العرس - مجموعة قصص قصيرة - بقلم الأديبة/ شادية عبد الرحيم محمد - مصر


بقلم الأديبة / شادية محمد 
- مصر



مقدمة :
وستبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته .. 

************************************************

1- .."" العرس ""

القاعة مكتظة بالمدعوين و الجميع كانوا في إنتظار
 العروسين .أصوات ضحكاتهم تعلو علي صوت
 الموسيقي الناعمة التي كانت في القاعة.الكل
يترقب وينتظر بشغف  ليري تلك الفرحة التي
 ستعلو هذا الوجه البرئ الذي خاصمته السعادة
سنوات الذي كانت مأساته ومعاناته مثار لحديث
الكثيرين ممن يعرفون قصته . كان أدهم أصغر
إخوته فلديه أخين وأختين يكبرانه . و رغم أنه الأصغر إلا أنه لم ينشأ  شابا مدللا بل كان مثالا للرجولة والشهامة .
 كثير من الموجودين في القاعة لديهم معه قصة  كان فيها مثال الإنسان الراقي النبيل  .لذا ساد جو من الحزن والصدمة والشفقة
عليه عندما ماتت أمه فجأة بلا مقدمات . لم تكن
 مريضة  أو تشكو من شئ.. الكل كان يعلم مدي
العلاقة الخاصة التي كانت تربط  بينه وبين
 أمه .
كانت هي  مثال للأم الحنونة الطيبة وكان هو
مثال للابن البار بوالديه وإخوته .ولقد أصابه موتها
بحالة من الإكتئاب والحزن جعلته يعتزل الدنيا
والناس  وعندما عرضه والده وإخوته علي الأطباء
أخبروهم أنه لايعاني من أي مرض عضوي و أن كل
ما هو فيه  هو نتيجة لصدمته  من موت
 أمه .
لقد إحتاج الأمر منه أكثر من عامين لكي
يتعافي بعض الشئ من حزنه لفراقها .وها هو الآن
 سيبدأ حياته الجديده مع عروسه التي إختارتها له
 أخته الكبري كان رافضا لفكرة الإرتباط خاصة بعد وفاة أمه الحبيبة.

وأخيرا حانت اللحظة المرتقبة التي كان ينتظرها كل
محبي هذا الشاب النبيل ليشاركوه فرحته في هذا
الحدث الخاص.وها هو وعروسه يشرقان بطلتهما
الملائكية فالعروس تتبختر بفستانها الثلجي كأجمل اميرات الأساطير
وهو يتألق ببدلة العرس الأنيقة وسيما هادئا كعادته .
كانت أنظار الكثيرين تتجه إليه بدلا عن العروس كما
هو الحال في تلك مناسبات .كان  يبتسم وينظر إلي
عروسه تارة وإلي المدعوين تارة آخري و هو يراقب
الجميع بعين حائرة فينظر إلي أخته الكبري و هي
تستقبل المدعوين بالترحاب و التحايا وهاهن أخواته الفتيات  يغنين ويرقصن  أما أباه و إخوته فكانوا
مشغولين بإستقبال المدعوين ومباشرة إعدادات
الحفل وهاهم أقاربه عماته وخالاته .الكل يتسابق
 للمشاركة في إخراج الحفل كأجمل ما يكون .كان
يحاول أن يجاري الجميع في فرحتهم بل كان
يحاول أن يتظاهر بالفرحه فيبتسم ويضحك مع
عروسه تارة ويشارك بالرقص والمرح مع الجميع
تارة آخري .ولكن رغما عنه كانت عيناه تفضحانه
وتخبر الجميع عن وجعه .  .

 فقد كان يبحث عنها في كل الوجوه و يتذكر بحنين جارف كلماتها له
وهي تقول له :سيكون يوم زفافك هو الأجمل يا بني
فأنت أصغر ابنائي وأقربهن إلي قلبي.تذكر مداعبتها
له وهي تحذره من الإهتمام بعروسه وتجاهله لها
و هي تقول له باسمة: إياك أن تنشغل بعروسك
وتتركني فأنا سأغار عليك، فكان يحملها بين زراعيه
وهو يقول لها ضاحكا : وهل أجرؤ علي فعل ذلك ؟؟!!
إنك عشقي الأول والأخير .
لقد رأها تخرج من بين الصفوف و تأتي اليه  باسمة
بنظراتها الحانية المحبة ليركع تحت قدميها فيقبلهما
بِوله ويخبرها أمام  الجميع أنها ملكته المتوجه بلا
منازع .
ثم  يحضن يدها ليجلسها بينه وبين عروسه
تضمهما معا بفرحة.  كان يبحث عنها في كل
الوجوه لتشاركه اكثر لحظاته خصوصية. لقد جاهد كثيرا ليخفي دمعة فرت من عينيه هاربة  فحاول أن
يمحوها بمنديله وعندما رفع رأسه  تلاشت أمام
عينيه كل الوجوه بلا استثناء ليطل أمام عينيه وجها
واحدا  اشتاق اليه كثيرا  وجه أمي.

*******************

2- امي     
رجعت إلي البيت   وانا  مبللة من قمة رأسى الي إخمص قدمي فالطقس كان باردا جدا خارج المنزل.فتحت باب البيت بهدوء ودخلت غرفتي بسرعة حتي لا تراني امي وانا في تلك الحالة المزرية .ابدلت ملابسي وذهبت الي غرفتها  وقمت بالطرق علي باب الغرفة عدة مرات لكنها لم ترد .فتحت الباب ببطء حتي لا احدث صوتا فوجدتها نائمة .فحمدت الله انها لم تكن متيقظة لتسألني اين كنت ومع من وماذا كنت افعل .انها تضايقني بأسئلتها الكثيرة  . لن أنسى تلك الليلة التي تأخرت فيها قليلا مع صديقاتي .لقد كانت السهرة جميلة ضحكنا وتسلينا ولم نشعر الا والساعة قد تجاوزت الحادية عشر مساءا فأسرعت بمغادرة المكان حتي لا تحاصرني بأسئلتها  وبقلقها غير المبرر . وجدتها تنتظرني في شرفة منزلنا والقلق يكاد ان يعصف بها وبمجرد ان رأتني امامها  بدأت في الصراخ وترديد عبارات اللوم و التقريظ في  وجهي و عندما  اجهشَت بالبكاء تركتني و دخلت غرفتها . لماذا تعاملني هكذا ؟ إنني إبنتها الوحيده التي لا تملك من الحياة الا هي فقد مات والدي وانا صغيرة وتزوج اخوتي  وذهب كل واحد منهم ليشق طريقه في بلاد الله الواسعة. ليس أمامها غيري لتحاصرني في كل مكان وتنتقد كل تصرفاتي .القيت نظرة ضجرة عليها ثم ذهبت الي غرفتي وأخذت أقلب في هاتفي ولما اصابني الضجر قررت النوم .  لم يوقظني الا صوت المنبه لإجد ان الساعة  قد تجاوزت السابعة والنصف صباحا .جريت فزعة  لاغتسل وارتدي ملابسي حتي لا اتأخر عن مدرستي ولكني لاحظت شيئا غريبا . إعتدت أن اصحو من نومي كل يوم لأجد ان أمي قد جهزت لي كل شئ إفطاري وملابسي وحتي حقيبتي المدرسية .انها حتي لم توقظني للمدرسة وليس من عادتها التأخر في النوم حتي هذه الساعه .ذهبت الي غرفتها مرة اخري فوجدتها ما زالت نائمة .اخذت احاول ايقاظها ولكن عبثا باءت كل محاولاتي بالفشل .اخذت اصرخ وانادي امي امي اميييييييبيبي ولكنها لم ترد علي . سقطت علي الارض مغشيا علي ولم اشعر بشئ بعدها ولكني افقت لاجد اقاربي عماتي وخالاتي وحتي اخوتي اتوا من السفر .النساء يتشحن بالسواد والوجوم والحزن يسيطر علي الجميع .كنت اخشي ان اسألهم اين امي لذا أنتظرت طويلا لتأتي هي وتحدثني لتفهمني ما يحدث لكنها لم تأت ولم تفهمني  .كان الحميع ينظرون لي بشفقة  .  الصمت يخيم علي الجميع إلي أن بادرني اخي الاكبر قائلا : لقد اتفقنا انا واخوتك علي ان تأتي للعيش معي في البلدة  التي اعمل بها ولكن هذا سيتطلب بعض الاجراءات وبعض الوقت والعام الدراسي يوشك علي الانتهاء لذا ستضطرين ان تعيشين بمفردك تلك الاشهر القليلة الي ان ينتهي كل شئ .انت تعلمين ان احدا من عائلتنا لن يستطيع اخذك للعيش معه فظروفهم جميعا لا تسمح .عليك الان تحمل مسئولية نفسك .سنترك لك ما يكفيك من النقود و سنتابعك بالاتصال دوما . مر أكثر من شهرين علي كلام اخي الاكبر معي و سافر الجميع و تركوني وحيدة في البيت .  كان احساسا موحشا عندما ودعني أخر اخوتي .حاولت ان أتغلب علي مشاعري تلك  فذهبت لاعمل شيئا لأكله فلم أفلح في صنع اي شئ !.جلست علي الاريكة في الصالة لاشاهد التلفاز ولكني لم استطع متابعة ما يقدم علي الشاشة فلقد أصبح كل شئ يشبه كل شئ .و مرت الايام رتيبة ومؤلمة . حاول اصدقائي ان يخرجوني من تلك الحالة التي كنت فيها بالخروج والسهر معهم ولكنني كنت ارفض مغادرة البيت فقد زهدت كل ما كنت أفعله في السابق حتي الاشياء التي كانت تشدني لم يعد لها قيمة عندي .تمر علي  الايام والليالي دون ان يسأل  عني  احد .اللهم الا بعض الاتصالات المتقطعه من اخوتي واقاربي والتي كانت تقل يوما بعد يوم حتي انعدمت تماما . كنت أذهب إلي فراشي كل ليلة  ودموعي تسبقني الي وسادتي .إلي ان كان احد الأيام التي   استيقظت  فيها فوجدت  من يمسح الدمع من عيني بل ويأخذني بين احضانه .لم أكن قد أفقت من نومي بشكل كامل  ولكن صبرا ما هذا الحضن وما تلك الرائحة ؟!! هذا الحضن الدافئ وتلك الرائحة الطيبة يذكراني بها .كم افتقد تفاصيلها ،ابتسامتها حتي لومها لي عندما اخطئ افتقد كل شئ فيها . امسكت باليد  التي كانت  تمسح الدموع من عيني ونظرت الي صاحبتها .ايعقل هذا !!!امي اهو انت!!! كيف اتيت! من المؤكد انني احلم!! .نظرت لي بإستغراب وقالت لي : ماذا بك يا ابنتي ؟ لقد كنت نائمة في غرفتي و رن جرس المنبه فجئت لاوقظك كي تذهبين الي المدرسة فوجدت دموعك تبلل وجهك ! من المؤكد انه كابوس يا صغيرتي .هيا يا كسولة انهضي من الفراش واذهبي لتغتسلي حتي احضر لك افطارك وملابسك .نظرت الي امي بسعادة غامرة وقلت لها أمرك يا أغلي الناس.  سأذهب لاغتسل ثم أتي لنحضر كل شيئا معا .فأنا لن اتركك تفعلين اي شئ بدوني سنكون معا في كل شئ .احبك امي و أخذت امطرها بالقبلات الحارة وهي تنظر لي بإندهاش كبير  وقالت باسمة : وأنتي ابنتي الغالية !  ذهبت لاجهز نفسي للمدرسة وكم كانت سعادتي وانا اسمعها تقول لي:لا تغتسلي بالماء البارد   حتي لا تصابين بالبرد.

************************
3- رحيل و....عودة
حملت الحطب فوق ظهرها ومضت في طريقها  لا يشغلها ثقل الحمولة ولكن..... هي  كلمات من الأمس القريب  تثقلها وتحني ظهرها .
انا لا أريد العيش معكم .لقد ضقت ذرعا بكل شئ سأرحل :قالها بكل الغضب و الثورة المتأججة في صدره.
قالت له  من وراء دموعها :
لن تجد موطنا احن عليك من قلبي هذا يا ولدي
قال لها ساخطا : :لا اريد وطنا لا مال فيه و لا حرية .
ألا ترين ما نحن فيه؟! أيعجبك حالنا؟؟!!
ومالنا يا ولدي !فلتحمد الله  فلدينا بيتا وغيرنا ينام في العراء..
قاطعها صارخا: بيتا !!!ههههه !هل تطلقين علي هذا الكوخ القذر بيتا ؟!  ألا ترثين لحالنا ؟! لقد انحني ظهرك من حمل الحطب و أنا ...لقد تجاوزت الثلاثين وليس لدي زوجة و لا أولاد  . حتي الشكوي لا نستطيعها وإلا ....لقد سرقوا يومنا ودمروا الغد
حاولت أن تثنيه عن الرحيل  بدموعها وتوسلاتها ولكنه كان قد إتخذ قرارا لا رجعة فيه  . فحمل حقائبه و قال لها : سأعود  عندما أحقق حلمي بالثراء  .
 رحل وحيدها  و تركها لتعاني آلام الوحدة وفقدان الولد .
مر  أكثر من عامين ولم يعد هو من غربته ولم تمل هي من الإنتظار .
وكانت كعادتها كل مساء  عندماتدخل إلي بيتها  تخرج صورته الملاصقة لقلبها من طيات ملابسها  مخاطبة إياها بلوعة:
اما آن للطير الشارد ان يعود الي أعشاشه .
وفي احد الأيام عاد  الي الديار و هو يحمل خيباته بين يديه  .أسرع إلي الدار متمنيا أن يجد في أحضانها جبرا لكسرته . وجدها ملقاة علي الارض و هي تحتضن صورته  .نزل الي جوارها وأخذها بين أحضانه ثم صرخ من أعماق روحه .... لقد ماتت  أمه و الحطب مازال فوق ظهرها .
كانت  إحدي ليالي الشتاء عندما سمع الناس صوتا قادما من اطراف المدينة  .كانوا قد اعتادوا سماعه لسنوات ولكن في ذلك اليوم كان هذا الصوت أكثر نحيبا  فقرر بعض منهم أن يذهبوا ليعرفوا حقيقة الأمر .
كان رجلا في الخمسين من عمره يفترش الأرض أمام أحد القبور وينتحب وعندما  رآهم هم بالوقوف .حاول أحد الشباب رفع الحمولة الملقاة علي ظهره و لكنه رفض و أخذ يهذي منتحبا :لم أحمله عنها . ثم تركهم و هو ينشد أغنيته الحزينة وهو يحمل الحطب علي ظهره المثقل بأوجاعه وذكرياته....

************************
4-

قصة قصيرة ...وليدي
يئن جسدي ألما .تتكسرر عظامي  كأن هناك ألف أسد جائع ينهشني .أنهار من العرق تسيل مني .رحماك ربي . ما كل هذا العذاب؟ . تحاول القابلة معي تنهرني تصرخ في وجهي : ساعدي نفسك بنيتي وإلا ستقتلين طفلك .أنفخ .أنفاسي لا تساعدني .أشعر أنني سأنفجر من الألم. قبضة قوية تضربني في بطني ثم فجأة ينتهي كل شئ .أشعر بتدفق اشياء مني حاملة معها حلما إنتظرته خمسة عشر عاما . تغريد بلابل يرن في أذني  .صرخات هي  سيمونية حب اشترك في إبداعها الاف العازفين .حملته القابلة ورفعته إلي صدري قطعة من الجنة هو . قربته من صدري فألتقمه بنهم  . أشاهد زوجي  من وراء زجاج الغرفة .تسيل دموعه  و هو ينظر لي.  أشير إليه ليأتي و يشاركني الفرحة بحلمنا الوليد .يدخل إلي الغرفة متباطئا .أحمل وليدي ، أمده إليه فينظر إليه متحسرا .أسأله بإستغراب : لماذا البكاء يا حبيبي؟! ألست سعيدا بقدومه ؟ إنتظرناه خمسة عشر عاما وها هو بين أيدينا وتبكي ! يصمت ولا يجيب .لماذا الصمت ؟ أجبني ! إنك تكرهه ،تغار منه . أغرب عن وجهي .إبعد عني . إنني أكرهك بل أكرهكم جميعا . إحبك أنت فقط يا ولدي .تعالي إلي حضني .يخرج الزوج منهارا من البكاء ويذهب إلي الطبيب ليسأله :  .لماذا لم تتحسن حالتها إلي الأن ؟ لقد مر أكثر من عام !  قال له الطبيب: كان الأمر فوق إحتمالها فموت وليدها  بعد إسبوع من ولادته كان صدمة فوق إحتمالها .
يخرج الزوج من عند الطبيب وينظر إليها  مرة آخري .يقتله إحساس بالذنب . يهمس لنفسه باكيا.اه يا ولدي  سامحني لقد قتلتكما معا
تجلس في غرفتها تهمس إلي وسادة تضمها إلي صدرها  :سنسافر سويا يا حبيبي .لن نفترق ابدا  . تتلفت حولها بخوف ثم تخرج  شيئا كانت تخبأه في ملابسها .
 في اليوم التالي كان هناك عنوان صغير في إحدي  صفحات الحوادث ،إنتحار  سيدة في العقد الثالث من العمر بأحد المستشفيات النفسية   بقطع شرايين يدها

************************
نصوص بسيطة بسردها المبسط وأفكارها الجيدة ، أحسنت اديبتنا المتألقة، دام الإبداع والتميز ، موفقة دائما ان شاء ألله تعالى

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم