قصيدة ومقال وخاطرة بقلم الأديب الشاعر/ أ. د بومدين جلالي - الجزائر

بقلم الشاعر  الدكتور/ بومدين جلالي - الجزائر


الشعر ديوان العرب، تاريخ قديم حديث من الإبداع، من الفكر، من مناقشة كل شئون الحياة، فقد كان الشعر يدخل في  كل شيء في حياة العربي، من حديث عن الذات وعن حالغير، وصف وتحليل هجاء ومدح، كل ما كان يمت لمعيشتهم بصلة، يكتبون عنه شعرا،  واستمرت حياتهم هكذا، وفي كل عصر تجد المبدعين، والذين يشكلون تاريخا مشرفا من العصر الجاهلي وحتى يومنا هذا .
***********************************************
1- الشعر


الصَّــاعِقــَــة ...
 .................
 1. ألـْـف عَامٍ، وَالوَهْمُ فِي الصَّدْرِ يَجْرِي *** وَأنـَــا بِالأمْــــوَاجِ أرْكـــَبُ بَحْــــرِي
 2. زَوْرَقِي حَــــوْلـــه اصْطِخـَـابٌ مَريـرٌ *** وَسَمَائِـي، بـِالحُــزْنِ، تـَـبْـكِي لِأمْرِي
 3. وَضَبَــــابِي هـُــنـَـاكَ يَطْـفـُـو أمَـامِي..***  بَـلْ هُنـَـا... وَالأوْزَارُ تـَـقْضِمُ صَبْرِي
 4. غــَابَ عَـنـِّـي نـُـورُ الشـَّوَاطِئِ دَهْــرًا***   فـَــإذا بـِــي أغـْـفـُــو لِـيَــرْحَلَ دَهْرِي
 5. تـَحْــتَ قـَمْـعِ الحَـنِـيــنِ أمْـسِـكُ قـَلـْبِي *** فِي يَدِي... وَالأشْوَاقُ تـَـقـْذِفُ شِعْرِي
 6. وَإذا الأشـْعـَـــارُ الجـَـرِيحَــة سَــالـَــتْ ***  فِـــي صَـدَاهَــا تـُـرَى مَخـَابـِئُ سِرِّي
 7. يـَــا إلـَــهـِي مَــا أصْعـَـبَ السِّــرَّ لـَـمَّـا *** يَـتـَـوَارَى فِــي حِـضْـنِ نـَـارٍ وَجَمْرِ!
 8. بـِثـَـنـَـايـَـا اللـَّـهِـيــبِ يَـسْــكـُـنُ حِـيــنـًا ***  بَـعـْــدَهَا يَـعـْــلـُو نـَحْـوَ فـَجْوَةِ ذُعْرِي
 9. وَيـَـشـُــقُّ الأهـْــوَال مِـثـْـل ضَيــَـاعِي ***  ثــُـمَّ يـَلـْهـُو حـَـتـَّى يُـزَعْــزِعَ قـَـبْرِي
 10. أوْ يَصُـــوغ المَكـْـتـُـــومُ صَاعِقـَةً مِـنْ *** عَـجَبٍ، فِيهَا يَنـْطوِي خـَوْفُ عَصْرِي
 11. يـَــا زَمَـــانِي لـِمَ الصَّوَاعِــق تـَخـْـشَى *** بَعْـدَمَا قـَــدْ أسَّسْتَ مَصْدَرَ قـَهْـرِي!؟
 12. سُحُبُ اللـَّـيْـــلِ تـَحْجُـبُ النـَّجْـمَ عَـنـِّي *** وَالــدُّجَى كـَالمَعـْـتـُــوهِ يُـزْعِجُ بَدْرِي
 13. وَالرُّعُـــودُ الشـِّــدَادُ تـَـفـْـتـِــكُ فـَـتـْـكـًا *** بـِهُــدُوئِي العَــاتِي وَمَـبْـسِــم عُـسْرِي
 14. بَـــابُ إعْصَـــارِي مُوصَدٌ.. وَرِيَـاحِي *** حَوْلَ رُوحِي تـَعْوِي... وَقـَلبِي لِغَيْرِي
 15. فِـــي جَنـَاحِ الصَّمْتِ السَّحِـيـقِ يُـنـَادِي *** دَاعِيًا شَمْسَ الشّمْسِ مِنْ عُمْقِ حِبْرِي
 16. بـِرَمَـــادِ المَـسَـــاءِ يَــرْسُــمُ خـَـيـْــطـًا ***شـَارِدًا قـَـدْ هَــوَى وَمَطـْـلـَع فـَجْـرِي
 17. فِـي شـَـتـَـاتِ الشـَّـتـَاتِ يَمْشِي غـَـرِيقـًا  ***وَأنِـيــنُ السَّـــرَابِ يَجْـــرَحُ قـَـفـْــرِي
 18. عَـطـَــشِي فِــي الجَــفـَافِ يَحْبُو بـِقـَـيْدٍ ***  شـَـــلَّ مَـــائِي حَـتـَّى تـَحَجَّرَ نـَهْــرِي
 19. شـَـارِعِـي مُــرْمــلٌ كـَـئِـيــبُ الأمَـانِي *** سَاكِـنـُوهُ و غـَابوا كـَـمَـا غـَـابَ يُسِرِي
 20. كـُـلُّ شـَــيْءٍ مِنـْهُــمْ ثـَـوَى فِـي غـُـبَارٍ *** وَأنـَــا فـَــوْقَ الأمْــسِ أرْدِمُ بــِئـْــرِي
 21. فِـــي بـَـقـَايَا الجُــدْرَانِ أرْحَـــلُ حِـيـنـًا *** بـِـعِـنـَــادٍ حَــتـَّى يُـدَمْـــدِمَ صَخـْــرِي
 22. ثـُـــمَّ يَـمْـضِــي حِـينٌ رَدِيـفٌ وَعَـيْـنِي *** فِـــي مُــنـَــاجَـــاةٍ بَــيـْـنَ سِـرٍّ وَجَهـْرِ
 23. بَعْـــدَهَــا أرْتـَـدِي مُسُـــوحَ اليَــتـَــامَى *** وَدمُـــوعَ الأحْـقـَـابِ تـَـنـْحَرُ صَدْرِي
 24. فـَـــإذا الكـَـــوْنُ نـَـــائِحَـــاتٌ أمَـــامِي *** وَإذا الغـَـيـْـبُ فِــي المَنـَـادِبِ يَجـْـرِي
 25. هِــــيَ هـَـذِي أهْــــوَالُ صَـاعِقـَـتِي يَا *** زمَنِي، إنْ - حَقـِيقـَـةً- كـُـنـْتَ تـَـدْرِي
 26. صَخـَـبُ الصَّمْتِ فِــي مَـدَاهَا رَهِــيـبٌ *** وَاللـَّـيَــالِي فـَـوْضَى تـُـزَلـْزِلُ فِكـْرِي
 27. وَلِـــذا أسْـــعَى بَـيـْـنَ وَحـْـــيٍ وَلـَـفـْـظٍ *** وَشـُمُوعِي فِي النـَّـفسِ تُشْعِلُ سِحْرِي
 28. وَأجـِـيــدُ التــَّـمْــوِيهَ مِـنْ غـَـيْرِ قـَـصْدٍ *** أشـْـبـِهُ الطـَّـيْفَ فٍي ظُهُورِي وَسِتْرِي
 29 . أخـْـتـَـفِي فِـي ذاتِــي، بـِذاتِــي، لِـذاتِـي *** عَـلـَّـنِي أنـْجُـــو مِنْ جُنـُونِي بـِشِعْرِي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

2- الشعر

أرِقٌ أنا ...

ــــــــــــــ

ليْلـِي تمَدّدَ والْفُؤادُ يُعانِــي، *** قهْرِي تعَدّدَ والسُّهــــــــادُ غَزانـِي !

فكأنّ نفْسي بالْحَريقِ حُطـــامٌ *** وكأنّ قلْبي لِلَّهيــبِ رَمــــــانِي ؟ !

بِالضِّيق تشْتَعِل السّكينةُ ناراً *** مِنْ غيْر ضِيقٍ في رِحابِ مَكانِي

أدْري ولا أدْري بِما في رُوحِي***والْعيْنُ في صخَبِ الْهُدوءِ ترانِي

ويُسائلُ الْأشْواقَ طيْفُ سرابٍ*** قدْ مرَّ في دهْري خلالَ ثوانِ(ي):

هلْ أنْتَ تضْحكُ أمْ تنوحُ وحيداً؟***أجُنِنْتَ في سجْن الظّلام الْجانِي؟

هلْ أزَّكَ الْإعصارُ أزَّ خريفٍ *** أمْ زاركَ الْهَوْلُ الْمُخيف الْقانِي؟

نـــــامَ الْأحبّةُ كلّهُمْ في دِفْءٍ *** وسلامةٍ لـكِنْ رُؤاكَ تُعــــانِي !؟

لَا.. قلْتُ، ثمَّ وقفْتُ دُونَ ضجيجٍ***وأنا أعودُ إلى الْيقيــنِ السّانِي

وبكَيْتُ في ضَوْء الدّعاءِ طويلاً***حتَّى الْفلاحُ إلى الصّلاةِ دَعانِي

***********************************************


3-  المقال


قديماً، من مدينة حلب بشمال سورية؛  كتب القارئ "" احمد لبابيدي "" تعليقاً على مقال الأديب البروفيسور بومدين جلالي " آه يا سورية آه " المعروض عليكم أدناه فقال :
.................................................
د . بومدين : أنا من حلب ... أقسمُ بالله أبكيتَ قلبي وأضحكتَ مستقبلي ... أبكيت قلبي وكأنك كنت معنا في تلك الحرب لحظة بلحظة.  ... واضحكت مستقبلي لأن ّفي الأمة أمثالك ... بوركتَ بوركت بوركت ... والله لو كان الأمر يرجع لي لجعلت ما كتبتَ معلقةً أعلقها وسط ساحة الأمويين وعلى قاسيون الذي يشبهك ...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهذ نص المقال المعني بقلم بومدين جلالي :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
آه يا سورية آه ...
..................
آه يا بسْمة الأمْس، آه يا نكْبة اليوْم، آه يا دمْعة تلازمني ...
انفجرتْ شمسُك في ضحى الربيع فانْفجرْنا، وتفجّرْنا، وانجرفْنا في الحريق دخّانا برْكانا غطّى الكوْن، وما حوْل الكوْن، وما فوْق الكوْن، وما تحْت الكوْن ...
جاءتْك الأهْوال وحاصرك الأغْوال فإذا الأضْواء أنْذال والأنْباء إذْلال ... يالهْف نفْسي، يالهْف نفْسي، يالهْف نفْسي ...
أراك حين كنْت نشْوة الشام، وبيت العرب وغيْر العرب، ودار الأصْوات الآتية منْ تعالِي السماء ...
أراك حين غنّى بَرَدَى للسلامة والسلْم والسلام، فعمّ السلام، وقالتِ الأرْض أنْتِ السلام، أنْت أنْتِ يا شامُ ...
أراك في ظلال التين، وعطور الياسمين، وتغاريد العصافير بالحنين، وتعانُق السنين بالسنين ...
أراك في جلالك الغسّاني والأموي والحمْداني والأيّوبي وأنت تقفين شامخة في قلْب الأمم والحضارات والثقافات واللغات كي تتفاعل بوُدّ ورُقيّ وأناقة ولا تتصادم بحقْد وانحطاط وحماقة ...
أراك يا معْمورة الدّيار وسيّدة المعْمار وناسجة الحكايات والأخْبار ومبْدعة المنثورات والأشعار وأنْت منْ منْبر إلى منْبر ومنْ مسْرح إلى مسْرح ومنْ منتدى إلى منتدى ومن حلقة إلى حلقة وشبابك ينهل من المنهل العذْب في سرور وحبور وما يُسْتطاب ويحلولى من ألباب الأمور وفضائل العصور ...
أرى دمشْق الفيْحاء ... أرى حلَب الشهْباء ... أرى مدن الجمال وقراه في الشواطئ والأرياف والصحراء ... أراها كلها ترفع غصن زيتون ووردة بيضاء ... أراها كلها وأسمعها كلها وهي تنادي بأصوات نزار قباني ومحيي الدين بن عربي ورمضان البوطي وحنّا مينه ونور الدين الأتاسي وسليمان العيسى وعبده عبود وماجدة حمود ومنى واصف ودريد اللحام وصباح فخري : نحن للحياة فضاء .. نحن للحياة فضاء .. ما كنّا ولن نكون ممن يعشقون الفناء ويعشقهم الفناء ..
  آه يا سورية آه ...
ضحّى بك الذين لا يحبون التضحيات، ولا يعيشون للمكرمات، ولا تنبض - في صفاءٍ - قلوبُهم كما يحدث عند المحبين والمحبّات ...
ضحّى بك منتجو الجرائم ومحوّلو الانتصارات إلى هزائم وشذّاذ الآفاق من مطاردي الحمائم ومكدّسي الغنائم...
ضحّى بك أعداء السماء والمساء والسناء والسخاء والرخاء ...
ضحّى بك الشمال لأنه يريدك مقتلا للجنوب، وضحّى بك الجنوب لأنه يريدك مقتلا للشمال، وضحى بك الشرْق لأنه يريدك مقتلا للغرْب، وضحّى بك الغرْب لأنه يريدك مقتلا للشرْق ...
جاءتّك العصابات من كل حدْب وصوْب ونزلتْ فيك فنزل الموْت ... كلّ شيء فيك أصبح لا شيء ...
دُمّرتْ أشياء الحياة، وأسباب الحياة، وتجلّيات الحياة، والحياة نفسها، بطولها وعرضها وعمقها ...
قُتِل الشيْخ والشيْخة ... قُتِل الكهْل والكهْلة ... قُتِل الفتى والفتاة ... قُتِل الطفْل والطفْلة ... قُتِل الصبيّ والصبيّة ... قُتِل الإنسان الإنسان الإنسان ... والقاتل لاهو إنسان ولا حيوان ولا شيطان ... القاتل لهيب حرب دهماء أشعلتْها صراعات الأوثان وبخّرتْها بغازات الدّخان وأطرها رموز الجور والطغيان ... القاتل وَرَدَتْ لعْنته في الزّبور والتوراة والإنجيل والفرقان ... القاتل تمْقته الأنْهار والبحار والمحيطات والخلْجان ... القاتل يشمئزّ من رائحته النخْل والفسْتق والخوخ والرمّان ... القاتل سُمّ عنصريّ في ناب مسموم، وورم عضال تجفّ من دائه مياه الغيوم ... القاتل من ذريّة قابيل الذي حوّل تاريخ الإخاء إلى تاريخ قاتل ومقتول كما هو ثابت ومعلوم ...
آه يا سورية آه ...
هلْ أبكيك ؟؟؟ ............. نعم ولا ...
هلْ أرثيك ؟؟؟ ............. نعم ولا ...
أبكيك وأرثيك لأن قلبي انفطر وروحي تشققت وسكنني ألم الوجود من جراء ما أصابك وأصاب العرب وأصاب المسلمين في كل مكان ... أبكيك وأرثيك لأني أبكي وأرثي ذاتي وأهلي وقومي وأمتي ... أبكيك وأرثيك لأني أبكي وأرثي ضعفي وضعفك وضعفنا أجمعين ... لأننا هُزمنا ... لأننا سُحقنا ... لأننا مُحقنا ...
وما يجعل الدمع لا يتوقف والنٌدبة لا تنتهي عند حد هو أننا  نحن مَنْ خصّبْنا أرضية المأساة الملهاوية بما نتبادله بيننا من أحقاد غريبة وصراعات عجيبة وعداوات رهيبة صنعتها قبليتنا وطائفيتنا وحزبيتنا ومذهبيتنا وإقليميتنا ومجمل عصبياتنا التي حوّلتنا إلى لعبة سهلة ومريحة ومربحة في يد غيرنا...
ولا أبكيك ولا أرثيك ... ولا أبكيك ولا أرثيك لأن الكتاب قال لي إن بعد العسر يسرا والتاريخ أخبرني أن الأزمة تلد الهمة وتجارب الشعوب والأمم علمتني أن إمكانات تجاوز الأضرار والأخطار ممكنة جدا إذا تمّ اكتشاف مصدرها وطاقتها وكيفية تحجيمها تدريجها إلى درجة التخلص منها بصورة نهائية ...
لذا ؛ أمسح دمْعي الذي سيظل سائلا بحرقة صامتة مادام الجرح نازفا وأتوجه إليك أصالة عن نفسي، وباسم الأمير عبدالقادر الجزائري وشركائه في الانتماء والجهاد الذين توجهوا إليك بعدما ضاقتْ بهم السبل فاحتضنْتِهم بأخوة ما فوقها أخوة، وباسم دم شهدائنا الأبرار وأحرارنا الأخيار الذين تعرفينهم ويعرفونك وتحبينهم ويحبونك كما سجلت مدوّنة التاريخ ذلك باعتزاز ، لأقول لك : -
- إننا معك في السراء والضراء ...
- إننا معك ضد أعدائك الذين جاؤوا لإراقة دمائك وسلب وجودك ...
- إننا معك في كل أطيافك موحدة ً متعايشةً متساندة في إعادة بناء ذاتها ومقاومة عدوّها التاريخي ...
- إننا معك في الأمل بغد أفضل وأجمل وأرقى ثم العمل من أجل تحقيقه دون هوادة ولا يأس.

***************************************************

4-  الخاطرة

صخبُ الهدوء ...

...................

(((  1  )))

هدوئي هدوءٌ ما بعده هدوءٌ لكنّه ليس ككلّ الهدوء ... ألجه بلطف عنيف فيلجني بعنف لطيف ... أعزف فيه ألحان ابتهالاتي لتكون أرضي سماءً وسمائي أرضاً، فيخضّني خضّا ثمّ خضّا ثمّ خضّا، ويعضّني عضّا ثمّ عضّا ثمّ عضّا ... حينما أسير فيه مسالما مصالحا غير ميّال للمشادّات والانتهاكات والانزعاجات الغاصّة بالإحالات والإيحاءات  يهاجمني بجيش جبّار جرّار من ذوات الناب ذوات المخلب، وذوات الصوت المخشّب في اللون المشطّب، وذوات الهمز اللاسع في القول المخبّب، وذوات القذائف الموظفة لحَرور ألف مُذَنّب ومُذنب ... وإذا ما صحْت صامتا من عمق هلعي يطير صياحي بين الفجاج والأمواج والأبراج وأخبار المعراج وحلقات الحاكين عن التاج والعاج وعجائب السراج الوهّاج من غير أن يعترض عليه معترض، أو يسمعه سامع، أو تطارده نسمة يائسة أو بسمة عابسة أو ليل جاء من جوف الليل ...

(((  2  )))

هدوئي هدوءٌ يطرح السؤال الذي يجيب بسؤال من غير أن يعتني أصلا بما قيل وما يقال في جلسات المستفهمين عن قيم النقصان المقابل للكمال، وقيم القبح المشاكس للجمال، وقيم الاهتزازات المصطخبة بين النساء والرجال، وقيم النحاة حين وقوفهم الطويل أمام جدلية النعت والحال، وقيم الذين رحلوا قبل أن تتصحّر الأدغال وتتفجّر الجبال وتنعرج نظرية تحرير العبيد نحو مبدإ الوجود ثمّ الزوال ... لا يهمّه من قام أو قعد، كما لا تهمّه غزليات الصيف للشتاء، ومحاورات البدء للانتهاء، وترانيم الضحك للبكاء، وتأوهات الأموات للأحياء، وإشارات العابرين بسرعة ما فوق البرق لمن ظنوا أنهم يمارسون حق الثواء ...

(((  3  )))

هدوئي هدوءٌ  صاخب بصخب الهدوء الآتي من وجل اللاهدوء ... فهو حيناً فرجةٌ في  حدائق النمرود، ومآثر عاد وثمود، وعجائب الحدائق ذات السواقي المرصعة بالورود، وكتابات الذين جعلوا في أصواتهم المحذوف والممدود والشاهد والمشهود ... وهو حيناً فسحة في مساحات الممنوعات، ومتاهات المرغوبات، ومرامز المذكّرات الخاضعة للاستنطاقات الفارغة من الإجابات  ...وهو حيناً نشوة صبيّ فائز، ورعشة معتوه عاجز، وصيحة مبحوح شبه أبكم يحلم باختراق المفاوز وتجاوز المتجاوز وغير المتجاوز ... وهو حيناً نزوة شعرية في زمن لاشعري، وأزمة نثرية في عصر لانثري،  وما بينهما من كرّ لا كرّ فيه، وفرّ لا فرّ فيه، وحرّ وقرّ، وحروف جرّ في أدوات قهر، وبكائيات دهر على بقايا قلوب سكنتها العيوب، وشققتها الخطوب في خفايا الخفايا المتربصة في الدروب ... وهو حيناً صلاة في الصلاة، وفنّ في الفن، واجتياح ماطر في فجر ساحر ليوم لم تلده الأيام بعد لكنها تحنّ إليه وتُدوّن في زجلياتها الجامعة بين إيقاعات الشمس والقمر، والعرب والغجر، والرمال والحجر، ما بينها وبينه من تواصل وتناسل وتفاصل  وتقاتل وتراسل وتفاعل من غير تشاؤم ولا تفاؤل ...

(((  4  )))

هدوئي معرفةٌ نكرةٌ في قواميس اللغات والثقافات والحضارات وتفاسير ما لم تفسره النظريات والاحتمالات ومختلف مخابر التحليلات ... يتوهّم الجهابذة والعباقرة وخبراء المنازل والنوازل والزلازل والمعازل والغوازل أنهم أزاحوا الحجب عن أزليته وأبديته إلا أن التوهم يبقى أبعد إيهاما وأعمق إبهاما من الوهم ذاته في نواميس تلك القواميس ... هدوئي بما فيه من صخب الصخب، وعطب العطب، وجرَب الجرب، وكلَب الكلَب، وعُلَب العُلب، وكُرَب الكرب، وما إلى ذلك من عجب العجب وعجب ما فوق العجب، حالة فريدة منفردة متفردة ... حالة لا يمكن أن يوضع قبلها شيءٌ، ولا معها شيء، ولا فيها شيء، ولا بعدها شيء ... حالة لا يحسّ ببعض عموميات سطحيتها إلا أنا الأنا، ولا يعلم بكليّة تفاصيل جوهرها إلا من أوجد أنا الأنا وأعطاه خصوصية التوحد الدالة على واحدية من أوجد ما لم ولن يتكرر بإطلاق الإطلاق.

***************
***************

من خواطري القصيرة القديمة .......... قراءة ممتعة


قبل فوات الأوان :

....................

كان الليل الذي يأتي قبل  الليل، وكانت الأضواء غائبة حاضرة والجو مشحونا بتناقضات الجمال المتوحش  والقبح المستأنس، وكانت الأقوام في ذهاب وإياب وصعود ونزول بين غيوم تعبث  بها ريح عاتية ودخان تزيد من كثافته نيران في طور الاشتعال ... في هذه  اللحظة الغريبة جلست على قمة قلبي والتفت ذات اليمين وذات  الشمال وموت الحياة يتغشّاني والعرق المطري يتصبّب صامتا في فضاءاتي  المرئية واللامرئية ... جلست جلوسا متحرجا مترجرجا فرأيت الأفق يختنق  وامتدادات الأرض تضيق والجبال تتقلص وكل شيء يرتعد ويتشقق ... كانت الأصنام  والأرقام والأقلام والأغنام والألغام تتشابك وتتعارك حينا، ولما يتلطخ ما  تبقى من زرقة السماء بالأحمر القاني تتعانق وتنوح معا حينا ... وجه الأرض  اصفر فوق السواد وغزاه القمل والضفادع والجراد، ثم حل الخريف دون خريف وغاب  الهواء والماء والرغيف وتراكمت الأحجار والجثث فوق كل رصيف ... ولما حاولت  الفرار من جلستي القلبية التي قلبت كياني، صادفني طفل يمسح دمعه بمئزره  ويرفع لوحته المدرسية التي كتب فيها : " أنقذوها ... أنقذونا قبل فوات  الأوان ".

************************************************

كاتب وأديب  وشاعر .. مبدع في كل لون صاحب فكر وهدف ، تقرأ ما يكتب وتنتظر ما سيكتب فسيكون اجمل وأجمل ..
دمت مبدعا متألقا اديبنا شاعرنا القدير  ..
موفق دائما ان شاء الله تعالى

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم