ثرثرة الحكي - مجموعة قصص قصيرة - بقلم الأديب/ عصام الدين محمد أحمد - مصر

بقلم الأديب/ عصام الدين محمد أحمد - مصر



 القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..
والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته في الغوص بأعماق أفكاره

************************************************
1- ثرثرة الحكي
تمشي معها مُتراخماً، لافتات المحلات تخبل خطوك، تدنو يدها من يدك، ترفع يدك هرباً من التماس .
لماذا لا تصف الشارع الآن ؟ ؟
يقولون :
في الوصف عبق المكان !
رُبما كان الوصف احتواء !
أعبر هذا الدرب بسُرعة مليون حُصان، ما دلفت يوماً إلى إحدى البارات، ما عزمني صديق على طاولة شواء، وما عهدت سوى زحام السيارات .
الآن تظُن أنت بي الشتات، وتشعُر هي بالملل. ومن المُهم يا باشا أن تعرف أنها لم تعر المحلات التفاتاً، بل تتحين الفـُرص للإمساك بيدك .
لا تقـُل أن الاتصال الجسدي لدليل على الامتزاج !
لماذا قبلت – إذن – دعوتها للسينما ؟ ؟
أغررت بك مُدعية إن القصة مُنيرة ؟ !
لا تدعي  أنها لم تدع لك منفذاً للتراجُع !
الزحام يتماوج مع الهواء، تتمايل  في خطوها، ينساب فوق ظهرها شعرها الحريري، لم تتغير بعد.
ما أجمل قدها المشوق !
أيمكن أن تـُحب ؟ ؟
ما عهدت – يا ملكوم – سوى بكور الجسد، وفوق الكتف فأس مشعلق، تركب ضفة الترعة المتربة، القدمان يمشيان وبكرة الطريق لا تطوى، والحقول تلفك بمساربها الثعبانية .
ما أشبه اليوم بالبارحة !
تعزق- يا زين- والأرض تحنو على الفأس فتتشقق، أسفل الطمي ديدان ونأى، تـُقلب الأرض، تدفن سطحها الجاف أسفل بطنها المُتخم ببقايا الحشرات المهصورة .
الأسفلت لامع، تنزلق السيارات غير عابئة بمرورنا اللولبي، منذُ مُغادرتنا المرفأ ولسانها يلهج بلغط وأضياف ذكرى في الأفق .
أنتب فأسك وفوق طرحتها مشنة خُبز ( السنة) ، تتهاديان فوق رفات العصور، تمضغان الآمال، تتمنيان لقاء الفراش دون أن يبوح أحدُكما للآخر، وكأن في الفراش عيوناً مدسوسة ترقـُب همهمات مُنفلتة من سجنها .
يا سيدنا لا تُفسر الأمر كما يستهويك !
اضحكتني يا فتى، رجل وإمراءة وسينما وإياد عطشي، ماذا يعني هذا كله ؟ ؟
دعك من اللغوب وثرثرة الحكي، أقترب من دار العرض، أقطع تذكرتين، عد الفلوس التي في جيبك .
لا تكفي، هأ ... هأ ... عُد ثانية، من حافظتها تتسلل النقود إلى المحصل.
أرأيت مثل هذه البجاحة ؟ !
تجلسان في الرُكن، الشاشة تخلع ثوبها، قرية دروبها مُتعرجة، القيظ يجمُر الأتربة .
على فكرة، تعب المُخرج في تصوير نارية الأتربة مُستعيناً بخبير أشعة .
