عودة - مجموعة قصص قصيرة بقلم الأديب الناقد/ عبد العال الشربيني - مصر

مجموعة قصص قصيرة  بقلم الأديب الناقد/ عبد العال الشربيني - مصر



مقدمة :

تظل القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب ألى الأديب  و القاريء رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..
والقصة القصيرة أختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته.
************************************************
النص الأول:

العودة
انتفض قائما تاركا أوراق الجريدة تسقط من يده ولم يميز شعوره للحظة، فقد تضاربت الأحاسيس في قلبه والأفكار في رأسه... فقد قرأ للتو نعي غريمه الذي سلبه حب حياته ورفيقة دربه،

في طريقه للجنازة تدافعت الذكريات متزاحمة لتذكره بما حاول إخفاءَه عن نفسه من قبل، لكن ها هي الأحداث تطفو وكأنها تحدث الآن:
كان غريمه والذى تجاوز الخمسين من عمره مايزال يسكنه الطفل المدلل، فهو لا يقبل الرفض، فقد اعتاد أن يُشير فيُجاب طلبه، و تأخذه الحماسة ويشعلّه التحدي إن كان ما يريد في يدّ الأخرين، مُحبّ للفخر والتباهي بالزينة وليس مُهما طبيعة ما يتزيّن به أو يفخر مادام يُشعره بالتفرّد والتفوّق.

لمحها، هام بها، أيقظت فيه غريزة حبّ التملّك ـ رُغم إنعكاس بريق خاتم الخطبة الذي في يدّها في بؤرة عينيه ـ ولم يتردّد،
قدّم لها بريق ضُروب الإغراءات تارة ، وعصا سطوته ونفوذه تارة أخرى ـ فهي قالب شديد الامتياز يمكن بلمسة هنا وأخرى هناك أن تصبح فينوس العصر ـ رضخت ... تزوجّها.
أرسلها إلى باريس ومعها قائمة بالهنات المطلوب العمل عليها ـ فهو خبير بالجمال والجميلات، ذو عين فاحصة وذائقة مدرّبة ـ ليحظى بها كاملة الجسد شديدة الصقل قبل أن يقربها ـ لمتعته وأيضًا لزينته ـ بعد أن تضاف لها اللمسات الإبداعية لجراحي التجميل الفرنسيين، .

تزامنت عودتها إلى أحضان الوطن مع عودته إلى أحضان أمّه الأرض!

في جنازته مرّ بها الآن حبيب الأمس، وقد ذهب يتحسس  أخبارها فعرفته وهو لها مُنكِر، فضحتْها ابتسامتها له ـ والتي عشقها وكتب فيها القصائد المطولات غزلا ـ أحيت لديه الأمل في استرجاع حبّ عمرِه، الذي ظن أنه فقده بلا رجعة،
 لكن!
اجتاحته موجة من الحزن على التدمير الذي لحق بالنابضة في قلبه، المطبوعة في وجدانه، فعندما أرجع إليها البصر، ارتد إليه بصره خاسئا وهو حسير، لقد أصبحت منحوتة ثرية متلألئة شديدة الإبهار.

في طريق العودة، تأكد أنه قد دفن الفقيدين، حبّه القديم وزوجه.

***********************************************
النص الثاني:

وَرَقَةٌ بِمَائه
أسندّت رأسَهَا إلى زُجَاجِ نَافِذةِ سيارَةِ الفِرَار، والَّتىِ لَمْلَمَّتْ فيها أشْلَاءَها على عَجْلِ، وبقَايّا تجارتِهَا الحَلال والَّتىِ ترجو ألّا تبور، حتَّى تبحثَ لها من جديدٍ على يقطِينَةٍ تستَكمِلُ تحتَهَا الشِفَاءُ.

ارتَحَلَ بها شَريطُ الذكرَياتِ المُخْتَلط فيه الطازجُ بالمُعًتَقِ من حَيَاتِهَا، وفى القَلبِ منه أحداثُ اليومِ، والَّتىِ على بَسَاطَتِهَا الظَاهِرَةُ قد حَمَلت دمّهِا للغَلَيَانِ، وخَلَايَاهَا للإرتِجَافِ، وذهنهَا للشرُودِ، وكِيِانّهَا لِمَا هِىَ فيه الأن من فِرَارٍ.

كعادتها المُستحدَثَة هذه الأيام، أوت صباح اليوم، لِذلك الركنِ الظليلِ، خَافِتِ الضوءِ، قَليلِ الصَخَبِ،من الميدان، مُفترِشَةِ الأرضَ ببضَاعَتِها الفَقِيرَةِ ـ والَّتى يَكْفِيهَا عَائِدُهَا مُؤْنَةُ سُؤالِ اللَئِيمِ ـ بعدما خَلعت نفسَهَا من الدُنْيا وتَرَكْت زُخرُفَهَا وراءَهَا، توْطِئَةً لِمَلْكِهَا أمرَهَا مرّةً أُخرَى على طَرِيقِهَا الجديدِ.
انْتَصَفَ النّهَارُ ... وتلقت من يدِّ الشَارِى ورقة المَائه التى أنقدّها ايّاها، رَفَعَت وجهَّهَا لِتستْمْهِلَّه أنْ تذهب للمحل المجاور حتّى تأتيه بصرفها، غَابْت بُرْهة وعادت لكنَّها لَمْ تجدّه ! ، بحثتْ وبحثتْ دُونَ أثرٍ له مما أثار عجبها وحيرتها...
مع برقة تفكير سطعت في الذهن، عِنْدها اجتمعت ورقةُ المَائه بوجهِ الرَجُلِ وأسعفَتْهَا الذَاكِرَةُ فتساءلت :
- أليس هُوَ... ؟!
ورَاجَعَهَا الصَدَى :
- بَلَى ، إنّه ذلك الرجلَ الذى كثيراً ما ألقىَ حولِى مع غيرهِ عشراتَ الأوراقِ من ذاتِ المائهِ تلك،
وتدفق تيار الذكريات ليوجعها بما حاولت إغراقه في تلابيب النسيان، وما فتئت تهرب منه كهرب ناج من حمم بركان يلامس كعبيها أينما توجهت،
تجسد وجه الرجل، والذى مازالت وخزاتُ يدّهِ والأخرينَ تلسعُها ـ كلمَّا تذكرتَها ـ وهى تلتصقُ بلحمها مُتَنَكرةً فى شكلِ أوراق المَائه تلك ... ؛ .

انهارت جالسةً للحظاتٍ، أخذتَهَا فيها الرعشةُ، وتملَكَهَا الخوفُ، وضَاقت بها الدُنيَا وهِىَ تَصرخُ فى صدرِهَا:
- أيكونَ قد رأنى هذا الرجلُ اليومَ ـ كمَّا أعتاد أن يَرَانِى أيامَ الشقاءِ ـ عاريةً إلّا من غُلالاتٍ تُفْصْحُ أكثرَ ممَّا تَسْتُرُ ؟ ..
- هل طَفْت ذَاكرتُه بذلك الخِضَاب المُبَهرجِ الذى سَكَنْتَهُ سنواتِ الضَيَاع لِيَستَخرجَ من السُكارَى وأشباهِ الرجالِ أسوأ ما فيهم : الشهوةُ؟!...
- هل جَسَدّت لهُ ذَاكرَتَهُ اِرتَعَاشَاتِ جَسدّى وتلوّى عُودّى، وأسمعَتهُ أُذُنّاهُ مرّةّ جَدِيدَةٍ فَحِيحِى تحتَ تلك الأضْواءِ البَاهِرَةِ والَّذى أسْمْوْه تَأَوْهَات؟
- هل حَدَثَ كلُّ ذلكَ رُغُم كلَّ مَا أتَدَثْرُ بهِ اليومَ منْ أكفانٍ ولمْ أنْطقْ إلَّا بكلمةِ : انتظر بُرهة؟
- أيكون ؟ .

أفَاقْت منْ سيَاحَتِهَا على العَرَقِ يغمُرَهَا، وحُمْرَةِ الخِزْىِ تصْبِغُهَا، و صَوتِهَا يَصْرُخُ فى سائقِ السيَارَةِ:
- أنْ أسرعَ ،
وأردَفْت في نفْسِهَا:
- لَعلَّ المدينةَ التاليةِ تكونُ هى أرضُ صحيحَ التوبةِ وقبولَ الرجاءِ .

************************************************
النص الثالث:

أسد ولبؤتان
ارتدى جلبابه الفضفاض والتقط سلسلة مفاتيحه وسأل:
- أنا خارج لأجدد باقة النت، فقد تكاسلت حتى توقفت عن الجهاز... هل تريدين شيء من الخارج؟.
- بالتأكيد          "ردت الزوجة من الداخل" واستطردت:
أولادك وأسرهم سيحضرون بعد غدّ كالعادة، ومادمت ستخرج فيمكنك إحضار بعض طلباتي ... ستجد قائمة بها ومعها نقود في المكتبة.
أحصى النقود ونظر في قائمة الطلبات وقال:
- لكن هذا المبلغ لن يكفي، هاتي مئتين أضافيتين.
- أدفع من معك فيدي مشغولة الأن.             "قالت الزوجة"
دلف الزوج لغرفة النوم وأحضر حافظة نقوده ووضعها وسلسلة مفاتيحه في جيب جلبابه الجانبي، أما قائمة الطلبات والنقود فأودعهما الجيب العلوي وخرج.
توكأ الشيخ السبعيني على عصاه قاصدا المتجر الأبعد أولا كما هو معتاد ليبدأ به رحلة الشراء، ثم يوالى إنجاز القائمة وهو عائدا للبيت، ومن حسن الحظ أن جميع ما تضمنته القائمة من طلبات متاجرها فى اتجاه واحد من منزله والتي لا تبعد إلا قليلا فى الشارع الرئيس الذى يقطن بأول منزل لأحد تقاطعاته.
كان الظلام قد بدأ يرخي سدوله، وظهرت عتمة الطريق واضحة نتيجة السياسة التقشفية للدولة في الاقتصاد في أنوار مصابيح الطرق، معتمدة على أنوار واجهات المتاجر - فهي تكفي من وجهة نظر مسئولّيها - لإنارة الطرق وما زاد يعد إسرافا!، وقد خفّت حركة المارة المترجلين في المنطقة، فهي منطقة سكنية هادئة.
بدأ الشيخ مشواره باستخراج معاشه الشهري من ماكينة الصراف الألي التي في طريقه، وأسكنه حافظة نقوده، ثم واصل طريقه ليبدأ مشوار التسوق.
وصل "المحمصة"، وجمعا من النسوة يتحلقن "الكاشيرة"، توقف منتظرا دوره إلّا أنّ أخر سيدتين ـ واللتان يبدوان من الخلف كحائط صد، فهما نسختان مكررتان من حيث بناء الجسم وتطابق الملبس ـ أفسحتا له فُرجة بينهما ليقترب ـ حمد لهما هذا الصنيع في نفسه ـ وبالكاد نفذ منها ليطلب حاجته، ولم يفسر سبب الأرتباك الواضح الذي ألمّ بالسيدة التي تجلس على صندوق النقود - وهى تنظر إليه – عندما قامت بمراجعة بعض المُشترِيَات بالأستفسار - مرة أخرى - عما دفعت كلّ منهمّا من مبالغ وماذا تطلب وكأن أمرا ما قد أخذها لحظيا بعيدا عن تركيزها وشتت انتباهها،
لم يُلق الشيخ بالا للأمر وطلب حاجته - والتي كلفته مبلغا معتبرا، أداه من جيبه العلوى ـ ثم ناول قسيمة الشراء للبائع منتظرا تجميع مشترياته،
في التفاتة عفويّة لاحظ أنّ السيدة التي قد افسحت له والتي على يساره الأن تتفرس فيه بنظرات حادة فاحصة ، كما لاحظ من نظرته الأولى ـ فهو معتاد غض البصرـ أنّ مظهرها العام ملفت للانتباه، فهي شابة في أواخر العشرينات من العمر، فارعة الطول ذات جسم رياضى، ترتدي بنطال جينز شديد الضيق يبزر ما بداخله ولا يخفيه ـ ربما بطريقة مقصودة ـ مع إسراف ملحوظ في التبرج وتلوين الوجه، رغم ما تكلّفته في تغطية شعرها بوشاح ضخم يحيط بكامل رأسها بشكل مبالغ فيه ـ حتى أنه يصلح لإخفاء طفلا بداخل تلافيفه ـ ربما لتنقل رسالة: أنها محجبة "هكذا تصوّر" ، كما أنها تنتعل حذاء رياضيا من ذلك النوع غالي الثمن.
تسلّم الشيخ طلبه واستدار رافعا عصاه ليعبر الطريق للجانب الأخر، مجبرا رتل السيارات في بحر الطريق الرئيسي المتسع أن يتهادى ليعبر هو.
دخل الشيخ مباشرة بعد عبوره الطريق إلي السنترال الأهلي ليجدد باقة النت خاصته، ولكنه أُرُغم على الانتظار حتى ينتهي من سبقوه في الحضور من انجاز تعاملاتهم، مع بطء ملحوظ فى حركة التعامل ـ نتيجة بدء تطبيق الأسعار الجديدة لخدمات الاتصالات ـ وقبيل إتمام معاملته فوجيء الشيخ بدخول ابن أخيه المكان مصادفة، لينسخ أوراقا يحملها وطلب الأبن من عمه أن يصاحبه في طريقه - لحديث يريد مناقشته فيه - وأخيرا خرجا ليسيرا باتجاه منزل الشيخ.
بعد عدة أمتار دخلا محل الجزارة، أشترى الشيخ حاجته من اللحم، تحسس حافظته ولكنه لم يكن في حاجة لإخراحها واستمرا في المسير.
 كان على الشيخ ورفيقه أن يعبرا الطريق مرة أخرى باتجاه الجانب الأول - جانب منزل الشبخ -
 وفي الجزبرة الوسطى لنهر الطريق تذكر الشيخ أنه فوّت محل بيع الخضار الذي مرا به وشغلّهما الحديث عن التوقف عنده ، هنا عرض عليه ابن أخيه أن يعود وحده أدراجه ويأتيه بما يحتاج من أصناف الخضر على أن يكمل الشيخ طريقه ويلتقيا في محل البقالة أسفل منزل الشيخ.
لم يكن الشيخ يعلم ما يُدبر له عندما أخذ فى عبور الطريق إلى الجانب الذي به منزله منه، والذى يفصله عنه الأن شارعان فقط - متفرعان من الطريق الرئيسى – وعبر.
في غفلة من الشيخ – ومن أين كان له أن يعلم – أن لبؤتان من بنات البشر كانتا قد خرجتا كعادتهما اليومية للقنص ونهش جيوب الضحايا، قد رصدتاه كفريسة ثمينة سهلة المنال - فقد رأتاه على البعد مذ كان يتعامل على ماكينة الصراف الألي - قادما باتجاههما، وحافظة نقوده المكتظة ترسم موضعها في جيبه للناظر العادى، فما بالك بنشالتين متمرستين سال لعابهما وتحفزتا للعمل عليه هو، من لحظة وصوله - فالوقت لديهما من ذهب - وقد قررتا فورا ترك النسوة اللاتي اندسسن بينهن وحالهن، فهن فرائس هزيلة، وربما يحتجن لمعاملة أشق من ذلك الوافد العجوز والذي تظهر حافظة نقوده يانعة ولسان حالها يقول هل من قاطف.
بمجرد وقوف الشيخ خلفهما في طابور المحمصة أفسحتا له فرجة ليمر بينهما، وعندما دلف فيها أمسكت من على يمناه طرف جلبابه وسحبته اليها وصنعت من أصابعها ملقطا كادت به أن تمسك بالحافظة، لولا أن الحركة الطبيعيه للشيخ جعلته يسحب يده اليمنى بعصاه للأمام ليتكيء عليها في وقفته مما قطع على النشالة زاوية عملها فتراجعت عن الأستمرار حتى لا تنكشف، ومن طرف خفي لاحظت "الكاشيرة" ما حدث مما سبب لها الأرباك الذي لاحظه الشيخ ولم يستطع تفسيره، ولم تُبد الكاشيرة أي تعليق واستمرت في عملها.
تتبعت اللبؤتان الفريسة بعد عبوره الطريق لتنفيذ سيناريو أخر - حسب مستجدات حركته - لكن لم تتح لهما الفرصة بعد، فقد دخل الشيخ مباشرة إلى السنترال، فتواريتا عن الأنظار متدثرتين بالظلام في انتظار خروجه، والذى طالت مدته، وللأسف لم يخرج منفردا، بل كان يسير بجواره جهة جانبه الأيمن – حيث حافظة النقود – شاب مفتول العضلات،
لم يثبط همتهما ذلك، بل كانتا واثقتان أن الحافظة في نهاية المطاف ستكون لهما، واتخذتا تلك المهمة تحديا خاصا لمهارتيهما، وإثباتا لقدرة السناريوهات التي مارساها على دربهما الطويل في مجال القنص - أقصد النشل – على الفعل والنجاح في مختلف الظروف.
قبل أن تهاجما مرة ثانية، فوجئتا بدخول الشيخ محل الجزارة المجاور- ليبدد جزءا من نقودهما - كما أسرت إحداهما للأخرى وهما تكمنان في بقعة مظلمة في انتظار خروجه الذى لم يطل هذه المرة، وتتبعتاه.
تنفست اللبؤتان الصعداء عندما تراجع الشاب المرافق للشيخ من منتصف طريق العبورللجانب الأخر ليعبر الشيخ وحده وقررتا إتمام المهمة بمجرد عبورهم جميعا الطريق دون تأخير، وقد كان.
على الطّوار "الرصيف" يمشى الشيخ - وحيدا مطمئنا - الهوينا متثاقل الخطوات حتى يحفظ توازنه ولا يسقط، حاملا أكياس مشترياته بيده اليسرى، متكئا على عصاه بيده اليمنى ، والتي ينقلها في قفزات من الخلف للأمام في رتابة منتظمة، على يساره أسفل الطّوار "الرصيف" تتراص السيارات المتوقفة للمبيت وكأنها سور يحفظه، أمّاعلى يمينه فينبسط جزءً من الطّوار يفصله عن المبانى التى قد تلقى عليه بقع من الضوء عندما يحازى أحد المتاجر المفتوحة، أويكمل فى ظلام الطريق الذى قد يتسلل له بصيص نور من اتجاهات مختلفة، وعموما فقد اقترب الشيخ من بيته الأن فلا يفصله عنه سوى فتحتى شارعين جانبيين فقط،
من ناحية أخرى فقد توافقت اللبؤتان اللتان تسيران خلفه دون أن يشعر على خطتهما للحصول على الحافظة وشرعتا فورا فى التنفيذ.
قبل أن يهبط الشيخ من على الرصيف لانتهائه، عند تفرع شارع جانبي عن الطريق الرئيسي، فوجيء بسيدة تقطع عليه طريقه، فقد اتجهت من يمينه إلى يسارة في حركة فجائية مسرعة، كانت تتحدث في هاتفها المحمول بصوت مرتفع – انطلق فجأة - وكأنها من انفعالها لا تشعر بما تفعل، مما اجبر الشيخ على التوقف حتى لا يصطدم بها، ثم توقفت أمامه والتفتت ناظرة تجاهه، وهنا ميزها الشيخ وأدرك أنها سيدة المحمصة التي كانت تتفرس فيه والتي لا يمكن أن يخطئها، وأحس بأن هناك شيء ما يحدث؟ خصوصا أنه مر وقتا طويلا منذ أن تركهما عند المحمصة، فكيف أنهما لم يقطعا إلا تلك الآمتار القليلة خلال ذلك الزمن!
بحركة لا أرادية تحسس جيبه، ولكن لم تكن حافظة نقوده به، فقد اختفت! ، تلفت خلفه وجد توأمها تبعد عنه خطوة وتتحرك لتدخل الشارع الذي هم الأن على قمته ففهم الأمر... لقد سرقوه.
تسمر الشيخ مكانه لحظة مذهولا، لكنه أفاق بسرعة وأخذ عقله يعمل بسرعة البرق متنقلا بين أحتمالات الفعل المختلفة ليستيعد ما سلب منه:
- إذا أمسك بالسارقة الأن في هذا المكان شبه المظلم، ولا يوجد مارة أو شهود ستجتمعان عليه وتثيرا ضجة وتتهماه بالتحرش ويتناقلا الحافظة بينها ويفقدها للأبد،
- أما إذا تركها تسير الأن مطمئنة ويتبعها حتى منطقة الضوء التالية - التي لاحت له في داخل الشارع والتي تبعد عنه حوالي السبعين مترا ويرى بها مجموعة من الناس أمام ذلك المحل المضيء - ربما يستطيع أن يحقق شيئا.
وشرع في تنفيذ الرأي الأخير:
سارت السارقة تتهادى، تتيه بخطوة الطاووس المزهو بنفسه، فقد استحوذت على الحافظة بكل سهولة ويسر، فما كان عليها سوى أن تُبعد الجلباب عن جسد العجوز بمجرد توقفه وتدفع جيبه من أسفله لأعلى حتى تخرج الحافظة منه لتسقط داخل الكيس البلاستيكى شبه المعتم والذى فتحته على مصراعيه فيستقبلها الوشاح الحريرى الذي بداخله ممتصا صدمة هبوط الحافظة فلا تحدث صوتا، ثم أرتدت للخلف خطوتين قبل التفات الشيخ، فقد أحسنت اللبؤة الأولى في جذب انتباهه ـ وقد كان ـ وهاهى تتبخطر في مشيتها، فقد فازت بجائزة الشهر.
أما اللبؤة قاطعة الطريق، فبمجرد أن التفتت ورأت المهمة قد أُنجزت بنجاح حتى أنهت مكالمتها المزعومة واستدارت هى الأخرى لتدخل الشارع نفسه قاصدة الجانب الأخر البعيد عنه وهى تنظر شذرا لتلك الفريسة السهلة التي لم تصمد بين فكيهما حتى لحظة.
تبع الشيخ السارقة وهو يحُث الخطى متحاملا على نفسه حتى يقلل فارق المسافة بينهما وعينه مسلطة عليها، فربما تُظهر الحافظة أو تنقلها فيتبين موضعها ولكن لم يحدث شيئا من ذلك،
في البقعة المضيئة كان الشيخ قد لحق بالسارقة التي لم تلتف للخلف أبدا طوال مسيرتها الأخيرة تلك، من فرط الثقة، ولحسن طالع الشيخ القت الحافظة ظلالها وصنع ثقلها تشكيلا بدا على جدار الكيس جليا وكانها تناديه أنا هنا ... أنقذني!
في حركة جريئة ذكية - بين الناس وعلى مرأى منهم – جمع الشيخ أكياسه مع عصاه في يد، ومال مادا يده الأخرى لتمسك الكيس الذي بيد السارقة ويجذبه منها، ولدهشته تركته هى لينزلق من يدها دون مقاومة منها مع استهجان المشاهدين ودهشتهم فقال أحدهم:
- هو فيه كده .. " معلقا على ما يراه من غريب الأمر"
وقال أخر
- أيه ده أيه ده " وانطلق خارجا من المتجرلينتصر للمرأة "
لكن الشيخ سارع مفسرا الأمر قائلا :
- إنها لصة سرقت حافظتي تلك التي أستردتها الأن، وأخرجها من الكيس مع وشاح حريري
استدار الكل ناحية السارقة، والتي كان هيهات هيهات أن يدركوها فقد تصرفت كبرص، ترك ذيله، واسلمت ساقيها للريح هي ورفيقتها وابتلعهما ظلام الطريق.

************************************************
النص الرابع:

الارتداد للقفص ... الصدري
       "أنا استحق"
كان هذا دائما شعاره، وكان يستحق .
     كانّا على مُتنِ الطائرةِ مُتجَاورَين ـ في طَرِيقِهمّا إلى أمريكا لبدء البعثة البحثيّة ـ عندما عَاودّهُ ذلكَ الشعورِ فلم يتوان لحظة في طَلبِ يدّها رُغم أنّه لقاؤهما العابر الثالث فقط :
- آنسة عُلا ما رأيك أن نتزوج بمجرد نزولنا المدينة؟
- نتزوج؟!     "ردّت في دهشة وتعجب" .
- ولمّا لا؛ نحن سنمضي ثلاث سنوات على الأقل في الغربة معاً، وقد جمع الله بيننّا، بلا ترتيب منّا، فلم يك من الممّكن تلاقينا لولّا مسابقة الوزارة التّي فزنا فيها معاً، ومدينتانا متباعدتان، وتخصصي في الكيمياء وأنت في الإدارة.
- لكن ...
قاطعها واستطرد:
- زواجنا سيحقق لك مصالح كثيرة في الغربة ويزيل عنك المشقة وتجدين سنداً حيثُ لا تعرفين أحدا، أمّا أنا فسأفوز بجميلة الجميلات المثقفة التّى انتزعت قلبي منذ أول لقاء لنا.
أجابت ببرود:
- لكنّي لا أعرفك جيداً ولا تعرفني؛ و...
لاحقّها قبل أن تُكمِل:
- في الغربة سننصهر معاً فلا أعرف أحداً غيرك هناك ولا تعرفين أحداً غيري ويكفي أنّنا أبناء بلدٍ واحد ...
شاردةً أخذت تفكر في كلامّه وفي وضعها وقد بلغت الثلاثين من عمرها دون ارتباط لإهتمامها بمستقبلها المهني على حساب حياتها الخاصة، وأجرت بعقلها العملي ومخها الكومبيوتري حسابات الفرصة فقالت:
- عندما نصل أُقرر ما سيكون وأُعطيك ردّي.
     مرّت السنوات الثلاث سريعاً، وحقق كلّ منهما ذاتّه وكان لإجتماعهما فضل كبير في ذلك الإنجاز.
ذات صباح بادرها بقوله:
- عُلا .. أمامنا شهر حتَّى نعودّ للوطن، علينا أن نرتب الأمور لتلك العودة.
- لكنّي قررت ألّاَ أرجع .   "قالتها بحزم"
- ماذا؟! لم تخبرينى بذلك من قبل.  "ردَّ مستنكرا فقد فوجئ بالأمر"
استطردت شارحه:
- تعلم أنّي قد حققت في عملي هنا إنجازاً باهراً وقد وعدوني بترقية كبيرة ومميزات مادية مغرية ...
- أتدرين ما معنى قرارك هذا؟  "قاطعها منفعلا"
- نعم .. ولكن يمكنك البقاء أنت أيضا وتستمر الحياة،
وواصلت حديثها بهدوء:
- أظن هذا ما توافقنا عليه منذ اللحظة الآولى بأن نتساند حتى يحقق كلّ منا ذاته، وأعتقد أن كلّ منّا قد أوفى بنصيبه على أكمل وجه، صحيح لم نتلفظ صراحة بذلك ولكن هذا ما اعتقدته لحظة عرضك الزواج على.
- ألّا تعتقدين أن عشرتنا الطويلة تلك ومعرفة كلّ منّا بجوهر الأخر قد غيّرت الأمور وعلينا الأن تكوين أسرة حقيقية؟
- لا أُنكر أنّي أحببتك وأقدرك، لكني مازلت راغبة في إثبات ذاتي وتحقيق ما طمحت إليه من البداية، وقد تأكد لي الطريق الآن وتحت يدي الفرصة التي توصلني لقمته .
- واأسفاه! إن كان هذا قرارك الذي لا فرار منه فلك إذن ما تشائين.
    في صباح تال أنهيّا في القنصلية إجراءات عقد طلاقهما، وعندما همّت بالآنصراف دسّ فى حقيبة يدّها مظروفا كان قد أعدّه سلفا، وغادر مسرعا ليلحق بطائرة العودة وقد غلبه الحزن وغلّفه التفكير العميق.
    عندما وصل إلى المطار كان قد استقر رأيه على تغيير وجهته؛ فقد قرر قبول العرض السخي المتاح له ـ فاتجه بدلّا عن الوطن إلى ولاية تكساس ـ ليعمل في إحدى أكبر شركات البتروكيماويات بها.
    في أول يوم عمل استقبلته مفاجأة سارة حيث اكتشف وجود "سندي" في المختبر الذي سيديره، وهى شابة تشتعل حماسة وحيويّة وجمال، كانت قد زاملته عامه الآوسط كمتدربة في معامل الآبحاث التي تخرج منها توا وقد سبقته للعمل هنا منذ عام، فاتخذها دليلّه لعالمّه الجديد، وكم كانت سعادتها عندما علمت بانفصاله عن عُلا؛ فربّما تفوز الأن بما حلمت به يوما بأن يتخذها زوجة قبل صدمتها من قبل عندما عرفت أنه متزوج.
    أُتيحت لسندي الفرصة الأن لتشغل وقت فراغ رؤوف فاتخذته " البويفرند " لها في السهرات والمراقص وحفلات الشواء ورحلات المرح، ولتجعله يعيش حياة الشباب الأمريكية التي مازال لا يعرفها.
    انساق رؤوف في حياته الجديدة رغم ما يشعر به من خواء داخلي وفراغ عاطفي وحاجات نفسيه تحتاج لإشباع، لكن لا سبيل لإشباعها هنا.
    في أول فرصة يختلي فيها بنفسه ـ بعد ثلاثة أشهر من العمل نهارا والصخب ليلا؛ فقد سافرت سندي في مهمة عمل لأسبوع ـ جلس رؤوف إلى مكتبه ليكتب وعندما فرغ من كتابة ما أراد طوى الورقة ووضعها في مغلف وعطرّه وعندما همّ بإغلاقه تراجع وبدا له أن يسلمه بنفسه .
    في ذلك المساء الرائع ـ الذي استدعى كلّ تلك الذكريات لتشغل بؤرة تفكيره وهو في الطريق إليها، وكأنه يعيش دفئها من جديد ـ كان قد وصل ليطرق بابها!
- رؤوف؟!   "صاحت بها عُلا ممزوجة بمشاعر فياضه؛ اختلطت الدهشة وعدم التوقع فيها بالسعادة، وأربكتها المفاجأة فتسمرت مكانها".
- ألّا أدخل؟    "تسآءل متحيرا"
- لا لا بل تفضل فهو بيتك.  "قالتها وكأنها كانت في انتظار تلك اللحظة"
دخل رؤوف، جال ببصره في أرجاء المكان، لم يستغرب منه شيء، كأنه لم يغادره مطلقا، فهو من أسس معها كلّ شبر فيه.
 قبل أن يجلس أجج دهشتها بقوله:
- عُلا .. أتتزوجيني ونعد معا واحدا؟!
أربكّها عرضه، فأخذت تدور حول نفسها كمن تاه لبُها، وأغلقت المشاعر أبواب تفكيرها وأنعقد لسانها، فلمّا أفاقت استمهلته برهة لتعود من فورها بمظروف مغلق قد أخفت كثرة الأختام التي وصم بها ماكُتب على وجهه وقالت:
- هاك ردّي!
عندها تذكّر خطابه الذي نسيّه من فرط حماسته والذي طار ساعات خصيصا ليسلمه لها يدا بيد.
- ماهذا؟   "قالتها وهي نافدة الصبر وقد شرعت مباشرة في تمزيق غلافه من لهفتها ولم تلحظ أنّه مفتوح، لتقرأ بصوت عال:
- إلى نبع الحياة وكلّ مياه العالم، رفيقة الروح ودفء الشمس ، إلى من هي لي كلّ أشعار العالم؛ فلم أكتب الشعر قبلك وتاه الحرف مني بعدك ، فأنت في حياتي كالقصيدة ...
وأكملت قراءة ما كتبه شعرا :
لمّا قابلتك وقعت عيني على بسمه لعينك
ومع لمسة إيدك أتفتح الثغر بهمسه تحييني
اتكهربت
أخرجتيني  من صحرا عتمه جدبه1  لنهر عريض
تجري فيه الميه الصافيه بكتره2  ومعينها مديد
والميه حلوه وعذبه منظرها يشوق كلّ وريد

بعد ما خدت3 الرشفه الأولى وعرفت الطعم فريد
وجرى في دمي وغير حالي وأشعرني بأني جديد
ليه بتصديني تمنعي عني الرِي وتقولي ما في مزيد

ليه وصلتينا لكده4 أصـلا مع إنك عرفتيني أكيد
وكمان عارفه الطعم في نبعك اللي5 خلي النهر فريد
واني أول ما ح6 اشوفه ح أغرق فيه وما أحيد
وما حطلب منك نجده ولاح اسأل حتى برّ وحيد
ليه بتصديني تمنعي عن الرِي  وتقولي ما في مزيد
أن كنت طمعانه7 في إحساسي ومشاعرى وقلبي تاخديهم
دول فلتم8 مني من بدري وسكنتي جوايا9 أكيد
علشان كده مش قادر أترك إيدك
أو أبقا10 عن نهرك شبر بعيد
شديني أرجوكي  , ولنهرك أخد رشفه تحييني سعيد
 أوعي تصُديني...  أرجوكي ما تقولي  مافي مزيد
وساعتها يتغير حالنا ، لا أنتي ولا أنا يبقى شريد
والصحرا تصبح جنّات  يرويها نهرّك بالتحديد
ومشاعري ومشاعرك يعملوا ثوره تطرح11 كلّ جديد
والكل يقلدنا واصبح وياكي12  في نشوة نعمل غنوه ونشيد
بمجرد ما انتهت من قراءة رسالته حتى شجعته على فتح مغلفها قائلة :
- دورك الأن لتقرأ رسالتي التي لم تصلك ورُدّت لي، كنت قد أرسلتها لك بعد أسبوع واحد من فراقنا فلم أحتمل الانتظار أكثر.
وشرع من فوره يقرأ:
حبيبي رؤوف
    كنت قد قررت انتظار عودتك لي مرة أخرى دون دعوة مني ـ مها طال الوقت ـ عودة الحبيب الذي عشقته، طالبا يدي لنبدأ حياتنا من جديد على أساس مختلف ـ وأنا أعلم أنك كنت ستفعلها من تلقاء نفسك ـ فما نشأ بيننا منذ أن ضمنا بيت واحد، وإن بدأ بالصدفة وعلى غير تدبير منا، إلّا أن المودة والرحمة التى سادت علاقتنا منذ أول لحظة لنا معا قد غرست في قلوبنا بذرة حبّ لطالما رويناها سويا، فظلت تنمو وتتعمق حتى أصبحت حبا كبيرا مغلفا بالتقدير والإمتنان المتبادل، وأضحت أروع ما مر بحياتي .
 ولكن .. ولكن ظلت هناك هواجسي الكامنة والتي نغصت كثيرا علىّ الأستمتاع بما نحن فيه من سعادة، حيث كانت الصدفة التي جمعتنا، قد ألقت في روعي أن زواجنا ماهو إلا تبادل مصالح مؤقت مرهون بمدّة البعثة، وكمّا علمت أنه كان هاجسا لديك أيضا، ولم تفصح عن عكسه ونحن معا  حيث قلت لي في قصديتك التي تركتها لي وأنت مغادر :
ولقيتني بقولك من يوم ما عـرفتك
وانطبعت جـوه في قلبي صورتك
وسكن صوتك ودني13 وقفل الأبواب،
خليني فـي قلبك، توأم روحك ...
مشدود لك، مطمـن14 إني قـربك،
حاسس بدفاكي، وعارف إنك دايما في حِمايا .
** خايف من أيه؟!
خايف إن الغجـريه15 تاخدني
أو إن الندّاهة16 تاخدك،
وافتح عيني على لحظه أتوه فيها
والاقي17 دوامه بلعتني18؛
علشان مبقتـش19 في بحـر عيـونك .
وكمان يمكن تحـرمني الدنيا إني القاكي
 أو تـرجعلي أيامي معاكي.
تعـرفي لـو حصـلت؟
وبعـدتي عني لحظه طالت أو قصّـرت..
بارجع تاني ليتمي
وأشوف عفاريت السكه20 جيالي21
بتغيـر معالمها،
فاتـتوهي وما أعـرف أمسك إيدك تاني
ولا حتى اتعلق بمعيشتي فـ وجدانك .
والأيام من لحظتها تعاقبني
علشان فرّطت فـ نهـر حنانك،
وسمحت لإيدي تبعد عنك ويتوه عنوانك.
واستمرفي القراءة ليكمل ما كانت قد كتبته :
وكما ترى فهذا الذى تخوفت أنت منه كان أيضا هاجسي في أن أُحرم من تلك السعادة الغامرة التي كنت أعيشها معك، وكان لابد لي من أن أستوثق أن زواجنا حقيقة لابد من التمسك بها والدفاع عنها، وأن استمرارك معي هو لذاتي وليس لضرورة فرضتها الظروف،
من هنا كان قراري الذي اتخذته اختبارا لقوة حبنا، وتقديرا لمدى صلابته.
رؤوف
 كم حدثتني نفسي لحظة الفراق أن أعود لأرتمي في أحضانك متشبثة بوجودك في حياتي، وإني لأعترف لك الأن أني قد كابرت في موقفي الذي اتخذته والذي لم أستطع الصمود فيه أمام قلبي وعقلي سوى أياما قليلة، بل كم ندمت على قراري بتركي أياك لتبتعد عني اصلا،
و ها أنا اليوم أكتب لأرجوك أن أعود إليك ـ ليس هذا فقط ـ بل ها أنا ذا أردد كلماتك التي تركتها لي فى قصيدتك الصادقة الرائعة، ويمكنك اعتبارها صادرة عني وأقول لك ما قلته لي :
عاوزك22 لما تنامي نامي على صـدري
أو حتى أنام على صـدرك
تبقى اللحظه إللى قلوبنا فيها تـرتاح؛
تنسى خوفها من شبح الفـرقه إللي مداوم يظهـر ليها .
يفضل خدي أو خدك؛
 حارس أحلامنا ما تسرقها أشباح الأوهام
وعشان نتأكد ..
 عاوزك تـرجعي تاني جـوايا، في مكانك!
أيوه الضلع المشهور إيّاه !
أو حتى أدخل جواكي ، وفـ جلدك تخفيني
وما اعيش أبداً تاني خايف مقهـور.
من لحظتها لا الغجـريه ولا الندّاهه
ولا حتى طريق مسعـور يبعـدنا،
أصل ساعتها تفضل رجلين واحده شيلانا23
لطريق واحد نمشى،
وتبقى السكه ضمّانا لحصن أمان نـرسـي.
أرجعي جـوايه، أو أخفينـي فـ جـلدك
خليني مطمن إنك زيّي24 حـريصه
إن سكتنا تفضل واحده وماليها فروع،
والغجـريه نغيـر لها سكتها؛
تبعـد عنا ويبقى ما بيني وبينها دروع.
أمّا النـدّاهـه، نشوف لها نـدّاهـه تاخدها؛
والأمل العايـش جـوّايه يتحقـق
ولحبك وحنانك ودفاكي أبداً ما أجـوع .
... 
أنهيا عُلا ورؤوف أمورهما في تلك المدينة، واستقلا الطائرة مرة أخرى متجاورين متشابكي الأيدي وقد تملكتهما السعادة بأن عادا زوجا وزوجة،
في التفاتة شوق اختلسا قبلة سريعة كافأ كلّ منهما بها الأخر وهو يقول في نفسه عنه:
 " إنه يستحق !".

---------------------------------------------------------

ما يقابل كلمات العامية المصرية التي وردت بالنص في الفصحى:
1- جدبه = جدباء 2- بكترة = بكثرة  3- خدت = أخذت  4- لكده = لما نحن فيه.
5- إللي = الذي 6- ح = سوف 7- طمعانه = تطمعين 8- فلتم = أفلتوا.
9- جوايّا = داخلى 10- أبقا = أمكث 11- تطرح = تثمر 12- وياكي = معك.
13- ودنى = أذني 14- مطمن = مطمئن 15- الغجرية: فى الفلكلور المصري = الغازية وهى واحدة من رحّل يجوبون البلاد وقد يعيشون مهمشين على أطرافها، يرقصون فى الأفراح ويحدث أن يغري بعضهن بعض شباب البلد أو القرية ورجالها ليتبعونهن تاركين زوجاتهم وأهليهم ليرحلوا معهن مسلوبي الأرادة والألباب متوهمين أنه الحب.
16- الندّاهة: أسم يطلق على كل ما يغري المرأة بالأنشغال به عن زوجها أو أهلها أو حياتها والانصراف إليه.
17- الاقى = أجد 18- بلعتنى = ابتلعتنى 19- مبقتش = لم أمكث 20 – السكة = الطريق.
21- جيالي = تأتيني 22- عاوزك = أريدك 23- شيلانا = تحملنا 24- زيّي = مثلّي.

************************************************
نصوص رائعة لأديب قدير  متمكن كل نص منهم يحمل فكرة متميزة
تم الغوص فيها بحرفية عالية  ..
دمت مبدعا متألقا اديبنا القدير  .. 

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم