أمل - مجموعة قصص قصيرة - بقلم الأديبة/ زينب بوخريص - تونس

بقلم الأديبة/ زينب بوخريص 
- تونس


 القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته في الغوص بأعماق أفكاره.


************************************************

1- أمل...؟
في كوخ متداع، تطبق عليه الرطوبة،سقفه لين و أرضيته اسمنتية صلبة..تكور أمام سرير زوجته المحتضرة.
قلب واجف، عينان دامعتان، ولسان متضرع دعاء: هذا كل ما يملك.
متأملا وجه زوجته الشاحب، لسعته سياط الألم اللاذعة.
بحنو بالغ، أمسك يدها الواهنة،، قربها من شفتيه المتشققتين،، لثمها برقة متناهية. أحست حرارة قبلته على يدها،  كمن نفخت الروح فيها من جديد.
ببطء، فتحت عينيها تتملى غضون وجهه، متفحصة تفاصيله بعناية، قال لها بنبرة حانية:
-كوني قوية كما عهدتك عزيزتي، أعرفك عنيدة و مثابرة.
أجابته بصوت متقطع:
ها أنا ذا أنازع سكرات الموت، يطبق على أنفاسي تارة ويمهلني الى حين، تارة أخرى. سأقاوم حتى النزع الأخير، ليس من عادتي الاستسلام، كما تعرف.
طرقات على الباب قطعت مناجاتهما.
رجع مستبشرا، فقد أرسل في إثره المسؤول على الجهة، وقد تحدد موعد اللقاء غدا صباحا. قال محدثا نفسه:
- تأخر رده كثيرا، طلبت لقاءه منذ سنة تقريبا...كاتبته، حدثته في رسائل، عن وضعية زوجتي الصحية، رجوته أن يأرف لحالتها، فلم يفعل... مالذي ذكره بي الآن؟ ثم تذكر أن الانتخابات على الأبواب، فتلاشى استغرابه، وانفرجت أساريره:
لن أطلب شيئا لنفسي، فقط أريد علاجا لزوجتي
عاد إلى حيث ترك توأم روحه قال لها:
افرحي حبيبتي ستنعمين بالعلاج قريبا، ستشفين و نربي أملا ابنتنا معا،، سيكون الغد أفضل، ثم طبع قبلة على جبينها البارد...
 كان يتحدث إلى جثة هامدة، ثغرها باسم، ووجهها وضاء.
************************************************

2- 🌺نغمات شجن🌺
 ضمها إليه بقوة، وهو يهمس في أذنها:
-ما أزكى عبيرك عزيزتي! نهرته كعادتها قائلة:
- هل جننت؟ ألا تخشى عيون المتطفلين .
أجابها ساخرا :
-لست أرى أحدا سواك يا حبيبتي!
 كان المطر يهمي جميلا، مضفيا على الجو شميما حلوا، مضاعفا من رومانسية عمر.
 قال لها وهو يحتضنها:
- لماذا لا تبقين هكذا طول العمر؟
أجابته بغنج :
-وهل هناك أجمل من هذه اللحظة؟؟.
 أفلتت نفسها من بين يديه محاولة الهروب من أحضانه،لكن عبثا تحاول، إذ كيف السبيل للنجاة وكمينه محكم؟
  متوسلة، قالت له:
"- سيرانا أحدهم، ونصبح حديث الجامعة".
 قال لها ممازحا:
"_وهل هناك أفضل من أن نصبح حبيبين مشهورين كعنتر وعبلة أو مثل قيس وليلى... او أن أموت هكذا في حضنك، ميتة هنيئة. و تظل الابتسامة على ثغري ترافقني الى قبري."
نهرته بشدة:
-  كف عن حديث الموت. لن تموت الا وانت على عكاز، شيخا هرما، تجاوز التسعين". أجابها ممازحا:
"- ألا تعرفين أن الموت في حضنك سيكون ممتعا للغاية، وكأنه بعث جديد في برزخ العشق الأبدي ؟؟ قاطعته واضعة راحة يدها على فمه:
"-لا تكمل، ألم أقل لك إنك سخيف. سنعيش معا حياة ملؤها الحب، وسنتزوج وننجب أبناء كثرا".
قال لها بحنو كبير:
-ستنجبين لي بنتين جميلتين ، عنيدتين مثل أمهما، وقحتين مثل أبيهما. وستكونان معي في حربي ضدك، سننتصر حتما عليك و سترفعين الراية البيضاء. عندها فقط سنسمح لك بالانضمام إلينا ونحن نلعب النرد أو الورق.
أردف قائلا:
-ستعانين من الوحدة، لأنني سأهرب بجلدي، انا وابنتاي من صراخك علينا، و تأنيبك لنا باستمرار، لانني أنوي خرق كل القوانين الأسرية والأنظمة البيتية، و أتمرد على ربة البيت وأعصي أوامرها، بالتزام النظام والمحافظة على الترتيب. أعرف نفسي فوضويا، مشاكسا، سأقلب البيت رأسا على عقب. فانا لا أحب البيوت الساكنة.و لا أميل إلى القبور الباردة. سأمرح أنا وابنتاي بالوسائد،و نبعثر ترتيبه، و نظامه. لن نهدأ ليلا ولا نهارا. وستنهرينني بقوة كعادتك دائما، لكنني لن ألتزم باللوائح التي وضعتها، خارقا، كل معاهداتي معك، معلنا التمرد والعصيان. تعرفينني مشاغبا. لكننا أحيانا سنحتاج إلى هدنة مؤقتة، أحبك فيها، و ألتهم شفتيك الجميلتين، فانا لا أقدر على العيش دونهما.
 حدجته بنظرة تقطر غنجا، وتفيض أنوثة، قائلة له:
- حينها لن تتركك ابنتاك تنفرد بي لأنك عودتهما على ملازمتك كظلك، أعرفك مجنونا."
قاطعها واثقا:
- سأطلب منهما هدنة مؤقتة أيضا. حتى أكون مع حبيبتي في لحظات ود وصفاء. و ستستجيبان لذلك. هما مطيعتان لوالدهما الحبيب.
 ضحكا بصوت عال. متوددا قال لها وهو يطبع قبلة على خدها:
 -وهل أقدر على العيش دون وردتي الحلوة.
دفنت وجهها بين راحتيها، وهي تخفي دموعا همت غزيرة، غير عابئة بفستانها تعبث به نسمات شهر أيلول، كما عبثت بها هي الأقدار القاسية...
تذكرت حيويته المفرطة ونشاطه الزائد و إقباله على الحياة، وقلبه المتوقد، الذي توقف فجأة إثر حادث مرور أليم. فارق بعده الحياة. لم يبق لها سوى الرحيل عن مكان دفنت فيه حبيبها، ليبقى ذكرى جميلة خالدة في قلبها إلى الأبد.
***********************************************

3- 🌺استيتيقا🌺
ذات مساء ربيعي رائق، جلست في حديقة منزلي، أتفيأ ظلال أشجارها الوارفة، وأتضوع عطر ورودها العبقة،،،ينفذ شميمها الحلو الى أنفي، فأنتشي. وتنفتح شهيتي للكتابة،،،فتتدفق جداول الكلمات، بعد أن دغدغت الروائح العطرة ثنايا حروفي، سقيتها حبر يراعي، فأينعت وأثمرت: مقالا بديعا عن "الاستيتيقا" كان مقالا رائعا، لم تجد قريحتي بمثله منذ مدة، أجدبت فيها مخيلتي،، و نضب معينها أياما. حدثت نفسي في خيلاء:
-ليس كل من يكتب، يعد كاتبا،،، فالكتابة عشق وفن
 وجنون....هوس و إجادة: قبس من نور يقذف في الصدر،، قد يغادرك أحيانا فتلفى نفسك محبطا: هجرك ألقك و سحرك،، وفجأة وأنت تقترب من اليأس يتدفق زبدها ،، فتفيض المعاني و تهمي الكلمات كماء زلال،،، متدفقة من اليراع سلسة، عذبة.
آه ما أجمل أن تكون كاتبا!! تجد لنفسك عالما بديلا تنسجه في مخيلتك،، وتقبع في شرنقتك بعيدا عن السخف و الرداءة...
راودتني هذه الأفكار وأنا أقرأ نصي متمعنة، مخافة تسلل بعض الهفوات: معكرة صفوه و مفسدة بيانه الفريد.
 مشاعر متداخلة انتابتني: اعتزاز و امتعاض: معتزة بقلمي واثقة من قدراتي،، نافرة من رداءة وقبح استشريا...
لم يسعفني الصبر، تملكتني اللجاجة،،،فسرت إلى مقر الجريدة،،و قصدت مكتب رئيس التحرير مباشرة.  قلت في نفسي :
-يجب أن يكون مقالي جاهزا للطبع.
 ما إن رآني  حتى انفرجت أساريره،، وخاطبني قائلا:
-وجهك البشوش يوحي بالخير،،، هل تفجرت قريحتك المتمنعة أحيانا، فقطعت إجازتك  و استأنفت العمل.
أجبته واثقة:
كالعادة فراستك لا تخطىء أبدا،،،أخصبت المخيلة،، فطرحت خيرا عميما ضمته مقالتي هذه.
قلت ذلك ومددته بمسودة المقالة،،،جلس إلى مكتبه ملتهما كلماتها بنهم عجيب،،، وقال:
أبدعت، دام مدادك، و ما انساب به بنانك الساحر، راق لي كثيرا ماكتبت، فعلا إن من البيان لسحرا
شعرت بالاعتزاز وأنا أسمع ثناءه على مقالي،،، و ألفيت نفسي أحيا في ألفاف نشوتي الغامرة،،، أكيد سيحظى نصي بالنشر في الصفحات الأدبية و سيلاقي نجاحا منقطع النظير،،
أضاف رئيس التحرير:
-لكن هذا الكلام على بهائه و سحره لا يصلح للنشر في مجلتنا الغراء،، وإن نشر فلن يقرأه أحد.
لم لم تكتبي عن آخر صيحات الموضة والأزياء أو عن المطرب "ماجد سعيد" الذي أحدث ضجة صاحب أغنية:
ليه عملتيلي بلوك
قبل ماتشوفي النيو لوك
وراح يدندن كلمات الأغنية الحدث، ورحت أدندن معه لحن نفس الأغنية، حفظتها من كثرة بثها، فتمادى في الغناء منتشيا، وقد هزه النصر،. وأطربه الظفر..وفي غمرة احتفاله بانتصاره المزعوم صرخت بصوت عال وأنا أضرب على مكتبه بيدي:
كفى! أنا مستقيلة من العمل.
غادرت المكتب وانا أدندن اللحن اللعين.

************************************************

نصوص بسيطة عميقة في أفكارها ابدعت الأديبة في استثمار أدواتها، بجمل رائعة واسلوب جميل وسلاسة واضحة، دام التألق والابداع اديبتنا المتألقة، موفقة دائما أن شاء ألله.


0/أكتب تعليق

أحدث أقدم