الثائرة - مجموعة قصص قصيرة - بقلم الأديبة/ نور الخالدي - العراق

بقلم الأديبة/ نور الخالدي 
- العراق 




القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته في الغوص بأعماق أفكاره ..

*******************************************
1- الثائرة
.....
جثمت الدجاجة سوسو واجمة مغمومة، أبصرت شكلها المنعكس على سطح ماء البركة الموجودة في منتصف المزرعة، نتشت ريش الطاووس الذي ألصقته على جسدها لتواري لون ريشها البني، اجتزت الشعيرات السوداء الملتصقة في رموشها والتي كانت بالأساس شعر متساقط من أحد عنزات المزرعة، بللت منقارها لتمحو لون الدهان الأحمر الذي استخدمته لتبدو بلون منقار البجعات، التهمت الحنطة حد التخمة بعدما اتبعت حمية صعبة ليكون جسمها بنحافة جسم الحمام، قالت:

"تعسا لكل من يحاول أن يجعل من نفسه مسخا ابتغاء مرضاة الآخرين".

اتجهت نحو قن الدجاج وسط نظرات الفزع البائنة على أعين الدجاجات الأُخريات.

تأملتهن وهن يتجمعن حولها، قالت:

"لقد قررت العيش لذاتي فقط، أفعل ما يحلو لي لا ما يرغبه البعض، لن أكون مثلكن بعد اليوم، لقد أحببت نفسي كما أنا، لن أتطلع إلى ما يملكه غيري بعد اليوم"

سرت همهات بين الدجاجات الغاضبات، لكنها أكملت قائلة.

" انظرن إلي؛ ألا ترين ملامح السعادة الواضحة علَي لقد أدركت أن التصالح مع الذات يمنح شعورا بالسلام الداخلي وثقة بالنفس ورضا عن الحال، وها أنا اتخذت الخطوة الأولى نحو السعادة وأدعوكن للاقتداء بي"

قال الديك:

- من أنت لتحددي ما علينا فعله؟! ومن تكونين لتتمردي على ما تورثناه جيلا بعد جيل؟! لا بُد من  فعلٍ يُعيد الصواب لعقلك إن كان لك عقل من الأساس، لقد جلبت العار لنا، ومن الآن لن يكون لك مكان بيننا، اذهبي للنوم بجانب البط".

صرخت:

- لن أذهب لأي مكان، أنا دجاجة وسأعيش معكن.

- لن نقبل المشاغبين في صفوفنا، إما أن تكوني مثلنا أو ترحلي من هنا.

تحركت  من مكانها، بعدما رمقت الديك بنظرة تحدٍ وكأنها تخبره "سأفعل ما أريد ولن تكون لك سلطة علي" اتجهت نحو القش حيث مكان رقودهن، وما هي إلا لحضات حتى أقمن الدجاجات مجلس عزاء بعدما قتلنها نقراً.

************************************************

2- مهندس متعدد الاستخدامات

"حاول اختيار توقيع مناسب وجميل يليق بك كمهندس، وتذكر جيدا أن هذا التوقيع سيكون اسفل مخططات مشاريع الدولة العملاقة والتي تقدر بملايين الدولارات - قهقه ثم أكمل- انظري يا امرأة أنا فخور وسعيد جدا ولدي صار مهندسا"


استفاق أيوب على صوت بوق السيارة التي كادت أن تصدمه أثناء عبوره الشارع، وراح يردد بداخله

" رحمك الله يا ابتي، تعال وانظر حال ولدك البائسة"

عبر الشارع بسرعة حاملا بيده ملف بلاستيكي أبيض اللون، يحوي على مجموعة أوراق شهادات اجتياز دورات خاصة ببرامج الحاسبة وبالأخص الهندسية منها، اضافة إلى وثيقة تخرج والمستمسكات الثبوتية.

استعد أيوب جيدا للمقالة، بدا نظيفا أنيق المظهر،وهو جالس في صالة الاستعلامات منتظرا دوره في المقابلة.

عندما دخل إلى غرفة المدير الجالس أمامه حامل ابيده سبحة كهرمانية ضخمة، بعد قراءته للملف قال له:

-مهندس؟!

-نعم.

-ترغب بالعمل في شركتي؟!

-نعم

-أعطني سببا لتوظيفك هنا.


اندفع أيوب في الحديث عن نفسه بحماس:

- لدي خبرة وكفاءة في شتى مجالات الهندسة المدنية، متخرج بدرجة جيد جدا والأول على دفعتي، أعمل على جميع برامج الحاسبة الهندسية وبرامج إدارة المشاريع الهندسية والجرافيك، كما أنني قد عملت سبع سنين في شركة بناء إحدى المجمعات السكنية لكن توقف المشروع بسبب عدم توافر السيولة الكافية.

صوب نظره تجاه الشاب الماثل أمامه، حرك شاربيه الكثيفين باصابع يده ثم قال:

-أنا هنا تاجر، مهمتي الحصول على اكثر الصفقات ربحا لي، مثلا الدوام من السابعة صباحا إلى التاسعة مساءً وربما يكون العمل أربع وعشرون ساعة متواصلة.

-ما الضير في ذلك، هذا هو عمل الهندسة بالضبط لا مواعيد فيه، احيانا يستوجب العمل السهر ليلا كاملا لانجاز صب الخرسانة.

-وهذا ما أعنيه بالضبط، لكن هنالك مشكلة أخرى.
-ما هي؟!

-لا يوجد لدينا موظف اداري. لذلك ستعمل الاداريات بنفسك.

رد أيوب قائلا:

-من أهم صفات المهندس الناجح هي أن يكون اداريا ناجحا!

-جيدا جدا، لا يوجد عندنا عامل نظافة، لذلك ستنظف غرفتك بنفسك وربما غرفتي أيضا إن كنت مشغولاً.

-النظافة من الإيمان يا سيدي.

-لا يوجد لدينا عامل تقديم الضيافة لذلك ستتولى أنت هذا الدور عندما يزورني احدهم.

- هنالك مثل تردده والدتي دوما "الضيف ضيف الله والمال مال الله".

-أحيانا ظهري يؤلمني وأحتاج إلى تدليك.


-كنت أدلك ظهر أبي رحمه الله.

فر المسبحة بيده عدة دورات، اسند جسده كليا على المكتب، رفع كوب الشاي وقبل ان يهم في شربه قال:

-أحيانا لا تتوفر السيولة اللازمة، لذلك لن ندفع لم أجرا شهريا بل متى ما توفرت السيولة، ربما ثلاث أشهر أو سبعة أشهر.


قال أيوب:

-قبل دخولي إلى شركتكم، لا حظت وجود عربة نقل بالقرب من الباب، فهل تحتاج حمارا يدفعها لك؟!

رمى الأوراق بوجه المدير ثم خرج من البناية، في للمساء كتب على صفحته الشخصية

"شهادة هندسة للبيع للجادين فقط نسخة أصلية"

************************************************

3- حياة

في بيت مظلم آيل للسقوط، فاحت منه رائحة الرطوبة وانتشرت فيه الحشرات والجرذان، جلست سميرة في غرفتها على ضوء شمعة صغيرة، رمت محتويات الكيس الأسود الكبير، شهقت لهول المنظر فهذا أكبر مبلغ رأته في حياتها، وقد أصبح اليوم ملكها.

مسحت دموعها بحجابها المهترئ ثم أخذت تعدهن رزمة رزمة وتردد بصوت مخنوق:

- لعنك الله يا أخي، ما الذي سيحدث لو أعطيتني حقي من ورث أبي؟! ماذا لو تركتني أعيش معك بدل هذا البيت الذي وهبته لي أحدى العوائل الغنية؟! ها أنت ميت الآن  - قهقهت-  لا أصدق أنك امتلكت بعضا من الضمير لتوصي خادمك أن يهبني نصف أموالك لي... لي وحدي!

حملت بعضها واستنشقتها ثم قالت:

- آه, يا لرائحتها العطرة التي لا يُنافسها سوى رائحة الكباب المشوي الذي لم أتذوقه منذ سنين، أمممممممم غدا سأتناول منه حد التخمة - تلمست وجهها ثم اكملت -  أخيرا سأعيد ترميم منزلي وتأثيثه وتزويده بالكهرباء وسأذهب لأمهر عيادات التجميل لأرمم هذا الوجه القبيح - صرخت - فلتحترق في جهنم كما حرقتني بالماء المغلي، يا لوقاحتك ترسل لي مالك لأغفر لك، أغفر ماذا أيها العقرب؟!  شبابي الذي قضيته في خدمتك وخدمة زوجتك العقيم أم جمالي الذي حرقته لمنعي من الزواج ممن أحب؟! لن أغفر لك ما حييت.

رتبت الرزم أسفل سريرها وبقيت ساهرة حتى الفجر..

في الصباح توجهت نحو أرخص مطعم في المنطقة، وقفت قبالته، حاولت عبور الشارع لكنها توقفت وعادت لمكانها مرة أخرى، وضعت يدها على حافظة نقودها الصغيرة، تنهدت تنهيدة مسموعة ثم كررت المحاولة مرة ثانية وثالثة، في المرة الرابعة وقفت أمام باب المطعم مباشرة أغمضت عينيها ثم قالت:

"يا لتهوري وغبائي! سنين وأنا أحلم بربع هذا المبلغ، ثم ها أنا على وشك أن أبدده على ملذات وقتية! تبا لي.. تبا لي، لأعود لعملي الذي  تأخرت عنه "


بعد خمسة لأشهر، انتشر خبر في وسائل الإعلام

"موت متسولة مليونيرة بسبب انهيار سقف منزلها المتهالك"

************************************************

بساطة الأسلوب وجمال الأفكار شيء جميل يجعل من القصة مادة بسيطة للقراءة والفهم والمتابعة ، احسنت اديبتنا المبدعة ، موفقة دائما ان شاء الله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم