محطة مختلفة - قراءة نقدية بقلم الأديبة الناقدة /بسمة الحاج يحيى - تونس

بقلم الاديبة الناقدة/ بسمة الحاج يحيى- تونس 




محطة مختلفة - قصة قصيرة بقلم 
الأديب/ كمال السالمي 


نعلم جميعا أن القراءة النقدية عملية قراءة نشطة وأعمق وأكثر تعقيدًا في التعامل مع النصوص  و هى عملية تحليل وتفسير لخبايا النصوص وإظهار مواطن القوة والجمال وكذلك مواطن الضعف في النص ليستفيد منه الكاتب والقاريء
وهكذا يكون النقد مهما للكاتب والقاريء
المهم أن يكون النقد بناء ويساعد الجميع بنظرة فاحصة عميقة راقية للنص
وأن يتقبل الكاتب وجهة نظر الناقد بصدر رحب ..
وليس كل من يقرأ عن ملامح النص يكون ناقدا، عديد من الأدباء يدخلون إلى النصوص بغرض عمل قراءة ، فيخرج من النص مهرولا، هاربا من هذا المستوى الراقي الذي لم يجد إليه مدخلا أو منه مخرجا، وهنا يبدأ في رحلته مع هدم النص من أساسه، ومحاولة اقتلاع الأديب من جذوره، 
أما والحمد لله لدينا أيضا الأدباء النقاد أصحاب الخبرة الواسعة والدراية اللامعة، والتذوق الواضح للنصوص التي يقومون بعمل قراءة لها ، ويستمتع القاريء بقراءته لهذا التحليل والتقييم كمتعته بقراءة النص أو أكثر فهو يغوص مع الأديب الناقد في أعماق النص مستكشفا لمجال وزمان ومكان ومقصد وفكرة لم تخطر بباله.. 
إلى القراءة الجميلة في هذا النص   *************************
بالبداية،
العنوان؛  محطة مختلفة
العنوان من كلمتين؛ "محطة" و "مختلفة"؛ هي الحياة و الموت..
لفظان مختلفان، متضادان،،
و المفارقة بدأت منذ العتبات الأولى، انطلاقا من العنوان. فالمحطة، حسب زعم الراوي أو البطل بالقصة تشير إلى مكان على سطح الأرض، اي بالحياة. في حين نتبين بآخر النص، ان المحطة ما هي بمحطة على السطح منها، بل هي بجوفها، لتصير المرادفة إيحاءََ الى الموت.. و يكون بالتالي موقعها قبرا يضم المسافر الذي وجد نفسه بمسار لم يدرك نهايته و لا تعرّف على مساره أثناء رحلته..

و محطات الحياة متعددة و متنوعة بينما محطة الممات وحيدة و متشابهة للجميع. هي مَحطة مختلفة بكل المقاييس، لا تشبه كل المحطات رغم تنوعها..

وهي محطة مختلفة حقا، ما دامت الإشارات تحيلنا منذ البداية إلى ضبابية المعنى ، بين محطة بالحياة و أخرى بالممات.. و الحياة و الموت في تناغم دائم، متلاصقان، متحاذيان، يحملان جسد الإنسان، يداعبانه بين متع الحياة و بين حتمية الموت.. يحمل الإنسان عبرها، أقلامه، أشياءه، تفاصيله و بصمة تتبعه حتى توصله مستقره بينهما..
ا================

عتبات النص الأولى؛
افتتح القاص نص٦ه بسؤالين؛
اي رحلة هذه؟
إلى أين أنا ذاهب؟
سؤالان فلسفيان، اذا لم نركز على نهاية القصة و ما سيؤول اليه مصير البطل. و الثنائية لا تزال تفرض سياقها بإلحاح؛ فالسؤال الأول؛ ".. أي رحلة هذه؟" بالأصل هو سؤال عن كينونة الوجود؛ فأين البطل من هذه المعضلة؟ ، معضلة المكان و الزمان؛ الحياة أو الموت، فهل بطلنا بالحياة بزمن واقع؟ أم تراه انتقل إلى حياة أخرى، بزمن لم نقبض عليه بعد؟
يليه السؤال الثاني؛ "إلى أين أنا ذاهب؟"؛ إشارة إلى مكانين؛ الأول حيث المحطة التي يتواجد بها، و المكان الثاني إلى حيث سوف يصل.. و من هنا نكتشف ان السائل لم يع بعد مكان وجوده، لم يع ان مكان المحطة هو نفسه مكان الوصول او نهاية الطريق التي يسلكها بسفره.. إذا، هي ضبابية في الإدراك تبرر تساؤل البطل.
و السؤالان يعيداننا إلى نقيضهما بالتساؤلات التالية؛
"جئت، لا أعلم من أين،
و لكني أتيت،
و سأبقى سائرا ان شئت هذا ام أبيتُ
كيف جئت؟
كيف أبصرت طريقي؟
كيف؟
لست ادري"
لكن يلتقي السؤالان في نفس المصير ونفس التمشي، فكلاهما يسير إلى قدره دون دراية أو فهم.
و الإنسان مفكر بطبعه، فلكل معضلة يرسم الأسئلة و يكثر من التساؤلات ليبقى في صيرورة دائمة لمعرفة كنه الحياة، و معرفة مصيره الحياتيّ،،
ا=============
🌹🌹
البطل بسفرة لكنها بطيئة، يشعر بثقل الزمن، لكن الغريب انه مستلق على ظهره، فعين تعانق السماء و جسد يلاحق شريطا، هو طريق يسلكها، ليجد نفسه مضطربا، تارة يود الوصول، و طورا يفكر بحبيبة، يفكر بنشوة تجمعه بها، ليلتحم جسداهما، و هنا تبدو ضرورة الصاحب المرافق للإنسان، فالحياة مهما كانت حاجة الإنسان إلى الوحدة و الإختلاء بنفسه إلا انه بحاجة لروح توأم تسانده، تآزره، تبعد عنه هواجس و آلام مضنية،...
توقفت الحافلة، لتتوقف سفرته، و دموع و حنان أكفّ تلامس جسده و ضوضاء سرعان ما انطفأت ليخلو المكان إلّا منه. بقى وحيدا، غريبا،. و لايزال التوتر يلاحقه، فإضافة إلى خلوّ المحطة من المسافرين و المصاحبين له قبل نيف قليل من الزمن، فقد كان المكان غارقا بالظلام، سابحا بالقتامة، دون منفذ للنور أو لإطلالة للحياة خارجا عبره. الغموض يلف روحه و يقطع الصّمت حوله...
ا=================

لا يزال بطلنا يهذي، أو هي تساؤلات عن كينونة المكان و الزمان.. ليجد نفسه قد تجرد من بعض تفاصيله التي تشعره بكينونته أو بمعنى حياته، فلا هاتفه الجوال بسترته موجود ليسعفه باتصال يعيد إليه توازنه، و لا سترته تشبه سترته اليومية حيث لا جيب يؤثث نسيج خيوطها ليضمّ نقودا قد تسعفه بم يمكنه من التنقل من هذه المحطة الضيقة، المختنقة، الخالية.. ، ثم هذا الثقل يجثم على صدره فيعيقه عن مواصلة الطريق..
شعر بإنسانيته اختصرت في حجم طفل صغير لا يقدر على التنقل و لا استدراك ما خفي عنه، بل هو كطفل تاه عن حضن والدته، ليضغط عليه الفضاء مجددا فيتأكد أنه لم يبرح قطّ حضن أمه،. فهذه الأرض تطبق عليه بحنوّ، لتذكّره أن لا أمّ له بعد أمومتها بهذه المحطة الغريبة.. فيهدأ، ينظر حوله بالعتمة، يتجلّى له، من خلال عتمة صدر والدته(الأرض)، أنه لم يكن ابدا وحيدا، بل هو محاط بمسافرين كثر ملاصقين له، مراقبين لتحركاته، متابعين لغفلته و لتوهانه حتى بدا مثل جرم سابح بالفضاء، ضائع لم يدر بعد أين مستقرّه..
تلكزه إياد أسفل قدمه، تداعبه أكفّ قريبة منه او هي نتوءات عضام تلفحه ببرودتها..
أين المفر؟ أين المفر أيها الإنسان و قد كنت للتو ترجو خلوة تريح عبرها نفسك المتعبة، و فنجان قهوة يدفئ معدتك و رائحة سيجارة تهديك نفسا يعيدك إلى نفَس معشوقة سحبت جسدك نحو متعة شبقية أخذتك معها إلى حدود السماء حيث تعانقتما، وطئتما سطح القمر سويا، عبثتما بالنجمات، قهقهتما عاليا،... ثم تنطفئ شعلة سيجارتك، يتبخر دخانها كما تتبخر أحلامك بضمّة تشتهيها و انت مستلق، تنظر إلى السماء، لكن أي سماء هذه التي أخذتك بمتاهة حتى أضعت بصمتك و بصمة أرض ضمّتك إليها في حنوّ و عشق لم تنتظره و لم تتوقعه،،
لم تغازلها قبلا كما غازلت حبيبتك، و مع ذلك استدرجتك الأرض لتضعك داخل قلبها، أحكمت على جسدك الخناق و أوصدت كل النوافذ التي قد تتسرب عبرها أفكارك و أهواؤك،..
فهلّا كففت عن التفكير؟ و هلّا توقفت عن طرح الأسئلة؟ هلّا انسلخت عن جلد انسانيتك؟ هلّا انفصلت عن أحاسيسك البشرية و متعة و شهوة لا تزال تلاحقك؟
ا===============

البطل لم يكفّ عن التساؤل بهلع، لما أفاده من كان أكثر منه حكمة او حنكة بالمكان، على إثر سؤاله ثم رغبته الملحّة في الانعتاق من مأزق المكان الغريب، و رغبة في العودة إلى الوراء لمّا أقرّ؛
"خرجت لأجد الحافلة،،،"
هو السفر، أمر محتوم على الإنسان ، لا ينفكّ يسير بطريق الحياة.. البعض يدرك مساره و البعض لايزال يبحث له عن مصير غامض و نهاية ظن نفسه أتقن رسم مساره إليها،...
غير أنّ بطلنا، لم يوقف سيره العشوائي و المهتز، سوى ذاك السؤال الذي ألقي بوجهه كحجر كشف له كنه وجوده، و أبعد الغموض عن خطّ حياته،.. تلقّى الحجر ببهتة أعادته لوعيه، أو أجبرته على التخلي عن وعيه، ليلتحق بمن سبقوه و يريح رأسه من عناء التفكير، و يتبع مسارا لن يكون هو من يرسم ثناياه هذه المرة.
".. لم خرجت من غرفتك يا بني؟"
فالخروج ما عاد مسموحا و لا عاد بإرادة منه.. هو فقط اكمل مشوار عمله و اكمل واجبه كإنسان مفكر.. ، لكن هل تراه أتقن دوره بتفكير إنساني وضعه الخالق فيه ليكون خليفته على الأرض؟ هل تراه أتقن دوره كمفكر و كإنسان على تلك البسيطة التي حملته سنين طويلة حتى استدرجته برحلة غريبة لتوقعه بشراكها أخيرا، و تضمّه بحضنها ضمّتها الأخيرة، ثم تحضنه بعنف أكثر و أكثر تطبق عليه حتى لا يكاد يدرك أنها ملاذه الأخير و أنها مصيره المحتوم؟

فأي برزخ هذا الذي يشده اليه؟ يحاول التشبث بصاحبه، يسأله إن كان بمقدوره أن يساعده على المغادرة و الرجوع إلى الوراء وترك هذه المحطة القاتمة،.. يحاوره كأمل قد يعيده لسيرته الأولى،.. لكن عبثا يحاول.. هو نزيل جديد بالمحطة، و للمحطة بنودها؛ فلا العودة أو المغادرة ممكنة، و لا فائدة من المحاولة، فالمراحل اللاحقة واضحة و بانتظاره.. ، أو ربما هو امتحان قد ينجو عبره أو عتبة يمرّ على إثرها إلى مستقرّ قد يريحه،.. أو قد لا يسعفه إدراكه ليجيز القول بما يشرح الصدر، و يعتق الروح من بوتقة جزعها.. و قد يخيب حين يجيب سؤال زائريْه، كما قد يفلح في جرّ نفسه إلى مراتب العلا فيعفيها من سين حادة و جيم غير موغلة بالهناء،،
سيزوره حارسا المحطة، أو هما الملكان كما اخبره ذو الحكمة و الحنكة فأثناه عن محاولة المغادرة أو الانعتاق، في يأس و خضوع دون أدنى إرادة إضافية، للهروب.. ،
ا===========
🌹🌹🌹
فلنا أن نتساءل بدورنا؛ عن مفردة "الهروب"
لم اختار البطل الهروب؟ لم لم تغره المغامرة ليواصل و يتمادى ليكتشف؟ أليست الحياة مغامرة؟ فلتكن كذلك محطته الغامضة مغامرة.
أهو الموت ضخم لدرجة تقشعرّ لها الأجساد؟
ام هو التعلق بالحياة كأن الإنسان ما عاش و لا استطعم ملاذ العيش؟
الراوي لم يذكر لنا اي ملاذ بحياة هذا المسافر، و لم يصف ملذات مغرية، لم يعرّج نحو أي ذكرى تجعل المسافر يحنّ إلى الحياة و يتوق للعودة إليها،.. بل على العكس، كان متذمرا، يرجو الإختلاء بنفسه بعيدا عن ضوضاء البشر وازدحامهم، إلا من حبيبة تملأ فراغ سفرته. بل اكثر من ذلك، أبدى تذمّره من أعباء الحياة، فقد كان فرحا منتشيا لتوغله بسفرة عانق خلالها السماء لما كان على متن الحافلة و ابتعد عن صخب الازدحام، كما ابتعد عن سقف مقيت يحجب عنه معانقة صار ينشدها. رغم ارتباكه بين معانقة السماء و معانقة معشوقته..

و هذا الارتباك غيّر مزاجه؛ من رغبة في ممارسة الحب و ما تخالجه من مشاعر رغم أنف الحاضرين بتلك المحطة معه، و الذين لم يعد يهمه إن سخروا منه او ضحكوا و استهزأوا لفعله، إلى مشاعر مغايرة؛ هي خوف و رهبة فقد "ضجّت المحطة بأصوات مخيفة" كما أنه صار منزعجا من تلك "النظرات الغريبة التي تحاصره" حتى تلك "القهقهات العالية" فقد "اقتحمت مسامعه"..
تلوث سمعه فغرقت نفسه بجزع رهيب، لكن ما ضاعف مخاوفه لما تجاوز هلعه حدود السمع لينتقل إلى حالة أشد لمّا صارت تجاوزات المسافرين حذوه اكثر إيلاما لنفسه فزادتها جزعا فوق جزع.. فـ"لمسات تدغدغ قدمي"كما أشار، و تلك "يد عجوز نحيلة غارت عيناها"... ثم بلغ منه الهلع أقصاه لما "صارت الأيدي تلمس قدمه" بل و "تتحسس ركبته لمسات باردة".. حتى أخيرا أفقدته "قرقعة عظام الأكفّ" على ساقيه هدوءا كان يفتعله، فانطلق، لكن لم ينطلق هروبا من مصيره، من موته الحتميّ، بعد أن شبع موتا بكل تلك التفاصيل و ما وصفه آنفا؛ من عينين غائرتين، عظام باردة مست ركبتيه إلى قرقعة العظام تحرك سمعه ليعلم أنه" ميت" و لا مفرّ له من ذلك و أنه بتفاصيل الموت مشبع، فلا ناصر له اليوم و قد خطا مساره كما ودّعه حاملوه و مشيّعوه إلى ذاك الجب الضيق بعدما ألبسوه رداء نسيجه لا يحمل ثقوبا و لا جيوبا تحمله إلى خلوات او هروب.. فلا مسعف له اليوم من تقبل مصيره و من الإذعان لخط محطته النهائية..
مجاوره و محاوره يعاتبه؛ " لم غادرت غرفتك يا بنيّ؟"
انتهى المسار بعتاب، لكنه عتاب في شكل سؤال.. اذن، خواتم النص مثل العتبات، ارتكزت الخاتمة على الأسئلة، و سؤال يجرّ خلفه سؤال... ؛
"لم خرجت من غرفتك؟"
"ألم يخبروك أنه لا سبيل للعودة؟"
فكان السؤالان بمثابة قرار آخر الجلسة او هو بداية المحاكمة؛ فـكأن المسافر، ذاك المستلقي غافلا، جاهلا للمصير الذي سلكه و لم يتفطن إليه بعد، ممنوع من المغادرة و ممنوع من العودة، و هل عاد السابقون ؟هل عاد الأولون ؟
فـالأموات ابدا لا يعودون.
انبرى المسافر يتساءل بدوره؛
" و متى هذه الصيحة؟"
"هل هي في الصباح؟ هل هي بعد يوم؟"
ثم، في بهتة و استسلام؛ "- ملكان..! هل تعني....؟" استسلم أخيرا لمصيره، تقبل حتمية موته،..
فنسأل بدلا عنه؛
أمضى حياته في قلق، ما انفك يسأل و يتساءل، هاربا من إزعاجات الحياة.. ليجد نفسه قد انتقل الى عالم مغاير، محطة مختلفة، موت بصريح تفاصيله لم يمنعه من مواصلة التفكير و التساؤل..، فهل حياة الإنسان مثل موته، سؤال يجر خلفه سؤال و قلق يحمل بعبئه قلق و جزع يحمل بطياته مخاوف و أحزان؟
فنراه و قد طأطأ رأسه، يأسا أم خضوعا؟ أم تراه عزاءه لروحه غادرته و لم تسعفه حينا ليتساءل و يفكر و يقرر؟ لم تمهله حينا ليختار مصيره عن طواعية؟
ا==============
نهاية السفرة؛
غير أن النص لم ينته بتساؤلات كما هي بالظاهر تبدو قد طرزت خواتيمه، فعلى العكس من ذلك، فقد انتهت بكلمة "ميت"
لتقرر المفردة "ميت" مصير المسافر، و لتكون الحكم الذي سيجبره على الإذعان دون مزيد أسئلة.
بل إن التساؤلات النهائية أو الأخيرة أظهرت عجز الإثنين؛ المسافر و كذلك محاوره صاحب الحنكة و الخبرة، فقد عجزا رغم إعمال الفكر بالنسبة للبطل و رغم الخبرة بالنسبة لمن سبق، عجزا عجزا تاما عن معرفة الجواب؛ متى؟ بخصوص يوم الجمع، عند الصيحة الكبرى..
يبقى الموت مجهولا، غامضا، رغم جرأة الكاتب التي أوعزت له وفسه أن يتحدى بنود سفرة مختلفة، ليخوض غمارها، فاتبعنا خطاه و سرنا خلفه، نقتفي أثر مسافر حملته حافلة و ألقته بجب ضيق. ألقينا نظرة فضولية علّنا نكشف سرا و غموضا طالا سنينا، لكننا عدنا و تركناه يعالج أمره بمفرده،.. عدنا ليغشانا السؤال مثلما أثقل كاهله، فمتى؟ متى تكون الصيحة؟ و متى نستفيق من سبات حيواتنا؟ و متى يمكننا أن نجعل نهايتنا مختلفة؟
ا==============

* تطرق إلى بعض مفردات الرصيد اللغوي المستعمل.

مسافر بين عالمين؛
عالم الحياة و عالم الموت..
 اتخذ الكاتب موقف الحياد أثناء تعامله مع العالمين و كذا أثناء احتكاكه بالمرافقين له من العالمين المذكورين.. كان محايدا لما دعا بطله ليصف النا المكانين ، ثم لما وصف لنا مشاعره من خلال تواجده الفعلي بينهما، بين المكانين ..
كما استعمل رصيدا لغويا ساعده على التنقل من المكان الأول إلى المكان الثاني أو من الحياة إلى الموت. هو بمحطة؛ محطة مختلفة، هي برزخ جعلت مشاعره تضطرب و تتغير، فتتصاعد معها وتيرة الأحداث لتنقلنا معه نحو عالم مجهول، سماه الكاتب بـ "المحطة" ، في حين تعامل معه الراوي بحواسه بطريقة مختلفة.. فلما كان بالبداية، مرافقوه يشيعونه لمثواه الجديد، كانت أكفّهم تلامس جسده بحنوّ، فاستشعر دفئها كما استشعر دموع أصحابها الحارة. لم يخطئ الراوي أو البطل في استعمال فعل" تلامس" أثناء تعامله مع الموكب الأول من المرافقين؛ فوصف احتكاك أكفهم بجسده، حتى لا نقول لجثته، وصفه بـفعل "الملامسة" ، فعل يوحي باللطف في التعامل أثناء الإقتراب من الآخر.. في حين لما صار مع مرافقين آخرين، مرافقين جدد يجاورونه بالمكان، المحطة، صار أسلوبه في الوصف مختلفا عن الأول. صار استعماله للمفردات منتق بأكثر دقة، فأضحى الاحتكاك بمواصفات مختلفة.. فبدل أن تلامسه الأطراف الدافئة، لكزته برودة العظام. حتى أنه وصف تلك العظام بـ"نتوءات"، كما صارت تحدث قرقعة أول ما تمسّه..
و بعودة إلى تصرفات رفاقه بالعالمي المختلفين؛ نجده يصف اختفاء الصنف الأول بأنه كان سريعا، مفاجئا، لم ينتبه لمغادرتهم له، إذ بسرعة انفضوا من حوله تاركين شهقاتهم بمسامعه، حتى لما تلاشت أصواتهم و تلاشى الدفء بغيابهم، لفّه برد باغته شيئا فشيئا،.. إذ لم ينتبه لوجود المرافقين الجدد إلا بعد حين من القلق، صاروا يقتربون منه بتؤده و ببرود يلكزونه من كل جانب ابتداء من قدميه. ارتفعت قهقهاتهم بعدما كانت الدموع تملأ حناجر أولئك الذي أودعوه ثم رحلوا عنه. بل صارت العيون غائرة بالمحاجر تنظر إليه في شبه سخرية لغفلته.. كانت دغدغات الموت تلكزه من كل جانب، كأن الحضور حوله يودون إخباره عن وجودهم و كنه وجوده الحالي بينهم.
كان غريبا بينهم، أو جديد، "نازل جديد" ، كما أخبره ذاك الذي استقبله بوجوم و تعرّض له ليعلمه، أثناء محاولته الفرار، أن لا مناص له، فالعودة إلى "هناك" غير ممكنة، فعبثا يحاول.

المسافر بحالة فزع، بعد أن فارق دفء الحياة و تلقّفته برودة الموت
ا=====================

🌹🌹  تحية لكاتب النص  🌹🌹
تحية لصفحة رابطة بني هلال للثقافة و الآداب و لكل أعضاء الكادر المشرف على سيرها..
محاولة متواضعة مني كقارئة امتعني النص و دغدغ في عوالم الكتابة و الحفر بين المعاني..
 و أعتذر للإطالة
مودتي و التقدير و سلال ورد للجميع
ا===========================
#القصة
        « محطة مختلفة » للقاص كمال السالمي

أي رحلة هذه؟
إلى أين أنا ذاهب؟
ولمَ أشعر ببطئ الحافلة على غير عادتها؟!
لأول مرة أجرب الاستلقاء على ظهر الحافلة ومعانقة السماء بعيني دون سقف يعكر لقاءنا
أرجو أن تكون المحطة مختلفة هذه المرة أيضا ؛فلقد مللت المحطات التي تجمع الحمقى وتعلو المزامر والصرخات عندها.

تمنيت لو أني أحظى بمحطة هادئة خالية من الجميع أنزل فيها وحدي ، احتسي قهوتي واستحضر معشوقتي، ونمارس الحب دون وجل من نظرات العابرين.
تبا يبدو أننا وصلنا ها هي الحافلة تتوقف، وأنا أهبط عن متنها بهدوء أشعر بدغدغة الأصابع وحنان الأكف وحرارة الدموع.

إنّ الغموض يلف هذه الرحلة ؛لقد تبخر الجميع ولم أشعر بذهابهم، وطال انتظاري في هذه المحطة التي بدت مهجورة، رحت أتاملها من جديد إنها ضيقة جدا تذكرني بغرفتي الصغيرة جدا إلا أنها بلا نافذة،
كيف ستجدني الحافلة الآتية إذًا؟ !
عندما حاولت المشي تفأجات أنني مستلقٍ ،ولم انتبه عاودت الكرة ثمة ثقل يجثم على صدري،كررت المحاولة مرارا وبالكاد نهضت!
هكذا إذن إنها محطة كبيرة جدا وتبدو مسكونة ،وليست مهجورة كما ظننت! ،علي أن أصل إلى نهايتها لأعرف أين موقف الحافلة
تبا أبدو كطفل صغير تاه في المحطة أتعثر بردائي الذي يرفل ويكاد يكشف عورتي، الملمه وانتبه لنفسي نسيت أن احمل هاتفي ! تبا لقد نسيت نقودي أيضا! كيف سأنتقل المحطة  القادمة من غير نقود؟! أتحسس ردائي أنه بلا جيوب! اللعنة كيف لبست هذا الرداء دون وعي!

المهم أن أصل إلى المحطة القادمة.
لقد تأخرت الحافلة وأنا اتنقل بين جنبات المحطة التي بدت مدورة ،والإرباك يملؤني من أي الجهات ستأتي الحافلة؟ !
لكن ما بال نازلي المحطة ألا يفكرون بالانتقال إلى المحطة القادمة؟!
لمَ لم يستقيظ أحدهم!
 حلّ الليل وازداد ظلام المحطة بدأت أشعر بالخوف ،
لقد ضجت المحطة باصوات مخيفة ونظرات غربية تحاصرني أينما التفتت وقهقهة عالية تقتحم مسامعي،لمسة ناعمة تدغدغ قدمي قفزت من مكاني أنها يد عجوز نحيلة غارت عيناها،حاولت الهروب والأيادي تعترض قدمي وتحاول الإمساك بي وقهقهات عالية تسخر من محاولتي للهروب!
وقلبي يكاد يسقط إن لم يكن سقط وانتهى...

دبّ الرعب في كياني والأيدي تزداد والقهقات تعلو والنظرات تزداد رعبا...
أخذني الجهد وانا أدور وأدور ،وصارت الأيدي تلمس قدمي وتتحسس ركبتي لمسات باردة وقرقعة عظام الاكف على ساقي
 وأنا اصرخ لكني لا أسمع صوتي !
وأبكي بلا دموع!
لاح لي نور شديد على قمة المحطة ورحت أركض إليه، بدا لي رجل خمسيني معتدل القامة واضح القسمات لا نور معه إلا وجهه حاولت الوصول إليه والتسمك به
-يا عم أرجوك أنقذني وأنفاسي تكاد تنقطع
- هل أنت نازل جديد يا بني؟
-نعم، لقد جئت صباحا إلى هنا ويبدو أن المحطة مهجورة وأنزلوني في غرفة مظلمة خرجت لأجد الحافلة وحدث ما ترى
-ولمَ  خرجت من غرفتك يا بني؟!
- خرجت لأجد الحافلة ،أرجوك يا عم  ساعدني لأعود من حيث أتيت لقد استغنيت عن الرحلة  !
- آآه يا بني! ألم يخبروك أنه لا سبيل  للعودة ؟
- لم يخبرني أحد بشيء أريد العودة أرجوك ...
- يا بني أذهب لغرفتك ،ولا تخرج منها
وانتظر الصيحة التي تجمعنا جميعا
- ومتى هذه الصيحة؟! هل هي في الصباح؟ هل هي بعد يوم؟
- لا أعلم
حاولت التشبث به لكني لا أستطيع الإمساك به..
عُد يا بني فلن تمسكني ،واستعجل قبل أن يأتيانك الملكان !
- ملكان! هل تعني ... ؟
- نعم يا بني أنت الآن ميت ...
ا============================

قراءة جميلة شاملة لنص معبر .. دام التألق والإبداع  .. بالتوفيق دائما ان شاء الله 

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم