتفظت بمذاق الشّهد في حلقها كسطوة الذّاكرة∙و راحت تغنّي في شجن "بيت العزّ يا بيتنا على بابك عنبتنا"
كانت العريشة تظلّل البيت بفيئها و كانت عيّادة تجد فيها متنفّسا للعدو وراء الفراشات∙
ركبت صهوة الذّاكرة و حصدت عنق الواقع∙و بدأت ترقص على مدارات الحنين∙
تطايرت بالونة ورديّة أمامها فحاولت الإمساك بها مثلما كانت تسعى وراء الفراشات∙ ريشة جميلة تتقاذفها الشّوارع∙ نخر دود الحقيقة خيالها إلا  أنها لم تذعن لمرأى الفحم أمامها∙ الأكيد أن الحياة بالألوان∙سترتدي في العيد ثوبا مقصّبا ،سترفل كأميرة أسطوريّة، ستوقد مشكاة السّعادة و سينطفئ لهيب الألم، ستتخلّص من "ساطور" ومن نظراته المريبة لجسدها، ستسدّ كل الدروب أمام طمعه الحيواني، سيزهر قلبها المريض، و ستتدلى عناقيد الفرحة∙
لم تتفطن أنها اقتربت كثيرا من السيارات المولولة في الطريق∙لم توقظها المنبهات الجامحة ∙
شمعة متوقّدة وسط عالم جاحدٍ∙ الكلّ يجري للاحتفال بالعيد∙
يسقط بغتة طفل أنيق قطعة حلوى على الأرض فيبكي و يتعالى عويله ∙ فتقترب عيّادة  لتلتقط الحلوى
و تسكت الصّغير∙لم تنو أبدا أن تلعقها∙و من بعيد تلوح سيارة مجنونة يرقص سائقها على أنغام "الليلة عيد"و يدهس عيّادة و يغرق دمها شارع الشهداء∙∙∙

 ************************************************

3-

🍁طريق سيارة🍁
لا أدرك جيّدًا الوقت الذي تحركت فيه سيّارتي∙ كنتُ مغتاظًا . كان لا بدّ أن أغادر منزلي بلا رجعةٍ∙ محال أن يجمعنا نفس السّقف من جديدٍ∙
المقودُ يتوجّع تحت سياطِ يديّ القابضتين على جسده بقوّة و كأنّني أنتقم لكرامتي المهزومة∙
نظرتُ نِظرةً سريعةً إلى الفضاء من حولي∙السّماء ملبّدةٌ و السّحبُ الدّكناء تتدافع متناطحةً تنذر بعاصفةٍ هوجاءَ∙ وميض برقٍ في الأفق يخطف الأبصار و يخطف ذاكرتي المشوّشةَ∙ إلى أين سآوي هذه  الليلة؟
مالت عربتي نحو الطّريق السّيّارةِ و بدأت تنهَب الأرض نهبًا تُسابق تلبّد الغيوم∙ أرى أمامي نسرا شامخا يرفّ بجناحيه يحيّي العابرين∙ غير بعيد تشكّلت السّحب أفعى رقطاء.هل هي خيالات زوجتي؟
جمعني القدر بها في فرنسا ∙كنت طالبا مجدّا أبحث عن الاستقرار∙ساعدتني و أوتني و منحتني الجنسيّة∙ و تحصّلت بسرعةٍ فائقةٍ على العمل∙ و باجتهادي استطعتُ أن أنحت اسمي في سماء الشركات العالميّة∙ فارتقيتُ في سلّم الدرجات و أصبحت مشهورا .و بدأت علاقتي تفتر حد البرود.
و فكّرت أن أعود إلى بلادي و إلى حضن والديّ و قد هجرتهما أكثر من خمس عشرة سنة∙ لم يكونا راضييْن على زواجي بأجنبيّةٍ∙ و قد رغبا في أن أستقرّ في وطني و أن أعقد رباطا مقدّسا مع حوريّة بلدي∙ لكنّني تمسّكتُ بجوليا∙ فمقتا ذكرها
 و رفضا التّواصل معها حتّى على الهاتف∙ و لم يغفرا لي الجفاء∙ فعصفت بقلبي الرّياح و فتتت روحي أعاصير الندم.
تطلعتُ إلى النّافذة، تيّارات عاتية و أزهار تتطاير في السّماء.
مع بداية ذبول خيوط الشّمس تحرّك الرّعد يهزم∙ ثمّ أرسلت السّماء وابلها∙ ليتني أستطيع أن أوقف عجلات السيّارةِ∙ أهيم بلا هدفٍ يغطّيني عويل سحاب حالك∙تلطم زخاتُ المطر القويّة زجاج النّافذة بين الفينة و الأخرى∙ فتستفزّ خيالاتي المتقرّحة و تجثمُ على وحدتي في هذا القفر∙ و زلزلت صواعق الرّعد جدران فؤادي∙و دوّت الرياح في مسامعي كزعيق الجنّ∙ آن الأوان أن أدفع بقاربي المضطرب إلى بحر الأنغام∙ بحثتُ عن قناة صاخبةٍ تبدّد وحشتي و تتغلب على نقرات المطر∙فلم أفلح و انصهرت همومي  مع ضجيج الغيوم∙
لاح لي عن بعد بريق أنوار يتلألأ∙ فأدركت أنني اقتربت من محطة استخلاص ∙ فتنفسّتُ الصّعداء و بدأ هدير الرعد
 يخفتُ و جنون المطر يسكن∙ لمحت طفلا ينادي على آخر رغيف تحت مظلة متأوهةٍ∙ زقزقت عصافير بطني و مددتُ يدي المرتعشة لأبدّد سغبي∙ تهلّلت أسارير الصّغير الذي بدا تحت الأمطار كجرو متشرّد∙ قطع لي التذكرة و سلمني الخبز بيدين ملطختين بالسّواد∙ و كدت أن أقضم اللّقمة الأولى
و انا أستعد للانطلاق من جديد إلا ان المحرك خفتت أنفاسه
 و همدت حركته∙ منبّه سيارة متعجلةٍ يطلق صفيرا مزعجا∙ فأومأت لصاحبها أن يغيّر الرواق حتى أبعد سيارتي المعطبة لكن من سيساعدني؟؟ تسلل الطفل من النّافذة و أعرب عن استعداده للدفع∙ سمعته ينادي بأعلى صوته لصحبه الموزّعين على طوار المحطة∙ يا لحظي المنكود حتى بطارية هاتفي خمدت∙ وجدت الصبيّ يقترح عليّ أن أصحبه إلى منزله القريب في انتظار النّجدة∙ فقبلت دون تردّد∙ سألته عن اسمه فردّ بعفويّة:
« اسمي سعيد و أبي فرحات و أمّي تدعى سعديّة و أختي فرح»
ضحكت دون أن أنبس فأردف« إنها جمهوريّة السعادة يا سيدي‼»
بلغنا المنزل بعد أن قطعنا دروبا وعرةً، غطت غدائر المياه الأخاديد ∙و غسل المطر كل دهاليز روحي المظلمة∙ اِستقبلتني العمة سعديّة أحسن استقبال في بيت حقير مؤلف من حجرة و مطبخ∙
تراءى لي قصري الشامخ الذي سكنه الصقيع∙كنت أفكّر جدّيا منذ فترة في الرّحيل عنه∙ و حملت حقائبي أكثر من مرّة، لكنّني تركتها لها∙ و تركت الجدران تتلظى بجحيم عراكنا اليوميّ∙ كانت تريد العودة إلى بلادها
و رفضت ذلك بشدة كيف لي أن أعود بعد أن كسبت مرضاة والديّ بجهد جهيد؟؟
 كنت قد هجرتهما و خالفت رغبتهما و خذلت أمانة رعاية أحلامهما إلا أنّني عدتُ لأقبل التّراب تحت أقدامها و قبلا عن كره∙ كنت أزورهما من حين إلى آخر لأطمئن على صحّة أمي∙ لقد شاخت و تهدّلت  لكنّ قلبها لم يرض بالغريبةِ التي احتلت أرض وحيدها∙ فانغمستُ في العمل حتّى أنسى خيباتي∙ فكرت أن أنشئ جمعيّة لمساعدة الفقراء و أزيد أسهمي في بورصة العمل الخيريّ، تعاهدت أكف نديّة على سقايتها بمال نقيّ∙ و نصحني بعضهم بالترشّح إلى منصب الرئاسة بعد أن اصطفّ القوم في طوابير الزّعامة كما يتهافت الذباب على الوليمة∙كيف أكون رئيس بلاد و لم أستطع أن أكون سيد بيتي المتجمّد؟؟ أخشى كثيرا الاحتكاك بالناس و ها أنا في بيت كلحت جدرانه المقشرة و تآكلت نوافذه و صفرت الرياح بين جنباته .في ركن الغرفة أب مقعد يبتسم في خشوع  ناظرا إلى رجليه المتبيستين.
أجلت البصر في أركان المكان.خواء مقيت، كرسي أعرج
 و سرير مشلول و سجادة بالية.
لكنّ الطفلة فرح تغنّي و ترقص في المطبخ الصغير حول تنور يتضوّر جوعا∙ سارعت العمة بذبح دجاجتها اليتيمة لتكرم إطلالتي البهيّة∙ فعصبت رأسها و شمرت على ذراعيها القويتين تحت جلباب فضفاض مسترسل حتى الكعبين∙ اِجتاحني إحساس غريب بالارتياح و الضيق.
 ذكرتني ملامحها بضفائر أمي  الفاحمة∙ رأيت في ملامحها الأصيلة حزن أمي∙رمقتها بامتنان ∙ سعيد يساعدها في كل شيء : هي تخبز و هو يبيع هي تجمع الحطب و هو يحمله على ظهره الخشن∙ هي تعمل في الحقل و هو يسهر الليل يراقب الزرع العقيم∙
كانت النافذة تصطكّ من البرد ∙ غشانا صمت ثقيل مرهق قطعه بوح سعيد∙ حدثني عن أمّه التي تترنّح يوميا في شاحنة حبلى بعشرات النسوة∙ حدّثني عن أخته فرح التي حرمت من نور الحرف∙ حدثني عن والده المقعد الذي
 تسوّست عظامه∙ حدثني عن أخيه الرضيع الذي عاد من المستشفى موؤودا في ورق مقوّى∙ همس ساخرا« كان اسمه سعد» أصابتني قشعريرة ∙ لسعني حرماني من الأبوة∙ قصر شامخ، زوجة أجنبيّة ، مال وفير لكنّ القلب خاو∙ بكل حنان دعوت الله أن يحفظ هذه العائلة التي  تعيش في بيت  تلطمه الرّزايا لكنها تشعر بالسعادة∙
هل عشت مع جوليا هذا الإحساس؟ نعم لقد عشقت حبها للحياة ،للسفر، للحقائب المتطايرة على أجنحة الحنين∙ زرت معها كل بلدان العالم∙ أخفت في صمت حزنها من قطيعة والديّ∙ أذعنت لرغبتي في العودة إلى أرض الوطن بيد أنها
لم تستطع أن تنحت لها وجودا في خارطة عائلتي∙
سعت أكثر من مرّة أن تجسس عل أحاديثنا على الهاتف∙ زرعت سماعات في الجهاز و  تفطن أبي  الأمني الخبير لذلك ∙قال إنها جاسوسة بامتياز∙ فلم أكثرث و حفرت الجرح و واصلت الطريق إلى أن فاض كأس الصبر و قرّرت العودة∙ فتركت لها البيت في انتظار غروب المصير∙
مضت الليلة الموحشة و أشرق صباح مضيء∙ فابتهج الحقل الصغير تحت أشعة شمس دافئة∙
و استطعت أن أتصل بالنجدة من دكان صغير∙ ودعت العائلة في امتنان كبير∙
 حقيبتي تنتظر الرجوع∙ وجدت مخرج العودة و قفلت إلى بيتي الحزين.
هل رحلت جوليا؟ هل اقتطعت تذكرة السفر؟
غصتُ في دوامة الحيرة فابتلعتني  و لم أتفطّن إلى طول السفر∙ عندما اقتربت من شبح قصري تراءت لي جوليا  ترفل في ثوب أبيض شفّاف منمّش بالسواد∙ فاتنة من فاتنات الزهور البريّة  تستجدي سيارة أجرة تقلّ أحزانها∙
حدجتني بنظرة طافت برأسي في دائرة قطرها عمري∙ همست و هي تنظر إلى حقائبها المشتعلة في أتون المكابرة
« أنا حامل∙∙»
ألفيت نفسي عالقا في أسلاك الحدود

************************************************

3- 🍁طريق سيارة🍁
لا أدرك جيّدًا الوقت الذي تحركت فيه سيّارتي∙ كنتُ مغتاظًا . كان لا بدّ أن أغادر منزلي بلا رجعةٍ∙ محال أن يجمعنا نفس السّقف من جديدٍ∙
المقودُ يتوجّع تحت سياطِ يديّ القابضتين على جسده بقوّة و كأنّني أنتقم لكرامتي المهزومة∙
نظرتُ نِظرةً سريعةً إلى الفضاء من حولي∙السّماء ملبّدةٌ و السّحبُ الدّكناء تتدافع متناطحةً تنذر بعاصفةٍ هوجاءَ∙ وميض برقٍ في الأفق يخطف الأبصار و يخطف ذاكرتي المشوّشةَ∙ إلى أين سآوي هذه  الليلة؟
مالت عربتي نحو الطّريق السّيّارةِ و بدأت تنهَب الأرض نهبًا تُسابق تلبّد الغيوم∙ أرى أمامي نسرا شامخا يرفّ بجناحيه يحيّي العابرين∙ غير بعيد تشكّلت السّحب أفعى رقطاء.هل هي خيالات زوجتي؟
جمعني القدر بها في فرنسا ∙كنت طالبا مجدّا أبحث عن الاستقرار∙ساعدتني و أوتني و منحتني الجنسيّة∙ و تحصّلت بسرعةٍ فائقةٍ على العمل∙ و باجتهادي استطعتُ أن أنحت اسمي في سماء الشركات العالميّة∙ فارتقيتُ في سلّم الدرجات و أصبحت مشهورا .و بدأت علاقتي تفتر حد البرود.
و فكّرت أن أعود إلى بلادي و إلى حضن والديّ و قد هجرتهما أكثر من خمس عشرة سنة∙ لم يكونا راضييْن على زواجي بأجنبيّةٍ∙ و قد رغبا في أن أستقرّ في وطني و أن أعقد رباطا مقدّسا مع حوريّة بلدي∙ لكنّني تمسّكتُ بجوليا∙ فمقتا ذكرها
 و رفضا التّواصل معها حتّى على الهاتف∙ و لم يغفرا لي الجفاء∙ فعصفت بقلبي الرّياح و فتتت روحي أعاصير الندم.
تطلعتُ إلى النّافذة، تيّارات عاتية و أزهار تتطاير في السّماء.
مع بداية ذبول خيوط الشّمس تحرّك الرّعد يهزم∙ ثمّ أرسلت السّماء وابلها∙ ليتني أستطيع أن أوقف عجلات السيّارةِ∙ أهيم بلا هدفٍ يغطّيني عويل سحاب حالك∙تلطم زخاتُ المطر القويّة زجاج النّافذة بين الفينة و الأخرى∙ فتستفزّ خيالاتي المتقرّحة و تجثمُ على وحدتي في هذا القفر∙ و زلزلت صواعق الرّعد جدران فؤادي∙و دوّت الرياح في مسامعي كزعيق الجنّ∙ آن الأوان أن أدفع بقاربي المضطرب إلى بحر الأنغام∙ بحثتُ عن قناة صاخبةٍ تبدّد وحشتي و تتغلب على نقرات المطر∙فلم أفلح و انصهرت همومي  مع ضجيج الغيوم∙
لاح لي عن بعد بريق أنوار يتلألأ∙ فأدركت أنني اقتربت من محطة استخلاص ∙ فتنفسّتُ الصّعداء و بدأ هدير الرعد
 يخفتُ و جنون المطر يسكن∙ لمحت طفلا ينادي على آخر رغيف تحت مظلة متأوهةٍ∙ زقزقت عصافير بطني و مددتُ يدي المرتعشة لأبدّد سغبي∙ تهلّلت أسارير الصّغير الذي بدا تحت الأمطار كجرو متشرّد∙ قطع لي التذكرة و سلمني الخبز بيدين ملطختين بالسّواد∙ و كدت أن أقضم اللّقمة الأولى
و انا أستعد للانطلاق من جديد إلا ان المحرك خفتت أنفاسه
 و همدت حركته∙ منبّه سيارة متعجلةٍ يطلق صفيرا مزعجا∙ فأومأت لصاحبها أن يغيّر الرواق حتى أبعد سيارتي المعطبة لكن من سيساعدني؟؟ تسلل الطفل من النّافذة و أعرب عن استعداده للدفع∙ سمعته ينادي بأعلى صوته لصحبه الموزّعين على طوار المحطة∙ يا لحظي المنكود حتى بطارية هاتفي خمدت∙ وجدت الصبيّ يقترح عليّ أن أصحبه إلى منزله القريب في انتظار النّجدة∙ فقبلت دون تردّد∙ سألته عن اسمه فردّ بعفويّة:
« اسمي سعيد و أبي فرحات و أمّي تدعى سعديّة و أختي فرح»
ضحكت دون أن أنبس فأردف« إنها جمهوريّة السعادة يا سيدي‼»
بلغنا المنزل بعد أن قطعنا دروبا وعرةً، غطت غدائر المياه الأخاديد ∙و غسل المطر كل دهاليز روحي المظلمة∙ اِستقبلتني العمة سعديّة أحسن استقبال في بيت حقير مؤلف من حجرة و مطبخ∙
تراءى لي قصري الشامخ الذي سكنه الصقيع∙كنت أفكّر جدّيا منذ فترة في الرّحيل عنه∙ و حملت حقائبي أكثر من مرّة، لكنّني تركتها لها∙ و تركت الجدران تتلظى بجحيم عراكنا اليوميّ∙ كانت تريد العودة إلى بلادها
و رفضت ذلك بشدة كيف لي أن أعود بعد أن كسبت مرضاة والديّ بجهد جهيد؟؟
 كنت قد هجرتهما و خالفت رغبتهما و خذلت أمانة رعاية أحلامهما إلا أنّني عدتُ لأقبل التّراب تحت أقدامها و قبلا عن كره∙ كنت أزورهما من حين إلى آخر لأطمئن على صحّة أمي∙ لقد شاخت و تهدّلت  لكنّ قلبها لم يرض بالغريبةِ التي احتلت أرض وحيدها∙ فانغمستُ في العمل حتّى أنسى خيباتي∙ فكرت أن أنشئ جمعيّة لمساعدة الفقراء و أزيد أسهمي في بورصة العمل الخيريّ، تعاهدت أكف نديّة على سقايتها بمال نقيّ∙ و نصحني بعضهم بالترشّح إلى منصب الرئاسة بعد أن اصطفّ القوم في طوابير الزّعامة كما يتهافت الذباب على الوليمة∙كيف أكون رئيس بلاد و لم أستطع أن أكون سيد بيتي المتجمّد؟؟ أخشى كثيرا الاحتكاك بالناس و ها أنا في بيت كلحت جدرانه المقشرة و تآكلت نوافذه و صفرت الرياح بين جنباته .في ركن الغرفة أب مقعد يبتسم في خشوع  ناظرا إلى رجليه المتبيستين.
أجلت البصر في أركان المكان.خواء مقيت، كرسي أعرج
 و سرير مشلول و سجادة بالية.
لكنّ الطفلة فرح تغنّي و ترقص في المطبخ الصغير حول تنور يتضوّر جوعا∙ سارعت العمة بذبح دجاجتها اليتيمة لتكرم إطلالتي البهيّة∙ فعصبت رأسها و شمرت على ذراعيها القويتين تحت جلباب فضفاض مسترسل حتى الكعبين∙ اِجتاحني إحساس غريب بالارتياح و الضيق.
 ذكرتني ملامحها بضفائر أمي  الفاحمة∙ رأيت في ملامحها الأصيلة حزن أمي∙رمقتها بامتنان ∙ سعيد يساعدها في كل شيء : هي تخبز و هو يبيع هي تجمع الحطب و هو يحمله على ظهره الخشن∙ هي تعمل في الحقل و هو يسهر الليل يراقب الزرع العقيم∙
كانت النافذة تصطكّ من البرد ∙ غشانا صمت ثقيل مرهق قطعه بوح سعيد∙ حدثني عن أمّه التي تترنّح يوميا في شاحنة حبلى بعشرات النسوة∙ حدّثني عن أخته فرح التي حرمت من نور الحرف∙ حدثني عن والده المقعد الذي
 تسوّست عظامه∙ حدثني عن أخيه الرضيع الذي عاد من المستشفى موؤودا في ورق مقوّى∙ همس ساخرا« كان اسمه سعد» أصابتني قشعريرة ∙ لسعني حرماني من الأبوة∙ قصر شامخ، زوجة أجنبيّة ، مال وفير لكنّ القلب خاو∙ بكل حنان دعوت الله أن يحفظ هذه العائلة التي  تعيش في بيت  تلطمه الرّزايا لكنها تشعر بالسعادة∙
هل عشت مع جوليا هذا الإحساس؟ نعم لقد عشقت حبها للحياة ،للسفر، للحقائب المتطايرة على أجنحة الحنين∙ زرت معها كل بلدان العالم∙ أخفت في صمت حزنها من قطيعة والديّ∙ أذعنت لرغبتي في العودة إلى أرض الوطن بيد أنها
لم تستطع أن تنحت لها وجودا في خارطة عائلتي∙
سعت أكثر من مرّة أن تجسس عل أحاديثنا على الهاتف∙ زرعت سماعات في الجهاز و  تفطن أبي  الأمني الخبير لذلك ∙قال إنها جاسوسة بامتياز∙ فلم أكثرث و حفرت الجرح و واصلت الطريق إلى أن فاض كأس الصبر و قرّرت العودة∙ فتركت لها البيت في انتظار غروب المصير∙
مضت الليلة الموحشة و أشرق صباح مضيء∙ فابتهج الحقل الصغير تحت أشعة شمس دافئة∙
و استطعت أن أتصل بالنجدة من دكان صغير∙ ودعت العائلة في امتنان كبير∙
 حقيبتي تنتظر الرجوع∙ وجدت مخرج العودة و قفلت إلى بيتي الحزين.
هل رحلت جوليا؟ هل اقتطعت تذكرة السفر؟
غصتُ في دوامة الحيرة فابتلعتني  و لم أتفطّن إلى طول السفر∙ عندما اقتربت من شبح قصري تراءت لي جوليا  ترفل في ثوب أبيض شفّاف منمّش بالسواد∙ فاتنة من فاتنات الزهور البريّة  تستجدي سيارة أجرة تقلّ أحزانها∙
حدجتني بنظرة طافت برأسي في دائرة قطرها عمري∙ همست و هي تنظر إلى حقائبها المشتعلة في أتون المكابرة
« أنا حامل∙∙»
ألفيت نفسي عالقا في أسلاك الحدود∙
***********************************************

ابدعت الأديبة في كتابة نصوصها بأسلوب شيق جميل وسرد رائع ، نصوص استحقت التوثيق، دام التألق والابداع اديبتنا المبدعة ، موفقة دائما أن شاء ألله.



0/أكتب تعليق

أحدث أقدم