صبي يعدو، قدمان حافيتان، كيف يهرب من فحيح القاع ؟ ؟
العيون تشيعه من كوات الدور الواطئة، يخلف القرية مُستقبلاً الجبل الغربي، شعاب وكُثبان وتلال، وها هي عدسات الزوم تنتقل بين شعاب وعرة، صوت المُخرج يلعلع :
قف
يطفئ الصبي قدميه في مياه الطشت، ثلج مجروش من الـ ( ديب فريزر)، فرشاة الزيوت السمراء تـُغمق الفتى، يتجرع كأس ويسكى مكسوراً بالصودا، يسوقه المُخرج المُساعد إلى بداية الشعب، بذلوا جُهداً شاقاً لتشويه صورة الشارع، يستأنف الصبي الجري، حاملو الكاميرات يتسلقون العربات، الشحوب يكسو وجهه، ما الذي يطارده ويضُخ في جسده الرهق، أ أرتكب ذنباً ؟ ؟
أحفر قبراً ؟ ؟ أشاح بيده – يوماً – في وجه والده ؟ ؟
أعاكس بنت الجيران ؟ أ أغتصب أرضاً ؟
حتى الآن لا أدري شيئاً وأيضاً قد لا يُفيد التخمين !
ولكن المُخرج أشاع في الجيرة أن موسى لم يكُن يعلم من أمره إلا نُكراً .
ها نحنُ قد علمنا أن اسمه موسى، البوص المنثور يؤطر الطريق، ها هو موسى يلج كهفاً، عيون التصوير مخبوءة في جنباته، في المغارة فتاة غندورة من غير وشاح، في عينيها بحران بلا مرسى، للأسف أصدر المُخرج أوامره بالتوقف، تداخلت المشاهد، أرصفة مفروشة بالأجولة البالية ، وفوق كُل جوال أسرة، بيوت مُتهدلة وأمام كل باب طاولة، خلفها بزة رسمية في يد صاحبها مُذبة، حقول مُمتدة، ثمارها رجال ونساء وأطفال، وماكينة حصاد عُملاقة تقطف الرؤوس، أمست الشاشة مرتعاً للقنوات الفضائية، تضربني بمرفقها في عصبية ، بانت في شدة الضربة، نبراتها تحتد :
أتتذكرني ؟ ؟
الوجوه تمرق، الإمارات تسوخ، المُدن تركل القرى، والنجوع تغزو الشقوق، الشهيق والزفير يحدثان وشيشاً مُضطرباً، تلكزني بحرقة قائلة :
الخيانة تاجك !
فوق الحائط المُهتز صورتها، طوابير النمل ترابض فوق نهديها، تصهل مُهرة في فلاتي، منذُ أثنين وأربعين عاماً لم تصبها نـُقطة مطر، ولم تعهدها شجرة، فحيح الصهد أصمني، لساني صهر القيظ نسيجه، الراقصة الهاربة لتوها من المغارة تحتل الشاشة، تتشنج في الإيقاع السريع، ثنى ... مد .. رفع .. خفض ... وفي التماوج نفور .. وقبول، تذمر ورضوخ ، والنظارة يبحلقون وينشدهون، وموسى في خلفية المشهد مصلوب على جذع نبقة، ترنيمة خافتة تصدح :
في البدء كان الإنسان
خلبته الأوهام .
فرصة ذهبية تسنح الآن، أنشغلت بكليتها في الفيلم، تسحب يدها من ذراعي، تسلك خارجاً من دار العرض، المُخرج الجالس في الاستقبال يراقب خطوي، قبل أن يحتويني الشارع يشيح بوجهه مُبتعداً .
************************************************

2- إضــحــيـــة
يخلع (خلاعة ) ملابسه ، يرتدي بدلة رقص ، تتدلى خيوط سميكة على ردفيه ، يزين صدره بورقتي شجر. يتكهرب جسده ، تتسع الدائرة الذي هو بؤرتها . يتمايل كالأفعوان ، يغني ، تصفق الأيادي ، تهرب البنات خجلاً ، تزغرد الحريم ، تتلصص عيونهن إلى اللحم المُفتضح والنتوءات المترجرجة في ميوعه . جوقة العُمال يهللون ، يتراقصون ، يرتلون ، تنهال " النقطة "، كلما هم بمُغادرة المزاد تتكاثر  أوراق النقد ، يجر والده "سيد" الضرير ، يعودان إلى غـُرفتهما المُتصدرة مدخل البيت المُتهدل ، يتربع وسطها سرير كبير، يجاوره دولاب من الخشب المتخربش، يقعي " وابور جاز " وعدة الشاي أقصى يسار الغـُرفة . يفرد لفة الكباب وسلاطة الطماطم والطحينة وأرغفة الخبز المقببة ، يتناولان الطعام في صمت ، لا يقطعه سوى احتكاك الأسنان ، وازدراد اللقيمات ، وكأن الحديث يعطلهما عن الأكل ، يُعد (خلاعة ) الشاي الغامق، يدلقه في جوفه الثلجي ، يمسح وجهه بالفوطة المُبتلة . يدع والده وحيداً يناطح اليقظة ، يمرق من الزٌقاق كالبُراق الوامض حتى لا يُلبي نداء الجالسات أمام بيوتهن ،  يتنزه .. يفترس وجوه المُتهاديات .يعترضه " جمال " ، يسوقه إلى رملة بولاق ، البيوت هشة ، بناءات الطوب اللبن تقاوم السقوط ، الحواري والأزقة طافحة بالطين اللزج, والمياه المُتخمرة .
 يلجان بيت أم سمية، الناطور يعزف صفيراً مُتقطعاً تأميناً ، يطحنان برشام " أبو صليبة " ، يخلطانه " بالبيور " ، يستنشقان المزيج ، تفوح النكات العارية . تشاركهما الصهباء العبث .. تشتم :
- ملعون أبو أهله .
يستنشق  (خلاعة ) خط البودرة مُتمهلاً .. يعلق :
- ابن مدارس .
يسحب (جمال ) تذكرة بودرة ثانية .. يثأثأ :
- ثعلب .
  تلتقط " أم سمية " الخيط الذي كاد أن ينقطع :
- أكلته وصرفت عليه وطار .
ثقلت دماغ (خلاعة )، انتصب بساقين مُتباعدتين وكأنهما يعانيان موسى الحلاق القاطع لجلده الرقيق، زاغت عيناه بحثاً عن المرفأ ، هطل ريقه بلا  إنقطاع . تفحمت أغشية أنفه المُفرطحة ، انبثقت من أذنيه أسياخ حديدية مُـنصهرة ، تنافرت خلاياه المُجهدة . يسحبه  (جمال ) كالحمل الفالت من مقصلة الذبح يصلان – أخيراً – إلى قضبان السكك الحديدية. ينهار(خلاعة ) متأبطاً الأرض ، يجف حلقومه ، يأبى المثول لتوسلات(جمال )، ارتمي على السياج المُبطن بالبراز والجيف ، تتفتت أعضائه على القضبان ، هجم عليه شبح الطاووس :
– عبقري وفنان .
-   بل أضحوكة .
-   للوجود ضريبة تُدفع مُقدماً .
-  تطييب خاطر .
-   لترض بالانتكاس "
يفرش الشبح مُرتعباً .. تنبح كلاب .. تموء قطط ... فاق (جمال) المهدود حيله على نعيق القطار ، يعوي . يرعش الأجساد ، يئد الصمت ، صرخ :
- خلاعة..خلاعة......
يشده الطاووس المُرتجف، يتسمر بدنه مُلتصقاً بالقضبان ، تضوي الإفاقة ، يكبله القطار ، يتراشق. يتناثر ، تتطاير رأسه ، في الصُبح يلبس سيد بدلة الرقص، يبدلها بجبة الشيخ المُقرمطة ، يتريش بالطاووس البُختري ، يمسك صليب الراهب ، أطفال الدكاكين يحملون أقفاص البلح والجوافة فوق الأكتاف المُتدثرة أوراق مقواة ، تُلهب ظهورهم السياط. تزجرهم العمامات البيضاء ، يلتفون حول " سيد ".

************************************************

3- سكرة
 فتاة تردد:
- هو جدع.
تتسرب إليك الراحة ، تدب القوة فى قدميك ، تطحن الرحى العبارات.
- كاذبون.
- فاسدون.
- متسلقون.
- اخنع يا مخبول ؛ فالبطن لا تملؤها تحاليل السياسة.
- بَبَّغَاوَات.
- (يا لّي ماشي كتر من الفضايح).
- حبيبك يبلع لك الزلط ، وعدوك يتمنى لك الغلط .
تتوقف السيارات عن الحركة،زيطة ودربكة،أناس يجيؤون ويروحون،الصاج يزق اللحم،الاندفاع يمينـًا ويسارًا غير مفهوم،أمتار معدودة وتصل الميدان،ولكن الارتباك يفاجئ خطوك،منذ سنوات والنغم الحزين يشدو.
- قاعد تحت الرعريعة ؛ لا شروة لاقي ولا بيعة.
تستدر الآهات،تقلب شونة الذكريات:
- قزازة ويسكي يا نميري.
صمت يسكن الحضور،همهمات تنبعث هنا وهناك،أرتشف نقاط الخدر،يسترخي جسدي، أستل رزمة أوراق من جيبي،يجاورني كامل والى .
يقول:
- ما أكثر المرافئ التى رسيت عليها السفينة.
- ما ألذ النساء فى بلاد الفرنجة !
- هأ .. هأ .. خدعوك يا فالح .
- هات القزازة والمزة طازة.
أسجل بعض الحروف،الأضواء الباهتة تطل بظلالها،أدع كامل يسرد وأنا عنه لاه،النادل (نميري)يبدل حجر المعسل كل خمس دقائق،تتهادى الأدخنة وفى جعبتها مرآة منكسرة، الرواية تأبى الاكتمال،ما سطرته الأمس،شطبته اليوم،يأبى الأبطال التنازل قليلًا،دومًا يهددون بالانسحاب،وعصا المنتج تلاحق يقظتي وغفوتي،الأشخاص الثانويون يخضعون لمِبْضَعِي، يرتدون الندوب والبثور،لا يعترضون أو يتأففون،بجرة قلم يمكنني إبادة المئات منهم، والآن أستبدل الأسماء بالأرقام.
- من الواضح أنك سكرت.
- لماذا لا تعترف أنني مبدع؟
- هأ .. هأ .. رأيتك بالأمس فى دروب الاقتباس .
- تبًا للحقد الأسود!
يرتفع صوتي متبرمًا:
- كله ضحك على الذقون.
يلتقط كامل بوق الهمس:
- قرأت رواية كل أشخاصها يسمون بأرقام عمرهم.
أهذي:
- سيكون عندنا مليون اسمهم ستين .
يستطرد:
- يعلقون أسمائهم فى دلاية على صدورهم.
تترنح كلماتي:
- تستحيل التفرقة بين الناس.
ينهض ،يلف حول الطاولة،تفوح من فمه الكلمات:
- أنت عجينة استبداد.
ترجني القهقهات:
- ما لعجينة الوهم من سلطان!
تسحرني سخريته:
- أنظر فى المرآة.
بلغ العصف غايته:
- لا شيء فى المرآة سوى وجه تكسوه التجاعيد.
يسرع إلى البار،يناوش النادل،يعود وعلى فمه زجاجة معتقة،يعِبَّها دفعة واحدة.
يترنم:
- فى تجاعيدك سياط التوجع.
دفعة عنيفة أفاقتني من سرحاني ، تتحرك السيارات موضعها، وكأن الجن أصابها بالمس،يقذف الأولاد عربات الشرطة بالحجارة،تبرز مقدمة المدرعة من الشارع المتاخم لفندق شبرد ، تذر الرياح العيال فى شتى الاتجاهات،مجموعات منهم تتمترس،ترمي بالزجاجات الحارقة حيثما يَعِن لها.
- ما زال المشهد عبثيا!
- اللعنة على من أدار مؤشر ذكرياتي.
- الثرثرة أفضل.
أركب طريق العودة،لحق الجنون بجميع العقول،أفعال فجائية،وكذلك ردود الأفعال،أمطرت السماء دراجات بخارية،يشتعل فتيل التراشقات،تحترق سيارة، اثنتان،أشخب فى خطوي المتلعثم.
- لا أدري لماذا العراك؟
- ربما نتيجة قلة الحيلة!
ألسنة النار تصعد أعلى الأوبرا،الأدخنة تندفق من فتحات القبة السماوية،ينتفض جسدي من لحمي ، يرسم الشحوب وجنتي.
- الأرض تحترق.
- والعقول تنز شياطـًا.
يحيط بي اللهب،ألتمس النجاة،تعاندني الرياح،أرتكس حيثما كنت،ينشطر المشهد،تتشظى الصور:
- جاء إليك الموت يا تارك الصلاة.
- الفقري يلاقي العظم فى الكرشة.
- أين قلمك الممشوق؟
- الطوب والحجارة أصدق أنباء من الكتب.
الهيئات المتراقصة أمامى تتلولب كالأفاعي:
- أين السحرة الهنود ؟
- شر البلية ما يضحك!
- أبحث عن فوهة للهرب.
************************************************

نصوص بسيطة في اسلوبها جميلة في كلماتها، جريئة في جملها وتعبيراتها، دام التألق والابداع اديبنا المبدع ، موفق دائما أن شاء ألله 

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم