شرنقة - مجموعة قصص قصيرة - بقلم الأديبة/ نجاة نوار - تونس


بقلم الأديبة/ نجاة نوار
- تونس


مقدمة :
وستبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته .. 

***********************************************
1-  شرنقة
كمان الظّلام يوقّع نوتات مساء جديد  . أزيز مزعج  يحتدّ ويحتدّ.  يخترق دون هوادة  جمجمتها ويسري بين خلاياها سريان النار بالهشيم . يلتحم بذبذبات نبضها الصّارخ بأوردتها.  أغمضت عينيها مستسلمة و أوشكت انفاسها ان تتوقف.        تكوّرت ألما وكتمت صرخة بحنجرتها، سيمرّ الوقت العصيب بلاشكّ  وستستفيق من هذه الدّوّامة المقيتة.  يخفّ الأزيز فجأة ويغزو أطرافها المتقلصة برد شديد ..البياض يلفّ المكان اجالت بصرها المرهق.  لوحات  ترسل الوانا خافتة واخرى اصواتا رتيبة تتلف الاعصاب. تدنو منها سحابة خضراء وتبتعد  وبالفضاء غيمات بيضاء تتحاضن حينا وتفترق اخر..وتقترب السحابة  الخضراء مجددا ويهيء لها انها تبتسم ..منحها الشعور  ارتياحا فتسترخي أوتار اعصابها المشدودة  ..أتراها تنازع وهذا ملك الموت جاء ليقطف أنفاسها الأخيرة .. انه مختلف عما قرأته وعما رسمته حكايا الجدات بمخيلتها .."النفس الشريرة تنتزع  من الجسم الذي احتواها كما تنتزع الحسكة من الصوف ...والنفس الطيبة تسحب كما تنحدر قطرات الندى عن بتلات زهرات طرية.."  لابدّ أن يكون هذا الثقل المميت  جاثوما يكتم على رئتيها ويدس بذهنها وصفات هلع لا توصف .
    "لا أريد أن أرحل رباه !! "
  تمتد خيوط شفافة .ويتلقى وجهها  رذاذا باردا منعشا يسلل عبر خياشيمها "تراقصت الاخيلة حول جسمها الذي غدا أخف من القطن ارتمت في اللامكان تخففت من قيد الجاذبية .وخزة  ما جعلتها ترتعش تمدّ يدها لتمسك بخيط من تلك الخيوط  . وغابت رويدا رويدا تسامت روحها ورفرفت لتحط بغرفة زهرية يزيّنها مهد صغير تكلّله أشرطة حريرية مبهجة ودمى صغيرة معلقة. راحت تراقبها وهي تتمايل . كانت الصغيرة  بملامحها الملائكية تسبح في هالة من  نور .هاقد تحقق حلمها ،عذاب سنوات من الانتظار يتلاشى ما  ان شعرت بدبيب الحياة يتحرك داخل احشائها أمضت اوقاتا تتحسس حركات وسكنات هذا الكائن وتنتظر بلهفة لحظة قدومه للحياة ،سماع صرخته الاولى لحظة عناقه الاولى ،الانتظار  تلك الدودة التي نخرت وريقات ايامها واقتاتت من رحيق صبرها  تنتصر اليوم عليها ، يتناهى الى سمعها صوت بعيد افيقي ويتكرر اسمها لكنها لا تريد ان تفيق ،من يجرأ على سحبها من شرنقة الحلم الشفيفة؟؟
اوجاع شديدة تنهش كل ذرة من كيانها تفتح عينيها بصعوبة  تتحسس بأطراف اصابعها أثار رتق بخاصرتها ثم انزلقت اناملها  لتلامس بطنا خاوية وتنهار على ارضية الغرفة ملتاعة ضاربة بكلتا يديها على رأسها ..،
" متى سيفارقني  هذا الكابوس الذي استنزف روحي وخلّف بثنايا فؤادي شرخا لا يشفى ؟؟"
   زلة مشرط أزاحت عن السكة قطار أحلامها    وطحنت نواعير القدر   كل اماني الامومة . .


********************
2- نشيج الروح

      يفتح الباب بهدوء وتدخل سيّدة الغرفة حاملة بيدها شيء صغيرا، تجلس على حافّة السّرير. ترتسم على محيّاها ابتسامة صغيرة وهي تقول: «كفاك نوما يا حبّة الرّوح! هيا افتح جفنيك واشرع قلبك للحياة، حبيبي ها قد احضرت صديقك المفضّل ليؤنسك قليلا فهو ايضا يشتاق إليك. !" ينفلت الفرخ الصّغير من يدها ويرفرف بجناحيه الصغيرين محاولا الابتعاد.
       تراءى لها وهو يرفرف بيديه الصغيرتين. يدور حول نفسه. يمشي على أطراف اصابع قدميه تماما كراقصات الباليه على مسارح احدى المدن الايطالية الشهيرة. ينثرن البهجة بقلوب أمهاتهنّ ويثرن اعجابا يلهب بالتّصفيق أيادي آلاف من المتفرجين، ينثر هو برقصته أحزان عمر أو ما يزيد بقلبها ويلهب بالروح لوعة أبدا لا تهدأ. تمدّ يديها تنادي الجسد الصغير ليرتمي بحضنها، تتأهّب حواسّها لاستقبال ذراعين دافئتين قد تلتفّان حول عنقها. تجول بعينيها بحثا عن عينين صغيرتين قد تتعلّقان بوجهها. تمرّ اللّحظات.  يغزو ثلج مفاجئ باحات الحضن. تظلّل كآبة قاتمة الوجه. تنهال يد خفيّة تشبع وجه التهيّؤات صفعات ذهول وخيبة.  غالبا ما كان ينفر من لمساتها الحانية. يتهرّب من مداعباتها الرّقيقة التي يغيب صداها بقاع استجاباته المثقوب. كان كثيرا ما ينزوي ملتفّا حول نفسه بأقصى السّرير كجرو صغير بلّل ماء بارد فروه. تبتلع قرص الخذلان وما أقسى على أم أن تجابه عاطفتها وتقرّبها بالرّفض والنّفور. تتحسّس السّرير متمتمه: "هيا لقد أعددت لك طبقك المحبّب، يمكنك أن تطعم صديقك بيديك كما كنت تحبّ أن تفعل، هيا ابن قلبي لن أفلت يدك هذا اليوم أبدا ولن أتركك للتيه. !!"
        تردّد جدران الغرفة الصّغيرة صدى صوتها ولا مجيب فتتهاوى على السرير الصغير منتحبة. تشرب كأس وجع مترعة وهي تنشج.

     كانت تلك عادتها اليوميّة منذ ما يقارب السّنة. تلعق كلّ صباح فتات وجع يفنيها ولا تفنيه وقد استباحت أبابيل غربان شرفة الروح.
يغسل الدّمع ضباب الوهم ويمرّ شريط الذكرى وئيدا. تذكر جيدا ذلك اليوم الذي عطّل ساعة الزّمن لديها ورسم منعرجا لمشاعر فرح الأمومة داخلها وأثّث لحفلة نواح صامت تقام كل موسم فقد. «أهي مصادفة أن يختارني القدر ليمتحن صبري ويختبر ايماني؟ أم انه انتقاني لبلاء عظيم يعلم ان نفسي قادرة على تحمله؟؟ "خمنت بحيرة. جمعت ما بقي من جلدها لأجله، نعم ستساعده لأنّه منها، بعض من روحها، من دمها، من لحمها ستهبه من عمرها أيّ عمر لها ؟؟انه عمرها وأملها، وستعبر به الى الضّفة مهما كان التيّار عاليا. لن تنس يومها أنّها أفاقت كعادتها. قصدت غرفته.  سارت نحوه تداعبه بحنوّ. ينفلت من بين يديها. يدور حول نفسه.  ينخرط في نوبة ضحك هيستيريّة. لم تستسلم. مدّت يدين مرتجفتين انفعالا. أمسكته. جذبته اليها لدقائق ثم حملته الى غرفة الطعام. يرفع الصحن على حين غرّة وبجزء من الثانية يلقيه أرضا وينط ليلهو بمحتوياته. حاولت حينها أن لا تصيح وبذلت جهدا كي لا ترسل سيل توبيخ وتقريع كذلك الذي ترسله أغلب الأمّهات في حالات مشابهة. تتشكّل الصّيحات دوائر تتّسع وتتّسع.  تضيع ذبذباتها ويخبو صداها في عتمة الحنجرة وتقبر بتجويف قلبيّ عميق.  تسحب نفسا عميقا. تنتظم كلمات أخرى وتترتّب جمل مهدّئة تعدّل . توجّه. تثمّن: "لا بأس حبيبي! لا تنزعج! سأتولّى جمع ما تناثر." نظرته الى الفراغ تنبؤها بأنه لم يفقه ما قالت، فتنحني على الأرض. يداها تعملان وينهمر القلب ينشج، وبعمق الروح تتنامى نبتة سوداء جشعه تمتصّ دون رحمة آخر قطرات التّماسك بفنجان صمودها. "أنى لي بكلمة صغيرة تزهر بها شفتاك، تذبّ غابات الشّوك بداخلي ؟؟" قال لسان حالها ذلك وهي تتهاوى على الطفل تلثمه أينما اتّفق، بينما ينظر هو ببلاهة الى الفراغ. يتحسّس سائلا سخنا تناثر بعضه على خديه، ملحا أجاجا سفحته ذات جرعة وجع مفرطة. تسرّح بصرها عبر النّافذة كان الصباح مشرقا.
         يومها أيضا كان مشرقا، حين قررت ان تصاحبه الى الحديقة. تمشّيا معا على الحشائش اليانعة. كان الهواء منعشا والشّمس ترسل خيوطا فضّية ينعكس نورها الأخاّذ على صفحة مياه السّاقية. ساقية موصولة بالبئر القديمة بالجهة الخلفيّة من المنزل. تضخّ الماء فترتوي شجيرات التّين والعنب وأحواض الخضروات. يومها راح يدنو من فراخ صغيرة كانت تمرح بالجوار، ربما شدّ بصره لونها الجميل أو شكلها الظّريف فعنّ له ان يتلمّس ريشها النّاعم كما كان يفعل دوما بشال أمّه يتحسّسه بيديه الصغيرتين.                       
         تتالت الأيام وأنس الصبي هذه الكائنات الصّغيرة. يسارع اليها. يطاردها وكثيرا ما يجثو على ركبتيه يراقبها وهي تنبش الارض وتلتقط الحبّ. أهمل ألعابه الجامدة التي لطالما كانت سلواه يمضي معها ساعات وساعات، يشكّل صفوفها ويوزّع مهامها كما يحلو له. بدا الفرخ الصغير فزعا عندما أمسكه الولد لكنه ما لبث أن استكان لليدين الصغيرتين تجسّان ملمس ريشه الناعم وتداعبان المنقار الدّقيق بلطف. دفء جسم هذا الكائن كان محببا دغدغ في نفس الصبي عاطفة حب أو ربما نزعة تملك، مشاعر جديدة لم يألفها قلبه. فيلف به الأرجاء. يحاول أن يطعمه تينة ناضجة حينا أو يعصر بمنقاره حبات عنب حينا أخر. تهبّ نسمات أمل تداعب ستائر القلب القاتمة وتسمح لبقعة ضوء بالتسلل اليه.اهتمامه الصغير قد يكون البذرة الاولى لتشكيل علاقة ألفة تسفر عن مدّ جسر للتّواصل كان ولايزال غائبا عن أبجدياته. لن تهتمّ بنخزة الألم وان تعلق وحيدها بحيوان بدل ان يهرع اليها يتشبث بتلابيب حديثها كما يفعل الأسوياء من لداته. لا بأس طمأنت نفسها قائلة: "تعلّقه بادرة تحسّن وعاطفته ستنمي لديه رغبة في التّواصل. ربّما قريبا تنفرج شفاهه الرّقيقة عن كليمات ابتهلت لله سنوات ثمان ان تسمعها ويحفظ القلب نداها وصداها." سيخرج من أسر سياج يلف روحه وعقله وقلبه ويغيبه في رحلة تيه لا تعرف كيف تنهيها.     راقبته لوهلة وهو يداعب الفرخ وانصرفت تنهي بعض الاشغال المتعلقة بالبيت. انفلت الفرخ من بين أصابع الطفل وابتعد ملتحقا بأمه واخوته، شعر الطفل بالحنق لأن لعبته المفضلة تهرب منه، لاحقها بعناد. كان كلما اقترب منه وهم بمسكه ينفلت الفرخ مبتعدا. كانت اللّعبة جدّ مسلّية. ضحك كثيرا. ركض كثيرا. تصبب العرق من كل أنحاء جسمه.
       عالمه الصّغير يتّسع ويتّسع وبدت الأشجار رؤوسا تتمايل مشجّعة بينما اشرأبت أعناق الأزهار متطلّعة لتعرف نهاية هذا السّباق الفريد. تخلّص من حذائه. شعر بسعادة غريبة وهو يطأ بقدميه العاريتين الحشائش الغضّة. أنه يلامس شيئا من أسرار الطبيعة ويلتحم بعظمة الكون. رفرف الفرخ فجأة فوق حافة البئر، ابتسم الطفل وارتمى عليه بلهفة ظمأن الى شربة ماء. وبلحظة بائسة تهاوى بالبئر السحيقة. أرسلت حنجرته صرخات رعب ضاع صداها في التجويف المخيف. غاص عميقا بالمياه الباردة، وبجزء من الثانية طفا الى السطح، وتكررت العمليّة مرّتين والصبيّ يخبط بذراعيه الماء بحركات عشوائيّة لكن دون جدوى. تعاظم الفزع بذاته. شعر بكمّيّات الماء المندفعة الى حلقه كلما حاول الصراخ. عبثا حاول استنشاق جرعة هواء تبدّد الألم الحاد برئتيه.  كانت المياه تتسرّب بسرعة الى جوف جسده الصغير المنهك. «رباه ما هذا الالم الرهيب؟" خدر يغزو مفاصله أنساه برودة الماء، ثقل برأسه يكاد يفجّره، تراءت له دمى ملونة، وجه أمه، حبّات فواكه. ريش صديقه الصّغير. منقاره الدّقيق، أرجوحة ملوّنه أخذت تطوّحه. بساط شفاّف يلفّه ويصعد رويدا رويدا. هناك رفرف. مدّ جناحيه للنّور. اغتسل وهو يرقص ليلتحق بعالم أكثر اتساعا وأكثر جمالا.
      لا تدري كم من الوقت مرّ حين شعرت بانقباض مفاجئ ينتابها دفعها لتسرع نحو الخارج تتفقّد صغيرها. بجزء من الثّانية مسح بصرها أرجاء الحديقة. كان الهدوء ثقيلا ومريبا. لا أثر للصبي. أخذت رجلاها تخبطان كيفما اتفق وهي تذرع الحديقة باحثة عن فلذة كبدها، وبين الحنايا وجيف أسود مخيف. يقتنص الزّمان فرحتها المغمّسة بالدّموع. تتآلف نوتات مأساويّة الايقاع لتحبك سيمفونيّة الوداع الاخير. وهي تحثّ الخطى نحو البئر القديمه. هناك بأقصى الحديقة دندن الماء بالتّجاويف السّحيقة. اقتربي. هيت لك الحقيقة. طفا الجسد الغضّ وعانقت الرّوح رب الخليقة.
     أنهت زفرة مرّة وتنهيد عميق الطّقوس اليوميّة لنشيج الرّوح. أعادت ترتيب السّرير الصّغير. سرّحت الفرخ الصغير بالحديقة يرتع ليلتحق بأخوته. أقفلت أزرار معطفها كما أغلقت أزرار قلبها الموجوع. غادرت في اتجاه مركز عملها. هي مؤسسة لرعاية الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة صارت ترتادها منذ أشهر. تمر الأيام متشابهة تقرض أطرافها جرذان الوحدة مع غياب الزوج الذي سافر قصد ايجاد فرصة عمل أفضل. تسكب أقداح الذكرى صباحا وتشرب نخب الفجيعة لكامل اليوم، وتغرق نفسها بالعمل لعل نسمة سكينة تلطف جفاف الروح، لكن دون جدوى..

***********************
3-


بورتريه - نجاة نوار
نسمات باردة ورذاذ خفيف يطرق زجاج النافذة ويحدث  ارتطامه بأوراق الشجيرات المحاذية للمبنى هسهسة تداعب أوتار القلب.
يجلس الى مقعده ،تنفرج شفاهه وهو يلقي بصره ،هاهي هنا لاتخلف موعدا .يمد يمناه يصافحها ويتحسس بأناة تفاصيلها الدافئة فتضطرب بين كفيه وتتمايل خجلى ويضوع عطرها سخيا يملأ خياشيمه ويداعب حواسه .يملأ ريحها رئتيه في انتشاء ويقرب شفاهه يرتشف قبلة ضمأى. ينفذ مدامها الى مسالك جسمه تضخ بها شرايين دفء بلون الحياة،ويتسلل عبقها الى أزقة عقله يكنس كل رائحة وكل مذاق سواها.
يضع فنجانه بأناة مبتسما فتبتسم من خلف الغلالة الشفيفة ،تمد أنامل قدت من شمع  وتأخذ قطعة واحدة كعادتها  وتلقيها بفنجانها.
كانت خرافية الحسن هذا الصباح أو هكذا خيل اليه أنصت باهتمام لحديث عينيها وهو يتأمل جدائل شعرها المنسدل بغير ترتيب على كتفيها.جبينها كان مشرقا وعيناها تشعان ألقا غريبا.
راقب حركة يدها وهي تحرك بغنج الملعقة الفضية الصغيرة لتذيب سكرها.حركات دائرية رتيبة أعادت بذهنه بوصلة الزمن الى يوم لقائهما الأول.كان يوما التصق بزوايا الذاكرة ورسخ بوجدانه ورسم لاقداره طريقا جديدا تكون فيه لهذه المرأة دور البطولة والاخراج.
زارته بمكتبه يومها ،اثر فترة تعارف قصيرة بالهاتف .محادثات جعلته يسعى الى معرفة المزيد عن تلك الفتاة التي ملكت برقي ثقافتها وطرق تفكيرها حيزا من عقله..لم يكن يؤمن بالحب من اول نظرة بقدر ايمانه بالتجاذب السحري من أول محادثه،هو على خلاف الكثير من اصدقائه يؤمن بأن جمال المرأة لايرى بل يكتشف .
وقف يحييها وعلى شفتيه ابتسامة صغيرة :"تفضلي" حاول ان يخفي انبهاره باتساع عينيها وجمالهما الاسر.طلب اليها الجلوس بايمائة صغيرة .جلست مرتبكة ،لم يكن بمفرده،عرفها الى ضيفه .مرت لحظات بطيئة انصرف اثرها ذلك الضيف.تحدثا في مواضيع مختلفة .كان لديها الكثير لتقوله لكن وقع اللقاء الاول اربكها ،كانا يثرثران مطولا بالهاتف والأن تعقد الحيرة والخجل لسانها.
شعر بمدى توترها فنظر الى ساعته وقال متحججا "لقد تأخر الوقت ،أظن انه علينا المغادرة "ووقف ليأذن لها بالانصراف.
حينها انكمشت كلماتها المتدافعة وتهاوت امام بوابة الحنجرة الموصدة.شعرت بقبضة قاسية تعتصر قلبها وهي ترى صرح أمال عريض رسمته مخيلتها ينهار ويتهاوى بغتة كقصر رملي اجتاحته موجة عاتية .لم تنبس بحرف،وهمت بالمغادرة  لكنها تعثرت فجأة كما تعثرت حروفها، وقبل أن تق
تقع أرضا وجدت نفسها بين ذراعيه ،لقد سارع ليسندها ،ارتجفت انفعالا وسالت دمعة حرى.كانت مبعثرة جدا وكان عناقه الصغير مواساة الا انه كان كافيا ليرمم بداخلها بعض شظايا البلور المهزوم.
لحظات خدر  محبب تشبه الحلم،افاقت من غيبوبتها  وانتزعت نفسها من بين ذراعيه ونزلت الدرج تتقاذفها مشاعر متباينه.سعادة ورجفة وخوف ..لقد تركت شيئا خاصتها معه.
كيف سمحت لنفسها بان تنهار هكذا ،أين ثقتها واعتدادها،أين الكبر ؟
كيف تهرب رباه من وخزات الضمير وصفعات التأنيب.
أما هو فقد استند الى اقرب جدار مغمض العينين  تسجل حواسه لحظات تاريخية تقاس بعمق النبض ،وقف يخزن بشرفات الذاكرة رائحة عطرها،لون عينيها،ملمس شعرها،نبضها المتسارع وهي بين يديه.رحلت لكنها بداخله تسافر.سحب نفسا عميقا وأسرع الى النافذة يراقبها وهي تعبر الشارع.ادرك حينها انه خلق ليكون لها وخلقت لتكون منه واليه.
قطع شروده صوت رنين الهاتف كأنه قادم من أزمنة أخرى.وضع اطار الصورة برفق في ركنه المعتاد من المكتب ولسان حاله يقول :"أنت أجمل أقداري ،أنت عالمي،أكونك فيكتمل معنى وجودي" رفع سماعة الهاتف وباشر عمله سعيدا.

************************

4-  فوبيا
   كان يسير باتجاه مدرج المبنى الضخم حين قطعت شريان شروده  فجأة وهي تعبر  طرف الرواق ،مشرقة لامعة الابتسامة في سخرية مغرية .لم يدرك كم من الوقت مر منذ قابلها أخر مرة .كانت كعادتها جريئة مباغتة ،لم تمنحه الوقت لينصت لصدى التردد بذهنه .هتفت "من هنا !! "فانقاد لها وسار وراءها مذعنا صاغرا .
      أليس علينا بين الفينة والاخرى أن نمتطي صهوة أفكارنا الجامحة ؟ وان بدت لنا بلهاء أو غريبة ..سافلة  أو بريئة ..ماجنة أو مريبة  نرتمي في غمارها ونصارع لججها  فنغنم درا مكنونا .!!
         سمع"تكة "خفيفة وغشاه ظلام خفيف.سرت رعشة باردة من أطراف جسمه المتقلصة وصولا الى مواطن الاحساس داخله تنذر بأن شيئا مريبا يحدث. تتحفز خلايا دماغه وترسل نفير  انذار لكن لا عصب يستجيب .انه يفقد السيطرة على أطرافه الحيوية التي بدأت تتكلس . . جف ريقه وتخشب لسانه وضاق تنفسه تدريجيا .
يكاد الهواء ينفذ من صدره .أنى له بيد تفك عقدة ربطة العنق؟؟
         يتراءى له فجأة أن الفجوة الضيقة مظلمة التي تحيط به  تتسع  وتتسع وتبتلعه بينما هو لا يقوى على حث رجليه للهروب بعيدا ."اقترف فعل التجربة !!"،لكزته الفكرة الجامحة !
      أطبقت الفجوة على جسمه وراحت تضيق شيئا فشيئا ..التمع بذهنه شريط مضيء  ،لاحت وجوه محببة .أمه وهي تتمتم بدعواتها على سجادتها الصغيرة بركن المنزل، والده ينضح عرقا عن جبينه المكدود.وجه حبيبته  فساتينها المعطرة ،كلماتها الندية ،مناديلها الزهرية ..مشبك شعرها ورسالتها الأخيرة .الحب هو سبيله للخلاص سيتشبث بخيوطه الوهمية  ليتجاوز هذا الكابوس..لكن الوجوه  المحببة اختفت فجأة والتمعت بالافق كرات ضوء زرقاء خافتة ،تأرجحت أنوارها وسمحت له باكتشاف  وجوه بلا ملامح ، غريبة الهيئة ..أطلقت قهقهات عالية وهي تسبح بالفضاء ..انها لاتخضع لقوانين الجاذبية ..وهل للامكان جاذبية ياترى؟؟
       استطالت أطراف هذه الكائنات حتى غدت  كأذرع أخطبوط عملاق  امتدت نحوه ..التفت حول عنقه وأخذت تضغط بشراسة ..انها بلاشك لحظات موت ما يمر بها ..تزدحم الأفكار وتطرق الخواطر رأسه عنيفا .سيخرج قلمه والدفتر  عنت له فكرة متهورة  ،سيكتب فاصلا مثيرا من قصة قد يكسب بها جمهورا من محبي هذا اللون الأدبي عند صدور مجموعته القصصية الجديدة  ،لكن كيف سيكتب و الأضواء الزرقاء خفتت فجأة  لتسمح  بلحاف  أسود  كثيف أن يلف المكان !،خمن لو بامكانه أن يسحب هاتفه ويسجل هذه اللحظة الفارقة بين الحياة والموت .لكن أطرافه المتيبسة لاتستجيب وعقله يتبلد ويضيع عقد  الأفكار المتلألئ ويتلاشى كفقاعات صابون
    لكل شخص غرف سرية على مشاجب خزائنها يعلق أحلامه وأوهامه  ويزوق جدرانها بورق انتصاراته وطموحاته ،وبجوف أقبيتها ودهاليزها يطمر مخاوفه وخيباته وشروره .
   هاهو الان بين تلك الدهاليز يستل سيف" دون كيشوت" الخشبي وينازل هلعه التاريخي ..
  "الروح من أمر ربي"..ربما غادرت روحي الأن وهذه الشياطين تتلبس بقايا جسدي؟؟ خمن بغبن ..

   تضيق الفجوة أكثر ويزداد الظلام  ويحتبس الصراخ بحنجرته ..هاهو يستسلم لحتميته .
    أزيز خافت يخترق جدار الأذن وهزة خفيفة .."هيا غادر المصعد ،لقد وصلنا"قال صوت أجش بجانبه . ففتح عينيه بتثاقل وقرأ لافتة  على يساره"عيادة للامراض النفسية".

*********************************************
ابدعت الأديبة في توصيل فكرتها بأسلوب مبسط وخفيف ولغة قوية جميلة ، دام الإبداع والتميز أديبتنا المتألقة، موفقة دائما ان شاء ألله تعالى

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم