عيون لاغية- قصة قصيرة - بقلم الأديب/ محمد بلكوز - المغرب

بقلم الأديب/ محمد بلكوز 
- المغرب 


مقدمة :
وستبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته .. 

************************************************
"عيون لاغية"
مرت دون أن تلقي التحية المعهودة، وتكسر جفن عينها اليسرى سخرية من زميلتي التي تقول عنها: "ثقيلة، ولا تفهم إلا في فك أسرار لغة العجائز".
مرت بسرعة غزال شارد، وقد ارتسمت على جبهتها عبسة، فتلت أساريرها، حتى بدت حبالا معلقة تتدلى منها عصبية زائدة، تنتظر لحظة انحدارها، لتصير فعلا، تصبه على أحد ما.
 الكل هنا يترك بينه وبينها مسافة أمان، ولا يتجرؤ على تجاوز الخط المرسوم، مثل حد مقدس، وضع ليفصل بين متناقضين.
صفقت باب مكتبها، بعد أن ألقت بنظرة ملتهبة في فضاء القاعة، وتركتها تتأجج، وتحدث في خيالات الموظفين حرائق، جعلتهم شعلة من النشاط المكره عليه، يشتغلون بجهد آلة صماء، بكماء.
أطبق الصمت على الفضاء، واستحالت القاعة في رمشة عين إلى ساحة تقطعها أنفاس هامسة، تناجي حظا معلولا، وتنتظر فرجا، لا يعلم أحد من أي منفذ يتسلل... 
وبقيت على حالي، لا أراني معنيا بهذا التغير الطارئ... متجاهلا السبب الذي أحدث هذا التغير.
 ملت على زميلتي ال"ثقيلة" الفهم، ونفثت في أذنها عبارة كادت تصعق منها خوفا،  وذعرا... أردفت العبارة بضحكة هزت الرؤوس، وحركتها لتلتفت إلى مصدر الضحكة، فخلت الحياة عادت ثانية إلى الفضاء، وقلت "حمدا لله أن جعلني باعث أرواح"... 
استرسلت في حديثي، وهي تجحظ عينها، وتمطط شفتيها، ويبرز من جيدها عرقان، خشيت أن ينفجرا دما لشدة بروزهما... فهمت من حركاتها المغلولة أن كلامي مبهم لم تعيه جيدا، فشرعت في تبسيط القصد، وفي جوفي ضحكة تنتظر لحظة الانفراج... 
كنت كلما أوغلت في التبسيط، ازدادت عينا زميلتي اتساعا، واشتد احمرار وجنتيها، إلى أن خالجتني فكرة أنها تتحرش بي، وتسعى بإيماءاتها لتنسج لي فخا توقعني فيه... لم أبد مع تغيرات تضاريس وجهها تجاوبا، وأجمعت على مخاتلتها بإصراري على الحديث، دون أي عاطفة، ودون أن يبدر مني ما يوهمها باستعدادي للاستجابة... اتخذت لكلامي صبغة السخرية، وأبحت لعيني أن تضل بين الموظفين، وهم يحملقون في بعيون تكاد تفر من محاجرها... أشعرتني عيونهم بإحساس غريب... تمثلت لي جحورا تختفي في ظلماتها كائنات أقصيت من الحياة، وأرغمت لتعيش كامنة في تضاعيف المجهول. 
كانت زميلتي كلما لفحتها بنظرة، بعدما وسعت نطاق النظر، تشير بسبابتها إلى باب "المديرة"، وتزم شفتيها، محذرة إياي من ردة فعلها.
ولما يئست من انتهائي عن الشغب الممنوع في مثل هذه الأحوال... اقتربت مني، وأدنت من أذني شفتيها، وهمت أن تسر إلي بقول...
 لكن صرير الباب باغتها، فتقافزت من مكانها، وتلبستها رعدة ارتجف لها جسمها المعبوث بتفاصيله الدقيقة، والجلية.
 دوى صوت المديرة في فضاء القاعة، كانفجار في ساعة القيلولة... أعقبه صمت أعمق من حزن بعد رثاء ميت، ثم جاء أمر يطلب من زميلتي الالتحاق بمكتب المديرة.
تزاحمت النظرات حول "زميلتي"، ونبت من بعض الأفواه كلمات مقتضبة، تعرب عن سخط مكتوم، ورشقني البعض بعيون محمومة.
مرت لحظات معدودة، توترت فيها الأعصاب، وتشوشت الأفكار، وحارت العيون بين مكتب المديرة، ومكاتب العمل، وانبعثت أصوات هامسة، ووشوشات منضبطة، واكتست الملامح انطباعات سوداوية.
ثم إذا بالباب ينفرج، وتظهر "زميلتي" وفي يدها ورقة يتيمة، وعلى وجهها تتنازع ملامح لم يخل لملمح منها الوجه ليسيطر عليه، فلم تكن غاضبة، ولا راضية، ولم تكن ساخطة، ولا مطمئنة... 
توجهت إلي رأسا، ووجهها خال من أي تعبير،  فانحنت على المكتب، ونشرت الورقة عليه... ثم رفعت رأسها، وأنشأت تقول بصوت مفعم بالغرابة، وهي تغالب ضحكة: "أنت الداء، والدواء"... تنهدت بعمق، وواصلت: "لا يقدر عليك إلا مولاك"... أطلت من حنجرتها الضحكة المغالبة، لكنها قاومتها بعنف، حتى كاد بؤبؤا عينيها يلامسان جبهتي، واسترسلت: "السيدة المديرة لا تسمح بتجاوز الأخلاق العامة، فالمؤسسة لها حرمتها، وصيتها... ينبغي أن نحافظ عليها، لتبقى أنموذجا..."... أحنت رأسها، وعفت عن الضحكة في هدوء... ثم قالت: "المديرة لم تصدر في حقي عقابا لاحترامها الكبير لشخصك"...
أخذت الورقة ملتهما كلماتها، كمن حرم نعمة القراءة عقدا، أو عقدين... أدرت الكلمات في خلدي... بحثت عن معنى مفقود، كنت متأكدا من شروده خارج الورقة... وقفت ممعنا الفكرة في توقيع زميلتي على ورقة الالتزام بالأخلاق العامة... انتهبتني الحيرة لقليل وقت...
ثم انتبهت على عين المديرة، تكاد تمتصني من جدار المكتب الزجاجي، بعد أن أزاحت الستارة بمقدار... تبينت في أنفاسها المعتقلة في الزجاج الشفاف، عتابين... تذكرت رسالتها الليلية المعلقة في ذاكرة الهاتف... ثم وجدتني أردد من غير قصد: "ثقيلة، لا تفهم إلا في فك أسرار لغة العجائز".

*********************************************
نص جيد، بفكرة جميلة، وسرد شيق، أبدع الأديب في توصيل فكرته، دام التألق والإبداع أديبنا المتميز، بالتوفيق والنجاح الدائم ان شاء ألله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم