فرحة مؤجلة - مجموعة قصص قصيرة - بقلم الأديب/ الحمداوي لحبيب - المغرب

بقلم الأديب/ الحمداوي لحبيب 
- المغرب 



 القصة القصيرة ستظل هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء وللناقد أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته في الغوص بأعماق أفكاره ليخرج لنا عصارة هذه الأفكار ويستفيد منها الجميع .. 

************************************************
1- فرحة مؤجلة
مستلقية على السرير ترتدي فستانها ذا اللون الفستقي الذي يعجب زوجها،ترقب حشرة تحوم حول مصباح غرفة النوم،لتنتهي باحتراق جزء من أجنحتها كلما لامست المصباح ، شاردة وذكرياتها مع أحلى زوج لم تألف فراقه، يتناهى إلى سمعها ضحكات صغارها بين الفينة والأخرى، حين سمع طرق  الباب و هز أركان البيت،توقف شرودها وقامت مفزوعة تتشبث بأذيال ثوبهاصغيرتها.
_. من؟ من؟ قالتها بصوت أشبه بالهمس.
_ الشرطة....
_ الشرطة!!!؟
_.  افتحي الباب ،هل هذا منزل أحمد منصور التلمساني؟
_  نعم، و لكنه مسافر،غائب عن البيت منذ أسبوع.
_  ومتى سيعود؟
_الليلة...
_ هذه استدعاء لحضوره لمركز الشرطة فور مجيئه.
‌تواروا عن الأنظار،عم الصمت، جحضت العيون،تناسلت الأسئلة والظنون.
‌زوجي بريء،أنا أعرفه جيدا لا يمكن أن يقترف ما يدعو الشرطة لاستدعائه، ولكن لماذا سافر؟ قال أنه...
كل شيء ممكن، لا، لا ،لا. لعن الله الشيطان.مجرد وساوس...زوجي إنسان خلوق مبدئي خبرته في عدة مواقف . ولكن لماذا الشرطة تلح على حضوره إلى المركز،لماذا كان أحدهم يهمس للٱخر وتشي ملامحها بالأمر ذي البال؟
زوجي مجرم؟؟لا،لا، لا يمكن.أله علاقة مع المهربين أو عصابة...؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. ما العمل!
كيف سأخبره؟كيف أستلذ بطعم الكيكة التي حضرت له؟ مساكين الصغار يقاومون النوم لرؤيةأبيهم وتسلم هداياه،اغتيلت الفرحة على محياهم.
_ أمي تأخر أبي،النوم يغالبني،قالتها إحداهن في براءة.
_ صبرا حبيبتي،سيأتي حالا ،نامي،وعند وصوله سأوقظك.
مرت الدقائق عليها بطيئة.زحفت أويقات الليل رتيبة،تعج بداخلها عوالم المجهول،تتسيده أسئلة بدون جواب.
قاطع هواجسها و شرودها خبر مجيء الأب يحمل حقيبة، 
 اندهش لفتور الإستقبال وبرودته،وازدادت دهشته وهو يتسلم الإستدعاء .
_ ما هذه الورقة؟
_ الشرطة تبحث عنك.
_ كيف ؟لماذا؟
_. طالبوك بالحضور حال مجيئك إلى المركز. ماذا فعلت؟هل تخفي عني سرا؟تكلم، أناشدك الله أخبرني...
لم يجب الأب ،وضع  نظارتيه الطبيتين على أنفه الدقيق، تأمل  الورقة مليا ،افترت ابتسامة عن ثغره وهو يقول أنا اسمي أحمد منصور التلمساني، وليس أحمد منصور السليماني،هي استدعاء تخص جارنا صاحب السوابق والمعروف ببيعه للمخدرات.

***********************************************

2-  في المقهى.
كعادتي بعد صلاة العشاءكنت في مقهى المحطةالغربية، أكثر زوارها غرباء ممن ينتظرون لحظة السفر، جلست في ركن يحرس ظلمته وميض اضواء ملونة ،أرى من خلاله الداخل الى المحطة و الخارج منها.كل شيئ كان عاديا إلى أن ظهر على مقربة مني شخص ، لست ادري كيف وقع بصري عليه و كيف وجدتني أرقبه وأتتبع حركاته. كان جالسا يرتشف شايا ،مظهره يشي انه قضى وقتا ليس بالقليل ليعتني بهندامه وبتسريحة شعره.ينزع الى النحافة، ليس بفارع الطول، يبدو مرتبكا وكأن بداخله بركانا قد ينفجر في كل لحظة، ذلك ما توحي به حركاته الانفعالية تارة بيديه و اخرى بتقاسيم وجهه كأنه يؤدي دورا على خشبة مسرح أشبه ما يكون بدور “رأفت الهجان “.
خشيت ان يشعر باهتمامي به ؛ فوضعت نظاراتي القاتمة اللون لأختلس النظرات اليه من خلالها….
اشعل سيجارة وابتلع نفسا عميقا أعقبه بزفير دخان شكل غيمة فوقه تتصاعد ،تحكي أجيجا يستعر بداخله ،اطرق برأسه برهة، رفعه واستدار يمينا ويسارا يستطلع المكان ثم رمى اللفافة أرضا وسحقها بقدمه. توجه بخطى حائرة خارج المحطة تاركا خلفة قصة حلقاتها مفقودة لم تكتمل و أسئلة مستفزة…
عقارب الساعة الكبيرة المثبتة في المحطة و هدوء المكان نبهني الى ان الوقت متأخر .قررت العودة إلى البيت لكنني عدلت عن الفكرة لما رجع صاحبنا يحمل جريدة يتصفحها كأنه يبحث عن شيء مفقود، أمسك برأسه بكلتا يديه كمن يشعر بألم، ارتفع قليلا واقفاً، ضم الجريدة الى صدره، قبلها ثم جلس و قد انفرجت بعض أساريره…
إزداد شوقي لمعرفة سبب هذا التوتر والإنشراح المفاجئ.
استدارت عيناه تمشط أرجاء المقهى ليكتشف انه لم يبق سواي فيها، اتجه نحوي ثم استنكف ،قصدني بعد تردد قائلا في أدب منقطع النظير وقد غمرني برائحة عطره الفواح:” سيدي هل يمكنني استعمال هاتفك،فقد نفد رصيد هاتفي؛ لإجراء مكالمة مهمة”
ناولته الهاتف و تظاهرت انني منشغل بملء شبكة للكلمات المتقاطعة،حينما كان يركب أرقامه ،لكن في الحقيقة كنت استرق السمع إليه و هو يقول :”الو حسن، لقد تمت العملية بنجاح”
‌ بقي ثابتا في مكانه على بعد خطوات مني، إلى أن سمع لدراجة حسن النارية هدير ملأ الأرجاء بباب المحطة، فأسرع إليه صاحبنا و ركب معه ملوحا الي بيده كمن يشكرني على س
تجرعت مرارة السرقة، عدت الى البيت بدون هاتف و صدى “ألو حسن لقد تمت العملية بنجاح” لازال يرن في اذني.

***********************************************

3- قصة قصيرة
للمسابقة
إحساس غريب

أتذكر يوم تواجدت في قاعة الإنتظار الغاصة بالمرشحين لإجراء المقابلة الشفوية،قصد التوظيف،كنت قد ارتديت أجمل ملابسي،واعتنيت بتسريحة شعري لأبدو  أكثر أناقة؛ المظهر مهم في مثل هذه المواقف.كان ترتيبي متأخرا،قد يستوجب الإنتظار مدة طويلة قبل إجراء المقابلة.
فتح باب،دلفت منه موظفة ٱية في الجمال،نادت بصوت جهوري خالد المغربي.
ما هذا ؟نطقت اسمي!؟ لكن ترتيبي ضمن المرشحين هو خمسة عشر قلتها فيما يشبه الهمس.
أعادت المناداة علي،توجهت بخطى متثاقلة قائلا : " أنا هو خالد المغربي".
_  تفضل. قالتها بأدب تتقنه.
امتقع لوني،أحسست بقشعريرة تلف جسمي النحيل ،كما أن رجلي لم تعدا  قادرتان على حملي، نبضات قلبي تعزف لحنا نشزا.دخلت متصنعا ابتسامة باهتة....
على الكرسي رجل متخم،مكتنز ،صلعته تلمع .بجانبه فتاة تبدو ملامحها غير غريبة عني.
- اجلس. قالها الرجل البدين، انتبهت من شرودي.
تطاير إلى مسمعي همسه لها قائلا:"ها هو أمامك الٱن بشحمه ولحمه أمعني النظر إليه، هل سبق لك أن شاهدته؟ أم أنك تهدين!!؟..
- ما اسمك؟
- خالد المغربي
- كم عمرك؟
- 20 سنة
صمتت الفتاة،تتفرس في وجهي برهة،استدارت نحو الرجل البدين قائلة "يا أبي، لست أدري شيء غريب يشدني إلى هذا المرشح" لكنني لا أعرفه.
أما أنافلا حظت أن قرصين أسودين بخذ الفتاة الأيمن...إنها هدى...أكيد هي..سأخبرها هذه فرصة لن تتفلت مني كسابقاتها، فدائما أمي تعاتبني على إفراغ الفرص من ايجابياتها...انتبهت من شرودي حين سمعتها تسألني عن مستواي الدراسي.
- إجازة في علم الإجتماع أستاذة هدى ،قلتها وقد تسللت من فمي ابتسامة محتشمة.
- هدى؟ قلت هدى؟كيف عرفت اسمي؟؟.. ولم يسبق لنا التعارف من قبل،وأنت تسكن في مدينة جد بعيدة؟ و غريب...
قاطعتها قائلا أما أنا فأعرفك جيدا أ ستاذة هدى،   أليس في كتفك الأيمن جرح عميق؟
بدت الدهشة عليها،وعدل الأب من جلسته وهو يمرر يده على شاربه الكثيف الشعر.
زاغ منها البصر، هذا صحيح لكن هذا كان منذ سنتين ونصف..من أخبرك بذلك؟ كيف..
- أتذكرين الشاب الذي وجدك مغمى عليك في حادثة السير التي وقعت لك في منعرج خطير،وتكلف بك ورافقك إلى المستشفى ،بل وتبرع بدمه لينقد حياتك...
- إذن أنت هو من...وقد انصرفت مستعجلا لما أخبروك أنني تجاوزت مرحلة الخطر ،وأنني سأكون بخير و.....بحثت عنك ولم أجدك...
-.  هو كذلك أستاذة هدى ،أنا هو ذاك الشاب.
التفتت إلى أبيها قائلة :" أرأيت يا أبي لماذا هذا الإحساس الغريب طوقني وشدني إليه شدا؟"
*********************************************

نصوص بسيطة جميلة بلغتها الواضحة وحملها المعبرة وسردها الجميل ، دمت مبدعا متألقا اديبنا القدير ، موفق دائما أن شاء ألله.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم