يميني - مجموعة قصص قصيرة - بقلم الأديب/ إبراهيم طاهر - مصر

بقلم الأديب/ إبراهيم طاهر - مصر


 القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..
والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته في الغوص بأعماق أفكاره..

************************************************
يميني

بح صوته، مر اليوم ولم يبع من بضاعته شيئا، استمر حتى القطار الأخير ليس أملا في تحقق المعجزة، بل خوفا من مواجهة إخوته، لا يبكيه شيء إلا نظرة يأس أحدهم انتظر ولم ينل ما أراد، تقترب الساعة من الواحدة، لعلهم ناموا.

تنقل بين عربات القطار، تساءل ماذا لو ترك قدمه تسقط بينها، سمع أنهم يعطون أهل المتوفى مبلغا، لا يذكر قيمته، لوهلة فكر أن يسأل الشاب الذي سمعه يتحدث عن العدالة والحرية في هذه العربة.

 قرر أن يتأمل الراكبين كما يفعلون معه طيلة اليوم، تساءل ما الذي يدفع هذه الفتاة إلى الخروج وحيدة بعد منتصف ليلة باردة؟ ابتسم عندما لاحظها تخلع فردة حذائها بقدمها الأخرى، أدرك معاناتها، لكنه لا يستطيع مساعدتها "بشبشبه" القديم.

كاد قلبه يتوقف عندما سمع من يقول إن "المترو" سيتوقف إذا خرجت المظاهرات، انتظمت أنفاسه عندما تذكر أن مظاهرات سلم نقابة الصحفيين لا تؤثر في حركة البيع بل على العكس تجعل بضاعته رائجة، فهؤلاء لا يتركون أماكنهم، سيخرج وقتها بعلب السجائر رغم اعتراض أبيه لأنه سمع شيخ الجامع يقول إنها حرام.

الشاب الثرثار كان يشير نحوه وهو يواصل حديثه، اندهش مستفسرا، لم يفهم ما قاله عن سر ذلك، السيدة العجوز التي تشبه جدته لولا شعرها الأسود الفاحم غمزت له وهي تقول: الواد ده بيقول إن المظاهرات دي خارجة عشانك.
لا يعرف لماذا يسخرون منه، هل لأنه لم يكمل تعليمه؟ وما ذنبه لقد تركه بسبب تهكم البعض على ثيابه، فهل يترك لهم الدنيا ليستريحوا؟

شباب السلم كانوا يتحدثون بمثل هذه الكلمات غير المفهومة، سأله أحدهم ذات مرة "هل أنت يساري؟" فأجاب: "لا طبعا أنا باكل باليمين"، فأخذوا يضحكون وأطلقوا عليه من يومها "اليميني"، لم يعرف لماذا هو بالذات رغم أنهم يأكلون مثله بنفس اليد، لا يفهمهم إلا عندما يرددون أغاني "محمد منير".

منع نفسه من الابتسام لمشهد الفتاة التى سارت متمايلة، منع نفسه كذلك من البكاء، كاد القطار أن يصل لنهاية طريقه، الدقائق تمر وأعذاره قد فنيت ومطالبهم لا تنتهي.

قبل نهاية الرحلة صراخ العجوز التهم الصمت:  "الواد الغلبان وقع، حد يلحقه، حرام، حرام".
***********************************************

إبراهيمان

رُبَّما هي المرةُ الأولى منذُ أربعينَ عامًا التي سيفترقانِ فيها، لم يكنْ سهلا عليه أن يتركَه، وقف بجانب "المِغَسِل"، أمسكَ يدَ صاحبِه التي ما زالت دافئة كعادتها؛ كان يُطمِئنه أنه إلى جواره، همس إليه بكلمات أبكت كل من كان حوله، حمل نعشه رافضا أن يحل أحد مكانه ممن أشفقوا عليه لتقدمه في العمر، وضعه أمام الصفوف التي تراصت للصلاة عليه وانسحب خارجا في هدوء، سينتظره هنا كما كان يفعل يوم الجمعة، كثيرا ما ظل واقفا ورفض العودة لبيته، وربما ناقشه ببعض الأمور التي لم يفهمها من الخطبة.

 ظهره يؤلمه بشدة، من سيرافقه للطبيب ويمازحه طوال الطريق بضرورة اعتزال سرير الزوجية؟
استعد أن يركب معه سيارة الإسعاف فلم يستطع للازدحام المَهيب، ابتسم رغم حزنِه حينَ تذكرَ اليومَ الذي وضعوه في سيارة الشرطة عندما أراد أن يدخل معه؛ ليشاركه قداس القيامة، هرول وقتها خلفه ساعة حتى أفهم الضابطَ حقيقة الأمر.
- دعني أعتذر يا صاحبي؛ كانت مزحة سخيفة مني عندما أخبرت قوة الحراسة أنك جئت لمعاكسة الفتيات، فهل تغفر لي؟

تراجع حين وصلوا المقابر، يعلم أنه لن يغضب منه؛ فهو يدرك أن صاحبه لا يحب حضور مراسم الدفن.
أخذ يتمتم: فاكر طبعا؟ أنت حضرت دفن أبويا ولما سألوك عني قلت: أنا نيابة عن صاحبي، مش مالي عينيكم ولا إيه؟
حكوا لي إن بعضهم لم يتمالك نفسه من الضحك رغم المشهد الحزين.

لم تمضِ دقائقُ حتى كان معهم؛ يُنيم صاحبَه على يمينه ويوجه رأسَه نحو القِبلة.

************************************************

دواعٍ أمنية

منذ أن أُحضِرت إلى هذا المكان ملأت جنباته بهجة ونشاطا، تغني طيلة الوقت فتهتز المهج والأبدان التي سكنها المرض والغم، يرددن معها، يضحكن، يتساءلن: كيف كانت الحياة قبل مجيئها؟

 زعمن أنها مطربة معتزلة، سألنها سخرت منهن، مع إلحاحهن  أنكرت ذلك تماما، مؤكدة أنها كانت زوجة جيدة وأما صالحة.
فيما كن يتبادلن سرد القصص عن حياتهن وسبب وجودهن هنا كانت تكتفي بابتسامة خالية من الانطباعات، فشلن في تخمين أي أمر يتعلق بحياتها، لديها قدرة عجيبة على تحويل مجرى الحديث بانتقاء كلمة - أية كلمة - ثم تصدح بأغنية تتضمنها.

لم يكن يزورها أحد، ومع ذلك لم تتبرم يوما، لا أحد يمتلك تفسيرا لاستيقاظها مبكرا رغم أنها آخر من يخلد للنوم، حتى سرت شائعة أنها لا تنام، تربصن بها ذات ليلة وجدنها تجوب المكان عدة مرات قبل أن تلقي بجسدها على سريرها.
ليلة عيد استيقظن فزعات على صراخها، تبين البعض كلمات  واضحة قبل أن تختلط الحروف، كانت تصيح: "مسامحاك، مسامحاك"

بدأت تتضح معالم قصة تقليدية، تكاد تكون الرواية الوحيدة هنا، ابن عاق ترك أمه وفر، بدأن في تأليف باقي الفصول،  فمنهن من قالت: زوجته أمرته، والبعض قال: طمع في ميراثها.

قمن برشوة بعض المشرفات، استطعن الحصول على أوراقها، قرأت إحداهن اسم من أودعها هذه الدار، صرخن، هرولت كل واحدة إلى سريرها تتحصن بغطائها رغم أن الصيف قد بدأ يعلن عن نفسه.

************************************************

نصوص جميلة معبرة أبدع الأديب في استثمار أدواته بافكارها الجميلة وبعذا الأسلوب الراقي ، دمت مبدعا متألقا اديبنا المبدع ، موفق دائما أن شاء الله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم