بطعم الحنظل - مجموعة قصص قصيرة - بقلم الأديبة/ هادية حساني - تونس

بقلم الأديبة/ هادية حساني 
-  تونس



مقدمة :
ستظل  القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته في الغوص بأعماق أفكاره .

**********************************************
1- بطعم الحنظل

_ كبري وٱرميه.
تلك الجملة كانت كفيلة بإعادتي إلى علاتي، إلى صور أردت نسيانها أو تناسيها..
ذهني كمرجل يفور ويمور فيصيبني بما يشبه الدوار..ساهمة، واجمة، أنقل عيني بين فوران الماء في القدر وتلك الزواحف الوديعة تسعى زاحفة على جوانب الإناء.
يصلني الصوت الآمر مجددا:
_ كبري وٱرميه! ماذا تنتظرين الماء يغلي !؟
بلحظة ما فصلت عن وعيي، تنم عني ضحكة ساخرة، ربما كنت أريد أن أبكي في تلك اللحظة..
شلت يداي شلا، الوعاء يكاد يسقط، أمده إليها:
_مستحيل! قلت
تجذب الإناء مستاءة، وبحركة متوترة:
_ هات..
وأنا أراقبها بعينين زائغتين، غير مصدقة، يقشعر بدني، أتراجع إلى الخلف، أتهاوى على الكرسي..
الماء يفور ويفور..وهي تزحف وتزحف للخروج..
صور تتراقص أمامي، سكين، ذبح، دماء تسيل محدثة أخاديد..رأس راعي الأغنام الذي أرسلوه لأمه، دماء،دماء في كل مكان..يوقظني صوت أمي ،يعيدني للحظتي..
_ الله أكبر..الله أكبر....
كأنها تذبح الحلازين، محركة السكين داخل القدر بتواتر ذهابا وإيابا، والماء يغلي،يغلي ويفور بلا توقف..السكين تحدث صوتا مزعجا مع القواقع فيصم أذني، لا حركة غير حركة الماء والسكين تشقه شقا، رغوة بيضاء تطفو كزبد أمواج هادرة..
أرى الحلازين غرقى في بحر متلاطم، يبتلعهم بلا رحمة، في البداية كانوا شبابا، ثم صرت أرى نساء،أطفالا،عجائز،كهولا..ثم يطفون على الشاطئ كالخرق..

الماء يغلي،يغلي ويفور بلا توقف.. وهي ساكنة، ساكنة سكون ليل شتاء بارد،حالك..
أغمض عيني هربا، ألقي برأسي المثقلة على الطاولة، دماء..دماء في كل مكان..صور تغتالني،تجتاح ذاكرتي كما ٱغتالوا الأرض، والعباد..دماء لاشيء غير الدماء..
أحاول الخلاص، أهرب إلى تلك الأيام الشتوية،الممطرة، وتلك اللحظات، لحظات الفرح التي سرقناها من الزمن،أرى تلك الطفلة ذات الجديلتين، وهي تنط فرحا في الحقل، كل شيء يتفتح بعد المطر، حتى قلبي الغض يصير وردة تعبق بالعطر، نجمع تلك المخلوقات الوديعة،الحلازين لنفرح أمنا، لكنني لم أكن أعلم، لم أدرك الحقيقة إلا متأخرا،  لم أرها إلا اليوم.
الماء يفور ويفور..وهي تزحف وتزحف للخلاص...
تلك الصورة تقودني حتما إلى الجنون، أن أرميها وهي حية في ماء يغلي ويفور..
ذلك الإحساس يهوي بي،يلقيني في الهاوية، نفسي كبحر هائج، يخرج كل ما بداخله،كبركان هادر يصهرني صهرا..يهصر قلبي حد النزيف..
بكاء وعويل، ركض أقدام يقوى ويقوى، إنفجارات تدك الأرض دكا، نار تلظى،دخان يخترق السماء، يعم السواد الأرض ويلتهمها، تتصاعد رائحة بارود وشواء..دماء،دماء في كل مكان..ركض خيول وهي تتناءى،دقات قلبي تتسارع،تنتفض، خيالات سود،لا أكاد أميزها،.
رجال يلتحفون السواد، جنود يضربون الأرض كالزلزال، ذئاب سوداء..لا أدري !
وسرعان ما تتلاشى تلك الصور لتظهر أخرى..
أرى طفلا لا أعرفه،يمسك قطا من ذيله، يقربه من نار مشتعلة، ينتفض القط بشدة وأنتفض معه، يضحك الطفل ويضحك بلا توقف، حتى خمدت حركات القط كما خمدت الحلازين..
أحس بشيء يبلل وجهي،أتلمسه، دموع تسيل حارة، أشم رائحة الدم، أفتح عيني،أرى الدماء تغطي كفي..أكاد أجن، ضحك بدل البكاء! ودماء بدل الدموع !
نساء يطوقنني، يضرجن ايديهن بالدماء، يمررنها على وجوههن، فتنفجر أعينهن دموعا، تنساب كالعيون المتفجرة..
يعيدني صوت أمي من جديد، وهي تدفع يالصحن أمامي، تزكمني رائحة الثوم والهريسةو...
_ ها قد حضر! تعلمي..ليس صعبا !
أرمق تلك الحلازين المنكمشة في الصحن،أراها تتحرك،تزحف وتزحف نحوي، برؤوسها اللحمية وقرونها الهزازة، وقواقعها التي تشبه التربة الملطخة بالأحمر..
وأرى الماء يغلي،يغلي ويفور بلا توقف..
أقفز من مكاني،أخرج ما بمعدتي، فأحس بمرارة بطعم الحنظل...

*********************************************
2-
قصة قصيرة: درب الزيتون

وأنا ممدد على التراب الندي البارد، في ذلك المكان الضيق، الصمت مخيم، وأنا بالكاد أستطيع التحرك، يصلني لغط، كلمات مبهمة، كل ما أدركته أنهم يهيؤون مكانا لنزيل جديد، والأغلب أنه قريب جدا من مكاني، يمكن أن يكون ملاصقا لي، من يكون جاري الجديد !؟
الأفضل أن يكون شابا مثلي! لا...لا يهم إن كان شابا أو كهلا أو شيخا..! الأهم أن نكون متقاربين في الأفكار أو التوجه في الحياة ! قلت حياة !؟ عن أي حياة تتحدث !؟
أتأمل الدود الذي ينغل بجسدي كالنمل، ينهشني نهشا..
لكن يمكن أن تكون ٱمرأة، كيف لم أفكر في هذا الإحتمال !
دقات قلبي تتسارع، ذهني كمرجل يفور ويمور ويقذف بكل الأفكار، ثم تتلاشى، كيف أتصرف إن كانت أنثى !؟ ولما كل هذا الإضطراب !؟ ألم تحسم أمرك في هذا الموضوع وأنت في الدنيا !
 أأنت نادم على قراراتك !؟ وما فائدة ندمك أصلا !؟

الضربات تقوى وتزداد قربا، بصيص من نور يصلني، فعلا الجار الجديد يلاصقني من جهة اليسار، كلمات متقطعة تصلني،
_ تكساس..الشقراوات..الدنيا..العالم...
يتغير الصوت، يصبح أغلظ وأكثر حدة.
_ ولا شيء..الوطن..بطلا..هذا...عمر أبو ليلى..
غريب إنهم يذكرون ٱسمي ! هل يعرفونني أم سمعوا عني ! أم مجرد قراءة لٱسمي على الشاهد !؟

لكن الكلمات الأولى ليست غريبة عني..نعم سمعتها من قبل ،سمعتها منهم يوم أوقفوني، وقبعت في ذلك السجن لمدة أسبوع..
حاولوا إقناعي بكل الطرق..لم ييأسوا وٱزدادت الإغراءات، العيش بمدينة أمريكية، مبلغ مالي، وظيفة مناسبة..
هل محض صدفة أن أسمع الأسماء نفسها !؟ أم لهاعلاقة بجاري الجديد !

مشيت بهدوء، صوت داخلي يشجعني، يمدني بقوة جبارة، ربما ما ساعدني هي قسمات وجهي الطفولية، ابتلعوا الطعم، وأنا أنفذ العملية، تراقصت أمامي كل الصور، مداهماتهم،كلابهم وهي تنهشنا، والدي الذي جرجروه ذات فجر كخرقة، سبعة عشر سنة وهو قابع في سجونهم، زيتوننا الذي ٱجتثوه، حواجزهم، محاصراتهم، مجازرهم، مستوطناتهم..

 لم أكن أتخيل أن تتم الخطة على ذلك النحو، القضاء على دوريتين و التحرك بسيارتهم العسكرية ! وأنا مضرج بالدماء، كنت أحس بالأرض ترتج كأنه الزلزال..

تلك كانت أصعب لحظات،أصعب من مواجهة الموت نفسه، ما مزقني وشطرني لم تكن رصاصاتهم، بل كان رثاء أمي ونحيبها وأنا مسجى وسط بيتنا، ودمي النازف يبلل كفني الأبيض، وهم يخرجونني ألقيت نظرة أخيرة على أشجار الزيتون، كانت آخر ما رأت عيناي..وهم يوارونني التراب لم أشأ أن أنظر، إكتفيت بسماع القرآن، واليوم أسمعه من جديد، هنا لا وجود لإحساس بالزمن، عندها أدركت أن جاري الجديد قد وصل، أحاسيس غريبة،مبهمة تجتاحني،أنزلوه، وسط ٱرتفاع الأدعية،أشياء دقيقة تتساقط على يساري، هي حبات تراب، صار ممددا مثلي تماما لكن لا وجود للدماء فوقه، كفنه ناصع البياض،النور يتضاءل، انقلبت، تفرست ملامح وجهه، صعقت، أشحت بوجهي وأنا أجمجم :
_ حسين..! فرقتنا الدنيا لتجمعنا الآخرة !

********************************************

3-
قصة قصيرة : رسكلة الغبار

في ذلك اليوم الأيلولي الساخن،كان " فرج" يضرب ذات الأرض الغبراء يقود وراءه هزائمه، ويدفع أمامه بالعربة ذات العجلتين التى تنوء تحت حملها: كيسان كبيران يكادان ينفجران عن قوارير البلاستيك الفارغة بطريق ترابية، صلبة، متعرجة، وتحتهما قطع نحاس جمعها من أكداس القمامة التي تركها خلفه لكن رائحة العفن والدخان لا تزال تعاند أنفه الذي  أدمانها..
رأسه مركب للأفكار الراتعة والخيالات الماثلة كأنها جوهر الحقيقة..عندما وصل الطريق المعبدة، زفر زفرة نفث معها ما كابده في تلك الطريق الوعرة بٱهتزازاتها، يتصبب عرقا كمن أخرج رأسه من فم مرجل، قطرات العرق الساخنة تجد لها سبيلا وسط ظهره المنحني، فالشمس ٱرتفعت ساخنة رغم خروجه في غبش الفجر حتى لا تسبقه جحافل " البرشاشة" يداه تدفعان ، ورجلاه تلاحق العجلتين الدوارتين،أنفاسه تتقطع،  يلهث، يداعب النوم جفنيه، ورغبة في التوقف تلح عليه، لكن صوتا بداخله يحثه فيبعث فيه بعض القوة.. رؤى الماضي تطرف مبرقة أمام عينيه.. الإحساس نفسه يجتاحه وهو يحوم مادا ملفا غص بالأوراق، مغمغما بنفس الكلمات:
_  أبحث عن شغل..مهندس في علم الطاقة..
 الرجلين الثقيلتين نفسها يجرجرها..لكنه اليوم يجري بلا توقف. الوقوف هو موت، موت بطيء مع الماريخوانا..
و الصوت نفسه يخاطبه من الأعماق، يذكره، يغرز فيه ألسنة مخزية، كما الذباب يقع على الجيف يرشف دمها..
_ لا تأسف ها أنت تعالج طاقات الأرض..!
تكلم لا تصمت البلاستيك والنحاس أليست طاقات !؟
لا ينبس بكلمة، لقد مل سخريته، يحس بشفتيه تتشققان، وبحلقه جافا، مرا، لسانه يتلمظ يبحث عن جرعة ماء، يعيده ذلك إلى علاته الأولى وهو طفل في قريتهم وذلك الجفاف والعطش..يتذكر حين يصل العين مع أخته، ينطلق بالمنحدر كالسهم ليطفئ لهيبه:
_ لا تشرب يا فرج وأنت ساخن..فرج.. يعيش خويا  ما تشرب ! تصيح أخته فتردد الجبال صدى صوتها.
تماما يومي كأمسي أرى الماء وأنا عطشان ولا أشرب ! أنا مهندس الطاقة،  أنظر إلى هذه الأراضي المهملة، إلى شهادتي، إلى خيباتي وإلى سنواتي المهدورة..
يدفع ويدفع العربة للخلاص،،لكن طريقه تطول وتطول..

سيارة سوداء،فارهة، تخفض سرعتها،ينتفض،تعيده للحظته، تسير بتؤدة محاذية له، يخرج من نافذتها علم البلاد مرفرفا، صورة ضخمة لرجل : نظرة باردة لا روح فيها، ابتسامة مصطنعة، يلوح له بيده، للحظة الأولى خاله حقيقة، لكن سرعان ما أدرك أنها مجرد صورة للدعاية الإنتخابية، الرئيس، يمكن أن يكون الرئيس المنتظر..سيادة الرئيس يكلمه هو ! ياللحظ ! يخاطبك أنت يا فرج تخيل أن يكلمك الرئيس مباشرة..!
تبسم بسخرية، وواصل الدفع لا شيء غير الدفع..
يطل رجل، شعره فاحم، لامع، بقميص ناصع البياض، تدغدغ أنفه رائحة عطر رفيع، يبتسم،  تماما كٱبتسامة الرجل الصورة.
تمتد ورقة بٱتجاهه، حين وقعت عليها عيناه، لم ير إلا تلك الصورة، الرجل المبتسم دائما..وهو يحييه،  وجاءه الصوت رخيما مع الورقة :
.
_ أهلا أخي..صوت للدكتور(البهلاوي) ونعدك بشغل...شغل قار ومريح..
لكنه يشيح بنظره ولا يتوقف، يدفع ويدفع لا شيء غير الدفع للخلاص..
يشعر بالكلام يعتمل بحنجرته،يحاول لفظه،فتنقطع به السبل،يرى الصور تعتريه عدوا وحبوا..
تنم عنه ضحكة رغم أنه يريد البكاء، كأن عقله لا يشتغل الا رجعا لعلاته القديمة، يرى نفسه بلباس صيفي في شتاء بارد،حافي القدمين، و هو يبكي ولا يعرف السبب، أمه تهدهده، تحاول تهدأته ولكنه يواصل البكاء،،لا شيء غير البكاء..
يجمجم:
إمممممممم...
يأتيه الصوت بنبرة أكثر جدية :
_ يا سيدي هذه فرصتكم..صدقني..يمكن أن ننظم  هذا القطاع ونعينك مسؤولا..
تنم عنه ضحكة:
 _ مسؤول  " البرباشة"
_ لا يا سيدي بل مسؤولا عن مجمع " رسكلة النفايات وتدويرها " لكن بشرط  تهنينا على أصوات  "البرباشة"
_ وأنا عندي شرط أيضا !
_نعم..نعم..ماهو ؟
_ ما سأطلبه أهم من الشغل !
_ نعم أسمعك سيدي الكريم..
_ ثلاثمائة ألف دينار.
_ كم !؟
يتوقف عن الدفع، وتتوقف السيارة..
يرفع رأسه بٱتجاهها فيبدو شاحب السحنة  كالأموات..
_ ثلاثمائة ألف دينار لزرع كبد، بدل كبدي التي أكلتها أكداس القمامة..
ترتخي اليد الممدودة،تسقط الورقة كسقوط ورقة التوت الأخيرة، تنطلق السيارة تنهب الأرض نهبا..
تهب ريح ساخنة،تحمل الورقة وسط سحابة من الغبار الأصفر، تتبعها" فرج" بعينين كابيتين، ونظرة يائسة، وهي تحط فوق جدول ماء متعفن يشق الإخضرار،تزكم أنفه رائحته النتنة .
لكنه يواصل الدفع.. ولا شيء غير الدفع...

رسكلة: إعادة تصنيع وٱستعمال بعض المواد مثل البلاستيك
*********************************************

نصوص جميلة ، وافكار متعددة، تغوص في أعماق النفس ، وتسرد معاناتها وهمومها وافراحها واحزانها همساتها، لفتاتها، دام  التألق والابداع اديبتنا المتألقة ، موفقة دائما أن شاء ألله

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم