مدينة الصقيع - مجموعة قصص قصيرة - بقلم الأديب/ محمد شداد - السودان

بقلم الأديب / محمد شداد 
- السودان 




مقدمة :
وستبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته في الغوص في أعماق النصوص. 
***********************************************
1-

1- مدينة الصقيع

 كانت (سالي) تبدو له أكثر من أُنثى، حوريةً بين صويحباتها، فكثيراً ما كان يحس بأنها تحدثه بصمتٍ لماح، من خلال عيونها الخضراء، و كلماتها الناعسة بين الرموش
في ذاك المساء إحتفلت (سالي) بعيد ميلادها، دعته،  رحبتْ به في شقتها الأنيقة، كل شئٍ فيها يبدو رائعاً متناسقاً، أما هي فقد كانت في قمة الملاحة و المرح، قدم إليها هدية تليق بها!و به كواحد من أحفاد حاتم الطائي!
بدأت لحظات الفرح، صوت الموسيقى  كان هادئاً ساحراً، أضفى على سحرها و ألقها جمالاً آخر فوق الذي عليها، فهمس في أذنها، تبسمت ثم قالت له:
- شكراً ...
... و مضت تنثر عطرها و بسماتها بين ضيوفها!
تسارعت ساعات الفرح جزلى دون أن تتخللها لحيظات رتابة او ملل، حتى انتصف الليل و شعر المدعوين برغبةٍ في الرحيل.
عند الباب، ودعها، و نظراته تتبعها خلسةًً، تكاد تثقب الباب من ورائها!
إستقل سيارة أجرة، كانت الشوارع خالية من المارة، حين دلف الى شقته وجدها باردة، أحس بوحشتها، جلس أمام التلفاز، أخذتْ عواطفه الملتهبة تحرضه، تسارعت خطاه نحو شقتها، وصل، بلهفةٍ ضغط على الجرس، يفتح الباب رجل شاب،
قال له متردداً: هل هذه شقة الأنسة (سالي)؟؟
قال له:
نعم ... و هذا هاتفك ... سيدي، فلا تتعمد تركه مرةً اخرى!
كل هذا و (سالي) خلف الباب تسترق السمع، و قد كتمت ضحكتها!

************************************************
2- قناديل المداد

عند ساعات المساء، كانت لحظات عشقٍ بينهم تبدو، هم العشاق حقاً،
قناديل...
أقلام...
أوراق...
مدادٌ بلون زرقة البحر، الذي كانت المدينة تحلم، يوماً أن ترسو على سواحله مراكب العودة، محملة بالأرز و الشعير و الأمل!
حين بدت عيون المدينة تكتحل بالظلام، تخلقت في رحم اللحظة علقة، ثم دنت ساعة المخاض، ثم اكتمل الميلاد.
كان المولود حرفاً جميلاً يلثم كل الحقيقة من أجل المدينة، أخضراً كسنابل الذرة في فصل الخريف.
(2)
لما جثم الظلام على صدر المدينة، أوصد من ورائه باب غرفته، تأبط أوراقه التي تحمل هموم و آلام الجميع.
ساعة خروجه، كانت الطرقات مقفرة الاّ من أنفاس البرد، فبعد مسيرٍ لم يطل، توقف عند محطة الحافلات، ظل منتظراً، لم يشاركه وحشة الإنتظار أحد.
كان الليل قد إنتصف، لكنه بات منتظراً، قلقاً مترقباً، فالوقت يمضي والحافلة التي طال أنتظارها لم تأتِ بعد! فسياج الإنتظار ما يزال شاهقاً مملاً، يناطح زفرات الصبر و البصر.
بعد عناءٍ، سمع صوت شاحنةٍ من بعيدٍ، مرت بجواره دون أن يعيره سائقها إلتفاتةً، صاح :
- يا إلهي ... أرجوك توقف!
لكن ألجم صياحه نباح كلابٍ، كانت تستغيث من خلال قضبان الشاحنة التي امتلأت بها!
(3)
تاه النباح مع سرعة إنزواء المسافات و الزمن، و مضت بهم الشاحنة صوب أطراف المدينة المبتورة من الرحمة، حيث المحرقة التي تضج ليلاً بنباح الكلاب و مواء القطط!
ثم أخذت أذناه، في اختلاسات همسات الليل، المبعثرة مع ذرات السكون المطبق.
بعيداً، لاح شئٌ كالحلم، فرك على عينيه...مرة مرتين غير مصدقٍ! إذ بدى الحلم حقيقةً.
صرخ في داخله...
- يا ليتها تقف.
هذه المرة، دون إلحاحٍ أو صراخٍ، توقفت الحافلة، تنفس الصعداء، شعر بإرتياحٍ لم يعهده طوال الساعات الماضية.
فُتح الباب، دخل، جلس على المقعد الذي خلف السائق، أخذ أنفاسه، ارتاح قليلاً، تحسس أوراقه، ثم باغته السائق بالسؤال:
- الى أين؟
(4)
تحرك الرجل البدين الذي كان برفقة السائق نحو الباب، و عيناه تتفرسان الأوراق التي أخذت تفوح منها رائحة المداد، بجسده الضخم أغلق الباب، و بصوتٍ جهوريّ خشنٍ قال له:
- لقد طال انتظارنا لك!
ثم تحركت الحافلة بهم مسرعةً مقتفيةً آثار صدى النباح.
(5)
في الصباح، إستيقظت المدينة على أصوات أبواق السيارات و صراخ الباعة الذين ازدحمت بهم الشوارع.
ثم تناقلت أخبار المدينة، قصة لرجل ميت، قرب المحرقة، تفوح منها رائحة المداد، و بجوارها قلمٌ مكسور... ما زال ينبض بالأمل.
و بفضولٍ أخذت المدينة تبحث عن حقيقة الأسباب، عندها انبرى الواعظ، و تجمهرالمارة، و صغت الآذان، ثم صعد المتحدث المنبر قائلاً:
- لقد انتحر الرجل حزناً على موت كلبٍ له من فصيلة "الوولف" المستورد.
فغر الجميع أفواههم، بدت على وجههم امارات الوجوم، حينها كرر حديثه بإصرارٍ، اقتنعوا، لكن المحرقة ضحكت ساخرةً من بلاهة الجميع!
عند المساء، كلما مرت شاحنة، تطاردها الكلاب بنباحها، قائلةً:
- لم يوجد يوماً، كلبٌ من فصيلة الوولف بيننا.
لكن أتباع الواعظ، أخذوا يرمونها بالحجارةِ، علّها تكف عن النباح
.
**************************************************

3- اللؤلؤة

الساعة الرابعة عصراً، رنّ الجرس للمرة الاخيرة، عندها بدأ القطار يدبُ في رحلةٍ قد تخلف وراءها كثيراً من الحزن في أحياء المدينة.
 جلس على المقعد الخشبي، إنتصف الليل به و لم يك أحدٌ بالمحطة سواه.
حين أفاق من حالة اللا شعور التي كان عليها،عاد أدراجه الى البيت، كانت المدينة قد غفت، بات ليلته تلك في جفوةٍ مع النوم!
لم يذق لجمال المدينة طعمٌ منذ سافرت، كل شئٍ تبدل، حتى الهواء الذي كان يستنشقه معها على ساحل البحر في لحظات العشق صار رطباً خانقاً،
تكالبت عليه الهموم و الاوجاع، فجأةً أصابه الهزال بصورة إستدعته للسفر الى العاصمة، على حسب وصية الطبيب!
 في الغد سيمر القطار بالمدينة التي كان يسميها في دفاتر مذكراته منذ وطأتها قدماها بمدينة (اللؤلؤة)،
عند الظهيرة وصل القطار مدينة (اللؤلؤة)، لم يصبر، ترجل، هرول نحو المدرسة، وقف امام بوابتها، سأل عنها، حين رأها لم يصدق، سلم عليها و حكى لها قصة سفره، بكت، لم تتمالك نفسها، ظلت دموعها تسرقه من صبره الذي كان عليه...لكن مرضه كان يخفُّ مع كل بسمةٍ تشع من ثغرها.
 كانت لحظات قصيرة لكنها مفعمة بأريج العشق  و التفاؤل! حينها شعر هو ان الحياة بدأت تخضر من جديد بعد موسم اليباب الذي طال حقول وصلهما بعد غيابها!!
ثم دوت صافرة القطار، ودّعها على أملٍ، وقفت هي حائرةً، تنتظر نهاية صرير عجلاته التي تدل على  مواصلة الرحلة.
من بعيد، وقفت بلهفةٍ تتفرس في نوافذ القطار و هو يزيد من سرعته، قفزت حين رأته يلوح بكلتا يديه، قال لها بصوتٍ مرتفعٍ :
- عند عودتي سأمر عليك هنا في المدرسة.
قالت له بفرحٍ:
- سأكون في انتظارك.
و مرت قطاراتٌ بلا عدد و هي ما تزال تنتظر ...ذاك القطار!
************************************************
قصص بسيطة جميلة لم يتكلف فيها الكتب الجمل المطلسمة والكلمات القاموسية ، فكانت نصوصا مفهومة للجميع .. 
دام التألق والإبداع اديبنا المبدع ، 
موفق دائما ان شاء الله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم