غيمة لا تمطر - مجموعة قصص قصيرة - بقلم الأديبة / سلوى البحري - تونس

بقلم الأديبة/ سلوى البحري - تونس 


القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته في الغوص بأعماق أفكاره .. 
************************************************
1- غيمة لا تمطر
سحبت ساجدة الستار ووقفت في الظلام تتأمل البلور  بخطوطه المنحنية والمنكسرة. فتحت الشرفة. تستقبل هواء منعشا.و تتأمل روعة الخالق في ماخلق. لقد مضى شهر منذ أغلقت أبوابها ولم تشرعها وغرقت في الديجور.
_ألم تغلقي الشرفة؟
تناهى إليها سعاله يملأ الفضاء الأخرس فأفاقت من خيالاتها .
هرولت تحكم بسط الظلام وهي تردد:
_بلى، بلى، لقد أغلقتها.
سارعت تسقيه الدواء ومن له غيرها ندّت عنها تنهيدة سارعت تكتمها. أغلقت عينيها تطلب سفرا ترتاح فيه. قفزت الأحداث سريعا تسحبها بعيدا عنها.
لقد كانت شابة فاتنة. لكنها لم تفتن إلا بعلمها وعملها.  وقد ذاع صيت نجاحاتها.وهزتها نشوة انتصاراتها. لقد شكلت ذاتهاكما تمنت. ولكن هل كان ذلك كافيا ليلجم الأفواه التي كانت تطلق عليها حمم مدافعها؟ العانس قادمة.. العانس ذاهبة أو ليعمي  العيون التي كانت تنهشها في غدوها ورواحها؟ .
_لم أعد أحتمل همسات ولاغمزات.  لابد أن ترفعي رأسي بين العشائر. لابد أن تتزوجي. ارحمي بنيتي مشيبي . لاتكوني  سبب ذلّي وهواني والعمر كما ترين قد أفل.
كان هذا خطاب والدها لها صباحا مساء. لطالما أجلت تنفيذه متعللة بالدرس وتحقيق الذات فيخر لها الأب الرّؤوم الذي نذر حياته لوحيدته. ولكن هذا التأجيل نفذت صكوكه اليوم وما عاد يقبل تصريفا. لم يعد أمام ساجدة إلا الرضوخ شفقة على هذا الأب من سياط مجتمع لايثق في المرأة آنسة ولو أوتيت من العلم والشهرة الكثير.
_حسنا يا أبي. لقد قبلت. ولكني سأختار زوجي بنفسي.
نظر لها والدها بأسى. لم يجرؤ أن يقول لها أن العمر تقدم بها وما عاد بإمكانها أن تملي شروطها.
_ ما عاد بإمكاني أن أنتظر إن السيد فؤاد مافتئ يلح في طلبك.
تبسمت في سرها. لقد لاحظت منذمدة أنه يلاحقها بسيارته ونظراته حيثما تنقلت. لقدكان أستاذها في الجامعة لطالما دفعها في مدارج العرفان.ولطالما تهافتت الفتيات يطلبن وده.إلا هي فقد شغلها كيانها عن الرجال أجمعين. صحيح أنه يكبرها بعقدين ولكنها الآن جاوزت الأربعين.
_أين أنت يا ساجدة؟
تعالى السعال عاليا. سارعت إلى الإبرة تعقمها وتحقنها في ورك تهدل وترهل.
_إنني هنا إلى جانبك لاتخش.
ومدت يدها تداعب خصلات شعره الأملس وقد غزاه المشيب.وعادت تسبح مع ذكرياتها.
_لم تتغيري يا ساجدة. مازلت فتية نشيطة.
لقد دغدغ حديث فؤاد بقايا أنوثة نافرة. وتيقّظت فيها شراهة أمومة ثائرة خالتها ذوت وماتت.لذا لم تعارض تسريعه بالزواج. بل بنت عليه أحلام عشق وغرام. كيف رضخت واستقالت من عملها لاتدري؟ ولأول مرة تجد نفسها مراهقة بلهاء. تأسرها نظرة. وتسحرها وردة . ويحرقها الشوق لموعد. وتسهر تناجي طيف الحبيب. و تفك خصلات طالما أسرتها. وتلبس فساتين طالما أهملتها وتدندن مع نجاة في نزق ودلال "حتى فساتيني التي أهملتها.. فرحت به..
رقصت على قدميه..
لم يكن عرسها عاديا.  منذ الليلة الأولى منذ أن انغلق عليهما باب القصر اكتشفت أن من اعتقدته حبيبا ليس إلا بقايا إنسان. هكذا أخبرها. لم تحفل ببقية الحديث لم؟ متى؟. يكفي أنها عرفت لمَ أصطادها من بين كل النساء." مازلت فتية نشيطة" ومن ينفع مريض الإيدز غيرها؟.. كان يبحث عن طبيبة مقيمة.. ممرضة حلال.. يخلو بها وتخلو به. تهم به ولايهم بها. لقد تعلمت منذ ليلتها الأولى أن تدفن سرها . فماذا ستقول لذلك الأب وقد وهن العظم منه؟ وهل تطلب الطلاق بعد ليلة واحدةقضتها مع زوجها؟ وتلك السيوف البطّارة والألسنة النهّاشة كيف ستواجهها؟لقد تعلمت أن تقبر رغباتها. حسب الناس منها أنها الدكتورة السيدة ساجدة. وحسبها أنها ليست سوى ممرضة.. آنسة.. عانس خضعت للأعراف. غيمتها لن تمطر. وأرضها جدباء لن تزهر.
نظرت  لبعلها وقد أخذه النعاس. فسحبت يدها من شعره. سارت نحو الشرفة  تأملت نقوش البلور بخطوطه المنحنية والمنكسرة. ولأول مرة انتبهت أن الخطوط ماهي إلا رحلة عرسها وعمرهامع الفرح ما إن بدأت في الارتفاع حتى انحنت وانكسرت..  أسدلت الستار وغرقت من جديد في الظلام. تدندن في سرها  أغنية أرقصتها نهايتها يوما وأبكاها مطلعها دهرا...
أيظن أني لعبة بين يديه...؟ .

*****************************************
2-
بوح أريج
كانت الغيمات شاردة في هذا الصباح تمخض عباب السماء وتحجب في تحد بريق الشمس. جلست البنت في المقعد الأمامي كعادتها. وأرسلت بصرها ترقب المشهد وقد تجهم وجهها.
      لقد خشيت أن تفسد رحلتها بسبب أوضاع الطقس.
_ مالك شاردة على غير عادتك؟
تفاجأت الصغيرة. واستدارت جزعة وقد اهتزت جدائلها المعقودة بشريط أحمر. رسمت ابتسامة باهتة على وجهها البريء وأجابت معلمها بسذاجة:
_ السماء ستمطر يا سيدي.
تهلل وجه المعلم فداعب شعرها وهو يردد:
_ صاحبة البشائر أنت. الحمد لله. أمطار الربيع ذهب خالص.
باغتها جوابه. همت أن تعترض.. أن تخبره أن الأمطار قد تفسد رحلتها. لكنها صمتت. وعادت للدرس بعد أن أشركها المعلم في النقاش. كان يرفع صورة رسمها بريشته تجمع الصرار باكيا والنملة متنمّرة  أمام مسكنها تحمي قمحها وترفع سبابة الرفض في وجهه  . حمي النقاش بين أريج  و  أصحابها. استأسدت في الدفاع عن رأيها كانت ترفض الخمول. وتؤيد النملة. لابد من العمل لننعم بلذة الراحة. ولابد أن نعاقب الكسول. أمارفاقها فقد رقّت قلوبهم  لمصير الصرار في هذا الشتاء البارد. عبثا حاول المعلم أن يقنعها أن الغناء  ضرورة للحياة. لكن حججه تكسرت على جدار عنادها...رن الجرس فغادر الجميع إلا أريج. فقد ناداها المعلم. ودسّ  في يدها قطعة من الحلوى. وابتسم في وجهها قائلا:
-تروقني أفكارك ستكونين محامية أو أديبة.
نظرت في عينيه المتوهجتين. وبادلته الابتسام والمحبة. واختطفت قطعة الحلوى. وخرجت تعدو خوف أن تتأخر عن موعدالسفر. إن العائلة ستغادر  إلى الريف لحضور زفاف أحد الأقارب. أدركت العائلة. وسافرت معها. وأمضت ثلاثة أيام تلهو  ترقص وتغني و كأن الدنيا تفتح لها أبواب الطوبى. مضت الأيام سريعا...وحل موعد الدرس. دلفت البنت بنزق إلى القاعة مزهوة بثوبها الجديد. واقتعدت في مكانها. وأخرجت أقلامها وكراساتها. وبغتة نزل عليها سؤال المعلم نزول الصاعقة :
_أين اختفيت يا أريج؟ لقد تركت فراغا كبيرا في غيابك. تلكأت في الإجابة وتاهت الحروف على شفتيها . وشردت عنها المفردات . ماذا ستقول؟ لقد كانت تلعب و ترقص وتغني وأصحابها يعملون! أليس هذا ماكان يفعله الصرار؟ أليس هذا مناقضا لموقفها الذي أبهر معلمها؟فجأة اكتشفت هول ما فعلت. وكان لابد لها مخرج.
- لقد كنت مريضة بالحمى فلازمت الفراش.
لاتعرف ألى اليوم كيف نطقت تلك الجملة. ولاتصدق أنها كذبت على معلمها. أي حماقة ارتكبت؟ أكيد سيكتشف أمرها. وستفقد احترامه. ولكن شيئا من ذلك لم يحصل. لطالما تمنت لو أن الأسوأ حصل يومها. ولكن كيف لأصحاب القلوب الرحيمة أن يشككوا في براءة الطفولة. لقدصدق المعلم الطيب قصة أريج. وارتسم الجزع على محياه. واتسعت حدقتا عينيه. وسارع يمرر يده بكل ما في العالم من حنوّ  على جبينها يتفقد حرارتها. حتى إذا اطمأن سحب يده اليمنى وربّت بها على على كتفيها. أما يده اليسرى فقد امتدت إلى الضفيرتين تشاكسهما. مضت الحصة ثقيلة على غير العادة. كان السيد محمد يرقب فيها أريج. لم تغفلها عيناه لحظة. كان يخشى أن يعاودها المرض. لقد لامها على حضورها. وقبل الخروج رجاها أن ترتاح ولأن الامتحانات على الأبواب طمأنها أنه سيزورهاوسيفسر لها ما فاتها من درس. لم تضحك كعادتها. اصفر وجهها. وتفصد العرق من جبينها. لقد كان عذب كلامه سكينا يمزق أوصالها. أي كائن هذا؟إنها تعرف رقته وحبه لتلاميذه. وتدرك عشق الصغار له. لكنها أبدا لم تتوقعه على هذه الدرجة من الطيبة وحسن السجية. وكأنها تعيد اكتشافه من جديد. وبقدر ما تلمس فيه من طهر ونقاء تقف على فظاعة وفداحة جرمها في حقه. عبثا حاولت في الأيام الموالية الهروب من عينيه. كان كالحارس الأمين كلما ابتعدت عنه اقترب منها. وأخيرا قررت أن تعترف له علها تتخفف من وزر خطيئتها. لكنها لم تجد القوة لتفعل. مر أسبوع وحل موعد الامتحانات. فانشغلت بفروضها ولكنها لم تشغلها عن فكرة الاعتراف. أعلنت النتائج وكانت كعادتها من المتميزين. ولم تستطع يوم الحفل المدرسي الهروب من عيني ملاكها. فقد حرص أن يسلمها جائزتها بيديه. ولم ينس أن يهمس في أذنها سائلا عن صحتها متمنيا سلامتها. مرة أخرى تذبحها سجيته. ويقتلها زيفها. عادت إلى المنزل تجر قدميها جرا. لم يفهم أهلها سر حزنها. ثم شغلتهم الفرحة بالجائزة. فانشغلوا عنها. وكان لابد لعذابها من نهاية. لقد قررت أن تكتب لمعلمها رسالة اعتذار تكشف له فيها الحقيقة وتعتذر منه وتطلب صفحه. وهو لابد أن يغفر زلتها. فقلبه كما خبرته أرحب من طيشها وأرق من جَرحها. أمضت صيفها تنضد  الكلام وتنمقه. وتخطه في رسالتها. ثم زانتها بأزهى الألوان وأشذى الورود وأرق القلوب. وسكبت عليها عطرا فواحا. ولما اطمأنت للنتيجة التي وصلت لهاوأبهرتها رسالتها طوتها وخبأتها في دفاترها. فلم يبق من العطلة إلا أيام قلائل.
أزف أوان العودة فكانت أول من حضر للمدرسة. راجعت رسالتها. ثم دستها بين الأوراق. ووقفت تتفقد المربين لعلها تلمح من شغل خاطرها. لم تبرح عيناها قاعة الصف الأول. لكن سيدها الجديد حضر أولا وأمرهم بالدخول كانت كمن يجلس فوق فوهة بركان.لم تستلذ عودتها. ولم تتفيأ  أنس الرفاق والصحاب كعادتها. الوقت يمر بطيئا. أي امتحان هذا؟أكيد سيقرأ اعترافها وسيسامحها. لن تسامح نفسها قبل أن يفعل. لم ترتح يومها لمرأى معلمها الجديد سي فتحي ماله واجم كأنه يحمل أوزارا؟ أين هو من سي محمد  الضحوك الرقيق الفنان المرح الحركي. كان كالنحلة لايهدأ ولايرتاح. لكم شدها وهي تلاحقه بعينيها. لكن ماذا يحصل اليوم؟ لم لاينطق معلمها الجديد؟ الحمد لله هاهو يقف..يفرك يديه.. يحدق فيهم.. في السقف.. يهم بالكلام ولا يتكلم. الأبصار مشرئبة تروم أن تكتشف هذا المجهول. أخيرا استجمع حروفه وكون جملة غير مفيدة.. جملة لن تنساها.. لقد أصيب سيدكم محمد في حادث مرور  ومات. أي قدر أحمق هذا الذي يختار فيه عزرائيل من البشر أخيرهم وأطيبهم. أيموت على سجيته؟ ألن يقرأ اعتذاري؟ لا يارب لا تأخذه قبل أن أراه. صاحت أريج صيحة هزت أركان المدرسة. هرعت على غير هدى إلى الساحة تتصفح الوجوه. تبحث عن وجه ألفته. تناهى إلى سمعها نحيب أصحابها. جنت المسكينة. كانت تجرى وتدور وتصرخ ليس الآن.. ليس قبل أن أعتذر وتقبل اعتذاري. حاول الجميع تهدئتها ولكنها لم تهدأ.. أعادوها إلى بيتها. لا أحد أدرك سرها وفهم حالها. أمضت أياما لم تبرح فيها غرفتها. كانت تتفقد رسالتها كل ليلة. وبعد أن ينام الجميع تفردها أمامها وتغرق في بحر دموعها. وبعد أسبوع قررت العودة. رن الجرس. فدخل التلاميذ إلا أريج. كانت خطاها تقودها إلى المقبرة ويداها تتفقد رسالة الاعتذار. اليوم ستقرؤها له.  "سيدي محمد أحبك كثيرا. أرجوك. سامحني. لقدأخطأت في حقك. واستغللت طيبتك وسذاجتك. فقد كنت تصدقنا دائما. وصدقت مرضي. أنا كذبت عليك لقد حضرت حفل زفاف. ولكنني  ندمت. والله العظيم ندمت لن أكرر  هذا الفعل الشنيع مرة أخرى. فهل سامحتني؟ سيدي لقد صرت أحب في الصرار فنّه .. سيدي أعدك سأعمل كالنملة وسأكون محامية أو أديبة كما توقعت  فهل سامحتني؟ فأنا أحبك وأنت بحسن سجيتك أهل لكل حب؟" ترجحت من مقلتيها دموع رقراقةبللت الورقة. فطوتها بيدين مرتعشتين وأسكنتها القبر. وغمرتها بالتراب. ثم غادت وهي تردد" اليوم قرأت لك الرسالة ويوم الحساب سأعرف جوابك" امتدت يدها تكفكف دمعها. وسارت حتى توارى طيفها.

************************************************
3-
تفاصيل الفرح
      يوم واحد مازال يفصل أحمد عن يوم العيد. يوم واحد يمر عليه بطعم العلقم فرب العمل لم يطلق سراحه دون سائر العمال. هكذا نحن دوما نعاقب المجدّ . أيّ  عدالة هذه يُكره فيها شاب على ترك أمه يوم العيد.
أخيرا حضر السيد فؤاد إلى موقع العمل. عاين الأشغال. وندّت عنه ابتسامة عريضة كشفت ما في فيه من درر صفراء وبيضاء وفضية. لقد حوّل فمه  مصاغة. وكلما ضحك أوتضاحك فلهدف واحد أن يبهر محدثه بماله وجاهه.
_أحسنت يا أحمد لم تخيب ظني لما اخترتك.يلزمك يومان وتنهي العمل.
ابتأس الشاب. وكسا الهم وجهه. يومان؟ ألا يعلم رب العمل أن العيد غدا؟ لاحل له إذا ليرى أمه إلا أن يصل ليله بنهاره لعله يكمل مهمته.
_سيدي إذا أنهيت عملي قبل الأوان هل تتعهد بإيصالي إلى قريتي
باغت السؤال رب العمل. فحملق في وجه أحمد غير مصدق
_أجاد أنت فيم تقول؟ العيد غدا.!!! هيا يا بني وفقك الله أستودعك الآن. نلتقي بعد يومين. ومد يده إلى جيبه وسحب منه ظرفا مكتنزا.
_ألفا دينار لك أجرتك ومعها مكافأة العيد.
مد أحمد يده وتسلم المظروف وفي القلب إحساس بالقهر فاق الاحتمال. أي أموال تساوي لوعة أم لم توشح عينيها برؤية بكرها؟ وأي مكافأة تنسي ابنا حضنا تاق لدفئه ودعاء هفت أذنه لسماعه.
وقفت الأم مطلع الطريق تتفقد الخيالات القادمة وتتفحصها. هذا أقصر من أحمد. وذاك أسمن وأشد سمرة. أما الآخر فشعره مجعد شتان بينه وبين حبيبي ذي الشعر الناعم الأملس. لطالما تغامزت بنات الحي وتهامسن وتضاحكن للفت نظره وركوعا  أمام فتنته.
نشر الليل رداءه على حقول الزيتون الممتدة فزادها سوادا. لا أمل للأم في رجوع ابنها. فالطرق الترابية وعرة موحشة. والنقل الريفي لايزور البوادي ليلا. فماذا إذا كانت ليلة العيد خفضت الأم بصرها. وأدبرت متثاقلة الخطى إلى الحوش الكبير. بدا لها باردا ساكنا لاطعم للفرح فيه.تسمرت أمام الباب رغم لسعات البرد التي تجلدها. لاشيء ينبئ أنها ليلة عيد.نادى العم صالح زوجته ليتفقدا الخروف سوية. لكنها امتنعت. عن أي خروف يتحدث؟ والله لن تطعم منه قطعة قبل أحمد. اشتدت وطأة البرد وأنذرت السماء بغضب قادم. يا سماء العيد إذا الغيث همى. التحق الابن الأصغر سامي بأمه  وقد نهشت الغيرة قلبه
_ألا يحلو لك العيد إلا إذا حضر أحمد؟ ألا نستطيع سد الفراغ؟ ألا يمكن أن تستغني عنه؟
نظرت له والألم يعتصر قلبها :
_بلى أستطيع. هات السكين وتعال
قفز الابن وبسرعة البرق مد لها السكين.
_ ابسط يديك واختر من أصابعك العشرة واحدا أقطعه.
سحب سامي يده كمن أصابته صعقة نظر مشدوها غير مصدق طلب أمه.
_ لا أستطيع يا أمي أن أستغني على واحد منها.
دققت فيه النظر وأرسلت ابتسامة لاروح فيها وهي تزيل ماعلق بخاطر ابنها من حيرة
_مالك؟ اعتقدت أنني جننت؟ لاوالله. إنما المحير هو أمرك لك عشرة أصابع ولاتستطيع التخلي عن  واحد منها. ولي ابنان فقط وتريدني أن أتنازل عن أحدهما. حبيبي أنت عيني اليمنى وهو عيني اليسرى. أنت الروح وهو العقل. أنت البصر وهو البصيرة. أنت يومي وهو غدي. وغمرته في حضنها تداري دمعا سال منها. استكان سامي وبكى.
_سامحيني يا أمي. لم أقصد ما فهمت. أنا أحبكما وخشيت أن يتمكن البرد منك وتعاودك نوبات الربو
لا تعرف الأم أن سامي كان ينتظر أوبة أحمد أكثر منها. لقد اشتاق لشغبه وأحاديثه ونوادره. وانتظر هداياه ولعبه. ومن غيره سيشتري لسامي لباس العيد وحلوى العيد و كسوة العيد التي تعود أن يفاخر بها أبناء العم وأطفال الجيران. لم تنتبه أمه أنه لم يخرج اليوم للعب كعادته خوف أن يُسأل عن ثوبه الجديد. مرت الليلة طويلة كئيبة لاتشبه ليالي الأعياد الصاخبة الدافئة بأنس أهلها وحرارة لقاءاتهم.
كان أحمد يقلّب أمره. لقد استمات في العمل وحمّس عماله ليضاعفوا جهودهم وينتهوا من العمل. وأخيرا انتهت الأشغال. فتعانق الجميع وسارعوا للمغادرة. لم يبق غير أحمد. هو المسؤول لايستطيع ترك الموقع. ولانقل يمكن أن يوصله في هذه الليلة المدلهمة. رفع رأسه للسماء فبللت يديه بدموعها. لقد قاسمته وجعه ووحشته في هذا الخلاء القفار.
مع تباشير الصبح ارتفع صوت المصلين:الله أكبر الله أكبرالله أكبر ولا إله إلا الله...لم يمض وقت طويل حتى عاد المصلون إلى ديارهم وتجمعوا في بطحاء الحي يتبادلون التهاني. وانتشرت رائحة البخور وعلا ثغاء الأغنام  وصياح الصبية يتدافعون في كل الاتجاهات. الكل سعيد إلا عائلة واحدة كانت تمثل مشهد السعادة بعد أن دب اليأس إلى قلوب أفرادها.
خرج سامي وأمه مثقلي الخطوات لمعايدة الجيران و لكن من هذا الفتى الوسيم اليافع الذي غمره الجميع بحبهم وقبلهم. لا لا يمكن أن يكون هو. أليس أحمد؟ بلى إنه هو بشحمه ولحمه. لقد أشفقت السماء على حاله فقيض الله داعيا ساق السيد فؤاد لتفقد الأشغال. فتحين أحمد الفرصة وتمسك بحقه في زيارة أهله. ولما رُفض مطلبه أعلن استقالته وأعاد المكافأة لمشغله وهو يردد  لا مال في الدنيا يغنيني عن حضن أمي ودعوات أبي وفرحة أخي. وهكذا رمى نفسه في أول عربة توقفت في الطريق  وأشفق سائقها على حاله لقد أمضى ليله من سيارة لأخرى حتى اقترب من المسلك الترابي بعد الثالثة فجرا عندها عندما يئست العائلة ودخلت لتنام خرج هو من آخر عربة يواجه قدره  وسار وحيدا تحت وابل المطر لا أحد غيره كان يعرف العذاب الذي لاقاه وهو يسير في سواد الليل مبللا وساقاه تحملان من الطين أثقالا وحفيف الأوراق يصيبه بالرعب. كان يتلو في سره آيات من القرآن. كمن يستجير بربه من هول المصير. أليس الله الذي أوصاه بالوالدين إحسانا . وهاهو يطبق شرع ربه وهل بعد ما فعل إحسان.  أمضى أكثر من ثلاث ساعات يصارع الطريق الوعر حتى وصل المسجد وصلى مع الأهالي صلاة العيد.
اندفع سامي يجري حافيا وخلفه أمه عارية الرأس. افتكاه من الجمع الغفير وأشبعاه عناقا وقبلا  وأطلقت الأم الزغاريد. وسارعت تغير لابنها ملابسه المبللة. لم ينس أحمد الحلوى ولا اللعب ولاالملابس الجديدة. لقد أغرق عائلته هدايا ولم يدخر لنفسه فلسا. لقد كال لأسرته من السعادة ألوانا وأشكالا.  وأخفى عنها خبر بطالته وما ينتظره من مآل غامض. ففي سبيل بارقة فرح في عيون أهله تهون كل مآسيه. أما سامي فكانت عيناه ترقبان أخاه بحنو ولايعرف لم ولأول مرة لم يشعر بالغيرة بل كان قلبه يفيض حبا ويذوب حنانا.

***********************************************

نصوص ابدعت الأديبة في طرح افكارها بأسلوبها المتميز  وجعلت القاريء يصل إلى نهاية النص بسلاسة واقتدار 
دام التألق والابداع اديبتنا المتألقة 
بالتوفيق  الدائم أن شاء الله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم