كان صديقي - قصتان قصيرتان - بقلم الأديبة / زهرة ملك - المغرب

بقلم الأديبة / زهرة ملك 
- المغرب 


 القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته في الغوص بأعماق أفكاره .. 

***********************************************
1- كان صديقي
تثاءبت بسمة وهي تمدُّ ذراعيها خارج غطائها، لم تغادر فراشها وشردت بتفكيرها وهي تستمع لأغنية القيصر :

كان صديقي... وكانت حبه الأبدي
بل كان حبهما حكاية البلد
واستغربت الناس... كيف القصة انقلبت
إلى خصام...إلى ...هجر...إلى نكد

الذكريات تهُّز فيها كل شعور ينبض بالألم،
كانت كل فصولها مع سامي ربيعا وكان للألوان نبض و إحساس.
تتبَّعت مصدرَ شذى قصتهما الذي داعب مسام قلبها حيث كان اللقاء؛ هناك أخبرها بحبِّه، رفضته بدايةً، لكنه أسكرها بكلماته حدَّ الثمالة.

-دعي الحب يزهر يا بسمة.

-وهل يمكن للصداقة أن تتحوّل حباًّ؟ تساءلت مستغربة.
نظر إليها  وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة أمل وقال:

-نعم ...لقد نعمنا زمنا بالسعادة الوارفة في ظل صداقتنا، فعاصرتِ وجعي، ألمي، فرحي ودموعي... كنتِ لي السَّند والمعين، وكنتُ لك الرفيقَ الأمين، لكنّ صداقتنا أبت إلا أن تنجب لنا وليدا؛ هو حلم طالما حلمت به وخشيت البوح،فتقلَّبت بين نارين: نار حبِّك ونار خسارتك، تعبتُ، ولَم تعد صداقتك تكفيني.

نزلت دمعة حارة من عينيها لتُشرق بخجل على وجنتيها.
فهم رسالتها، رفرف الأمل أمام عينيه؛ فقد صار المستحيل ممكنا.

خشيت بسمة أن تتسرَّب صداقتهما من بين أيديهما، أما سامي فكان يرى أن الغروب لا يحول دونما شروق.
  تُوِّجت الصداقة بزواج، ولم لا وهو المودة والرحمة؟
عاشا بين أحلام ظليلة ورتَعا زمنا في فيئها، لكن دوام الحال من المحال.
مرَّت الأيام، سيطر شيطانُ الغيرة على سامي وضاقتِ السُّبُل على بسمة.
أصيبت صداقتهما بمرض عضال وحبهما أنهكه الشِّجار؛ فشاخ وحمل عكاز الرحيل وغادر...
لاالعتاب عاد يجدي ولا البكاء صار يريح.
وأدركت أن الجدال لن يُجديها فتيلا، فرأت أن تطبِّق مبدأ التنازلات المتتالية  والاستسلام لقدرها.

-أين القلب الكبير كِبرالفجر الوضاء في الأفق الفسيح؟  أين تلك المشاعر الجميلة التي لطالما داعبت فؤادي يابسمة ؟

-ذاك القلب مازلت أحمله بين جوانحي، والمشاعر ورود تُسقى  بالمودة والرحمة والاهتمام  بلسم كل العلاقات، وإن غاب اعتلَّت القلوب.
 لقد طالبتني بالكثير وتلبَّستك روح الزوج المتطلِّب وغادرك الصديق.
زواجنا يا سامي أقبر صداقتنا التي طالما اعتززت بها، لن أنسى دعمك وتشجيعك لي، لن أنسى خوفك عليَّ يوم وفاة أبي...كنت صديقا وأخا وسندا حقيقيا.

-أردت علاقة أسمى وأبقى يا بسمة.

-للأسف ،صارت حياتنا كلها نكد.

-أعرف وأشعر أن مشاعرنا باتت رهينة شجاراتنا المتكررة، قالها وعيناه تنطق بكل الأسى.

-أصبحت نظرتك لي يا عزيزي كنظرة تولستوي لزوجته أواخر حياتهما.

أرجعها صوت جرس الباب إلى وعيها وقطع شريط ذكرياتها.
استعاذت بالله من الشيطان الرجيم، وبخطى متثاقلة توجهت نحو الباب، فتحته.
نزلت دمعة حارة على خذها وهي تتسلم ورقة طلاقها.
اعترى الألم صوتها وهي تنطق بهدوء:

-كان صديقي فأصبح زوجي؛ فضاعا الاثنان.

نُحتت قصة رحيله في ذاكرتها، وتزودت بزاد الإيمان لتواجه مرارة الفقد بعد أن أضناها التفكير والندم.

************************************************
2- 

صرح خيال

يحكى أن حصانا تجادل مع إوزة، نظرت إليه نظرة غرور واستعلاء قائلة:

-لاتتفاخر بعلو قامتك وجمال خلقتك وسرعة أقدامك، فأنت سجين بيئة واحدة لا تفارقها، أما أنا  فإنني أعيش في بيئات ثلاث، أمشي وقتما يحلو لي، أطير كلما رغبت، أسبح إن أحببت.

جنح خيالها بعيدا -وهي تحكي الحكاية لابنتها-حيث انتهت رحلة ثقتها وتضحيتها.
سقطت منها دمعة حارة لتعلن استسلامها لذكريات حفرت لنفسها أخدودا عميقا في ذاكرتها، فتساءلت:

-مابالي لازلت أتذكر وطيف الوجع مازال يلازمني؟
حريٌّ بي أن أزيح هذه الذكريات التي لا مراء  سأتعثر في كثير من تفاصيلها وأنا سائرة على درب النسيان.
كيف يمكنني أن أتوازن وأفكر وأكمل المسير؟ وماذا بعد التفكير والتدبير؟
رباه، هل سأثعثر في شبكةالحيرة؟
(أسئلة كثيرة روادتها).

لازلت أتذكر يوم لقائي بك، كنت زميل أختي في العمل، شاب في عقده الثالث يبدو الوقار على محياه، وكنت أنا ذات العشرين ربيعا، طالبة جامعية لها من الأحلام نصيب، كنت أطمح أن أصير قاضية، ولا أنكر أنني كنت جميلة جمالا ملفتا للأنظار، ولَم يكن ذلك بالأمر الذي يستهويني فقد وضعت نفسي في برج عاجي ولن تطاله إلا كلمات فارس رسمت صورته في مخيلتي وحدَّدت موعد قدومه، فملكت زمام قلبي، لكنه أفلت مني وأعلن تمرده ما إن بدأت تختلق الأسباب لرؤيتي...

كنت حالمة، أعجبت بثقافتك ونضوجك الفكري قبل وسامتك، بلطفك ورومانسيتك قبل غناك،
قدمت لي حبا طالما قرأت عنه وتغنى به شعراء الغزل العفيف، لم تكن ذلك الشاب الطائش ففزت بقلبي العذري وقدت سفينة حياتي، سلمتك زمام قلبي ووثقت أنك ستصل بِنَا إلى بر الأمان وتتوجني ملكة على عرشك ،لكن المنصة التي صعدت عليها في خيالي كانت صرحا من خيال...فهوى.


أتعلم أن حكايتي لابنتي مسَّت شغاف قلبي، لقد كنتَ فعلا كالحصان سجين بيئة واحدة، سجين أفكارك ونظرتك للمرأة، ونسيت أن الإوزة لها اختيارات رغم أنني فضَّلْتُ السير على بساط أخضر ظننته آمنا.
ورغم تفوقي الدراسي، لم أتعلم السباحة مع الثيار أو الطيران كما ينبغي.

كان زواجنا مقبرة لكل طموحاتي، فألم يكن جدير بك أن تساعدني على إكمال مسيرتي الجامعية بدل طلبك مني التوقف عنها؟
لقد سجنتني  وبإرادتي، فاكتفيت بالعيش وسط بيئتك.
إنها أسوأ مصيبة قابلتها في طريق شق نجاح حياتي، إذ سقطت فجأة بعد أن كنت واهمة فعلا أنني واقفة على منصة التتويج، ذلك التتويج الذي تحلم به كل فتاة بعد زواجها.

يشهد الله أنني تمسكت بأسلاك ودك الشائكة حتى أدميت يداي ، فأفلتها يوم تأكدت من خيانتك لي، تلك الخيانة التي دق جرس الإنذار معلنا عنها منذ شهور: تأخرك الدائم ليلا، أعذارك الواهية لتبرير ذلك، إهمالك لفلذة كبدك التي كانت بلسما لتعبك اليومي -كما كنت تلقبها دائما-
أحداث متلاحقة لم أعرها انتباها...
ورغم حرصك الشديد تركت ثغرة تسربت منها رائحة خيانتك، تلك الثغرة لم تكن سوى هاتفك الذي نسيته ليرن بنغمة خاصة وكأنها رسالة القدر لي، فلم يكن من عادتي التجسس على خصوصياتك، ولَم يكن لدي هم مراقبتك رغم إهمالك و تغيرك المفاجئ .
ثقتي فيك أعمت بصيرتي، لكن قراءتي لرسائل العشق التي ملأت هاتفك جعلتني أصدق بصري، رسائل كالتي كنت تمطرني بها في بداية زواجنا الذي شاخ بعد إنجابي لصغيرتي.

واجهتك بالدليل فلم تنكر بل بررت:

-أنا رجل ،وقد غُوي آدم وهو في السماء، فكيف بمن هو في الأرض؟

-الخيانة يا عزيزي خطيئة لا مبرر لها.

-لست نبيا لأُنزَّه عن الخطأ.

-ولست كذلك لأتحمل الأذى، أفكارك هذه ستقودك إلى نهاية طريقنا.

-بل إنني أعدك بتعويضك عما ألحقته بك.

-كيف تعوضني وقد بعتني بلحظة لذة؟ الثمن بخس يا عزيزي.

-لا تنسي أننا مهما سعينا للكمال فلن نناله أبدا.
-
-أعرف أن "لكل شيء إذا ما تم نقصان"، لكن هل النقصان هو صفة لكم أنتم الرجال؟ هل هو شماعة تعلقون عليها أخطاءكم؟

كنت عاجزة، أكفكف دمعي غير مصدقة أنك فعلت هذا بي.
لملمت شتات نفسي وحملت حقيبة ذكرياتي مغادرة، ترجيتني كثيرا ألا أجعل نزوة عابرة تدمر حبنا وعش زواجنا.

-ألا تعلم أنك بتبريرك لنزوتك تلك سقطت من عيني وستسقط من قلبي؟

فكرت في كلامي الأخير وأنا أغادر حاملة صغيرتي.

توسلاتك لي أيقظت المارد الساكن في أعماقي ولم أتحمل أكثر.
فكيف لك أن تمسك بالنقيضين دون أن تخسر؟ تمسكك بي وخيانتك لي هما قمة التناقض.

كان هذا هو آخر عهد لي بحوار معك بعد أن قتلت فيَّ كل ما هو جميل.

عشت سعيدة وكنت مليئة بالفرح وبأحلام جميلة... لكن دخل غدرك إلى روحي فعاث فيها خرابا.
خيانتك لي كانت طعنة سامة، لم تبق من كرامتي كامرأة نطفة.
فبالله عليك قل لي كيف للمحب أن يقدم لحبيبته وتوأم روحه طبق خيانة لتتذوقه ويسري سمه في أوصالها ويميتها ميتة بطيئة؟

وكيف لنور حياة أن ينقلب نار موت ودمار لتحصد كل الأحاسيس الجميلة والذكريات الطيبة؟ كيف أصبحت هكذا؟

الحق الحق أقول لك: لن أغفر لك أبدا فالغفران لله وما أنا إلا إنسانة طعنت في قلبها وكرامتها.
أنا الزوجة المخدوعة التي نزفت دموعا حد الاختناق، أنا التي أرهق الحزن روحي، وغصة كتمان خبر خيانتك تلازمني، فرغم الوجع والانكسار صمتت خوفا من الفضيحة، فأين الخلل؟ الرجل يذنب والمرأة تصمت ،فأي ظلم هذا؟
لم أستطع أن أفك طلاسيم فعلتك، أعياني التفكير، واجتاحتني مشاعر كثيرة ولاذنب لي سوى أن روحي كانت توَّاقة إلى حب أسطوري لتأتي خيانتك وتجعل كل آمالي تئن وتقبع تحت ركام الوجع لتموت مذعورة مخنوقة.

حاولت الحديث معي مرات لنصل إلى حل، رفضت فلم يعد هناك من حل سوى انفصالنا.
وقد صدق نجيب محفوظ حين قال :"عندما تحزن الأنثى فإن آخر ما تحتاج إليه هو حلول الرجل الواقعية وكلماته العقلانية، هي تحتاج قلبا لا عقلا، إنصاتا لا حديثا، احتواء لا عتابا"

هنا قررت أن أكف عن نظام الشمعة المحترقة...

تمنيت العقم لذاكرتي الولود، حتى أنسى كل ذكرياتي الحزينة.

وها أنا أعلن أنني قد خضت غمار تحدي نسيان خيانتك ولفضك خارج مخططاتي.

سأتناسى الصدمة حتى يحين موعد النسيان؛
نسيان الذكريات بجميلها وقبيحها، سأنسى تضحياتي، سأنسى خيانتك وتبريراتك- وكأن الذنب سيغفر إن بُرِّر-
ولن أتذكر سوى أن الإوزة أمامها اختيارات ولها حرية القرار.

**********************************************
جميل ما ابدعت اديبتنا المتألقة، أفكار جيدة، بأسلوب راق جميل، ومعالجة جيدة، دام التألق والابداع ، موفقة دائما أن شاء ألله تعالى.


0/أكتب تعليق

أحدث أقدم