عذابات - مجموعة قصص قصيرة - بقلم الأديب/ مصباح الصديق - المغرب


بقلم الأديب/ مصباح الصديق 
- المغرب 


 القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..
والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته في الغوص بأعماق أفكاره

************************************************ 
1-  عذابات
هاهي السماء ملبدة ، تتناطح فيها السحب الدكناء ، تتداخل في بعضها متدافعة تنذر بليلة هوجاء ليلاء . حتما ستعكر هذه الأجواء غير المرغوب فيها صفو ليلته ، جلس على المصطبة تحت المظلة الخشبية ، أشعل سيجارته ببطئ رانيا ببصره إلى الأفق كأنه يستجديه . كم رتب لهذه الليلة ، وكم هيأ لها من أسباب التدبير والحيلة لتمر بسلام ويهنأ فيها بلذائذ جمة لا تطوعها كفه إلا في الأحلام ، كم تعطف إلى أمه أن تغسل قميصا وسروالا له وهو يعرف أن الأمر يشق عليها ، فغسل الثياب تحكمه شروط قاهرة ، موعده لا يتغير ، والوادي يبعد بضعة أميال منهم ، ولا يستقيم الذهاب إليه إلا مع جماعة النساء وفي يوم محدد من الأسبوع . وغسلها في المنزل سيكلف حصة من الماء غير يسيرة ، تبوز الحساب ، وتأخذ من حصص الأغراض الأخرى ، والبئر التي يستقى منها ، يلزمها فراغ الحمار من بقية الأشغال ، وسائس تحكمه نفس الشروط ، ووقت للذهاب والرجوع وانتظار في الصف . نفث نفثة من فمه كنفثة المقهور جعلت دخان السيجارة يخرج مستقيما يتسارع على غير العادة ، وهو يتطلع إلى حبيبته يرقب زينتها ، دراجته النارية ، كم أضاع من الوقت في غسلها و مراقبة المحرك لدى الميكانيكي ليتفادى مفاجٱتها .
مع بداية أذان المغرب ، تحرك الرعد يهزم ، وميض برقه يخطف الأبصار ويدمر العقول المشوشة . بدى له الأفق يرتمي في أحضان الظلام ، و الآمال تفر ، رمى بسيجارته بعد أن عقدها بين أصبعيه ، الإبهام والوسطى ، لتذهب بعيدا كأنها رمية مسددة ، لم يبقى له الٱن إلا التذمر والسخط ، لعن حظه المشؤوم ، لملم نفسه ، دخل البيت و أمارات القلق بادية عليه ، تلقفته أمه طالبة إليه أن يلحقها إلى السطح لكنسه من الأتربة والحصوات التي قد يعوق تجمعها جنب المجاري مياه الأمطار المرتقبة . ود في نفسه لو أن شخصا ٱخر غير أمه طلب إليه هذا الطلب ، لكان له معه شأن وسلوك ٱخر يتناسب مع ما غذته به هذه الأجواء اللعينة . أزال لباسه الأنيق الذي ارتداه لمراده الذي يعلمه في نفسه ، و هو يراه يتبخر دقيقة بعد أخرى . صعد السلم إلى السطح . ما أن أنهيا عملهما وجمعا كوم التراب والحصى ، حتى انطلقت السماء بإرسال وابلها مع برق يضرب هنا وهناك ، ولضغط الأجواء تخلى عن جلب المجرفة و بدأ في تجميع ما تستطيعه كفيه ورميه في الحوش المترب ، ما أن رمى عشرين تجميعة ، تزيد أو تنقص بواحدة أو اثنتين ، حتى كانت المهمة في السطح قد انتهت ، لكنها جعلته يبدو كجرو متشرد ، هبط السلم في عجلة غير آبه للبلل الذي أصابهما
أخذ زينته ، لبس فوق ثيابه الأنيقة المظلة المخصصة لأصحاب الدراجات ، خرج من غرفته ثابت الخطى متوجها إلى دراجته النارية ، رمقته أمه ، تبعت خطاه وهي تسأله وجهته ، أجابها بلهجة محلية صارمة : ذَبْحَه وَ لاَّ رَبْحَه

...................................
 ذبحه و لا ربحه  = معناها ربح أو خسارة .

************************************************

2-  منزل آيل للسقوط
جالسا إلى ركنه الذي اعتاده من الغرفة ، قبالة الباب المفتوح على مصراعيه المفضي إلى الحوش الواسع ، وقد أزال الستار ظنا منه انه يعوق انصباب الويفي نحو هاتفه المحمول ، وبيده رفيقته التي قلما تغادره إلا إلى فمه أو المنفضة للراحة أو الإطفاء . هذه اللعينة الحبيبة في آن واحد ، يلعنها في خاطره من الرهبة والخوف منها ، هو يعرف جيدا أنها مدمرة وقاتلة وإن كان يتحاشى ويصرف النظر عن الأشرطة التي تظهر مساويها وآثارها المدمرة ، لكنها حبيبته ، هو لا يدري مصدر حبه لها ولا سبب تعلقه بها ، لكنه يجد نفسه دائما مشدودا إليها ، ما أن يفطر في الصباح حتى تراه قد جلس إليها جلسة المدمن على طقس ، هو الأمر هكذا على الحقيقة وإن كان هو لا يلتفت إليه ولا يحسه ، يأتي بفنجان نظيف من الخزانة ويصب قهوة جديدة ويتخير لنفسه أحسن المنفضات لديه ، ويأتي بكرسيه الجلدي المريح وبطاولة صغيرة كطاولات المقاهي ويذهب بهما إلى الحوش الواسع ، فيدخن خمس أو ست سيجارات على التوالي ، ثم ينهض بعدها متوكلا على الله للانشغال بما يلزمه من نظافة و وضوء للصلاة وتهيئة للخروج إلى حوائجه .
جالسا إلى ركنه امتد بصره إلى نافذة الغرفة المقابلة له مغلقة ، وقد كانت أيام جده وأبيه وهو لا تغلق إلا ليلا ، أما مع ابنه فهي دائما مغلقة ، يتملاها وفي نفسه بهجة النوستالجيا ، رن جرس الباب ، فتحت ابنته آخر العنقود ، سمع صوتا خشنا يقول - معنا أمر بالإفراغ . استعاذ بالله من الشيطان الرجيم ، وأغمض عينيه طالبا الستر .
************************************************

3-  لامَّة
حاصرته اللحظة المشؤومة و أطبقت عليه تحكم الخناق ، فصارت لحظات تتداخل في بعضها ، ترميه يمينا وشمالا فلا يستقر عقله على صورة و لا يهتدي إلى سبيل ، شديدة صعبة ، سريعة كومض البرق ، لا ترحم ، لا يهمها زلزال و لا حرب ولا سلم ، و لا تلتفت إليه لتأخذ بخاطره و تخفف من غلواء وتيرتها علها تكسبه بعض الوقت يستطيع معه أن يفكر بتؤدة و يدبر أموره بالتي هي أحسن فلا يخسر كل الخسارة ، إنما جزء منها ، وعلى الله العوض ، أما الإفلات فلا حلم له به و لا أمل له معه . صحيح هو ليس حصارا بالمفهوم الذي يذهب إليه الذهن في العموم ، ولكنه حصار شديد من زوجه التي هي سكن له في الأصل ، غير أن الخطب جلل و المصيبة عظيمة و الجرم ليس مما يغتفر . في لحظة سهو أو عمد ، الله أعلم ، انقلبت اللحظة غير اللحظة ، والمكان غير المكان ،
و زوجته غير زوجته التي يعرفها ، نظراتها ، حركاتها ، نبرة صوتها ، ملامحها ، وجهها الطارئ ، تموجات جسدها ، حتى شعرها فيما يروي ، والعهدة عليه ، رٱه ينتقل من شد إلى تسريح ؛ ناداها باسم غير اسمها .
***********************************************

نصوص بسيطة في  اسلوبها جميلة في كلماتها وأفكارها ، ابدعت اديبنا القدير ، بالتوفيق الدائم أن شاء الله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم