طيبة القلب - مجموعة قصة قصيرة - بقلم الأديب/ مهران سلوم - سورية

قصص قصيرة بقلم الأديب/ مهران سلوم - سورية
.

مقدمة :
تظل القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب ألى الأديب  و القاريء رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..
والقصة القصيرة أختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته.
************************
النص الاول:
اقتناء الله
 يا بُنيّ:
- اذهب إلى غني الحيّ، إنّه جالسٌ في نهاية الزقاق، هو مختصٌّ بتصليح الأحذية الجلديّة تراه مفترشاً الأرض، ويضع "مكنة" الحياكة أمامه .
يا أبتِ :
- صحيح أنَّ سكان البلدة كلّهم ينادونه بهذا الاسم، ولكن، كيف يكون غنياً إن كان لا يسمع، وقليلَ الكلام، ورثَّ الثياب ويسكنُ في غرفة مقدَّمة من أهل الحي؟! , لم تشأ الأوقات أن تقصّ عليّ قصّته من قبل ؟
يا بني!  تعالَ أقصصْ عليك حكايته :
- إنّه رجلٌ يُضرب المثل في صبره وإيمانه، كان غنيّ الحي مقتدراً , يملك مالاً وفيراً وأولاداً وامرأة مطيعة , وفي ذات يوم شتويّ قاسٍ انتبه الغني إلى الأوضاع القادمة إلى بلدته، مثله مثل كثيرٍ من أبنائها , جمع أهله وماله في سيارة ومضى بهم يبتعد عن السيول والفيضانات الجارفة، وكان الله مقدراً عليه أن يمتحنه، سارت سيارته بسرعة وإذا بعاصفة مطريّة قويّة تعترضها , لحظاتٌ وفقد السائق السيطرة عليها، فهوتْ في النهر، وغرق كلّ من فيها، وجرفتهم المياهُ القويّة.
توفيَ كاملُ أفراد عائلته، وذهب المال كلّه ولم ينجُ إلّا هو , فتراتٌ وفتراتٌ وهو يخضع للعلاج في المستشفى، وبعد أشهر استيقظ من غفوته كان فاقداً السمع والنطق وكانت ذاكرته ضعيفة، رعته الدولة حتّى استعاد شيئاً منها، وبدأ يقصّ علينا ما حدث.
يا بني! قريته أصبحت تحتَ الماء ومعها ذكرياتُه كلّها ورزقه , جاء إلى حيّنا أسكناه تلك الغرفة وأقرضناه تلك الآلة التي يعمل عليها , له عزةُ نفسٍ ليس لها مثيلٌ، رفض أن يأخذ ليرة واحدة إلّا على اعتبارها دينا منّا في رقبته , وها هو على هذه الحال منذ سنواتٍ يعمل على آلته ويكسب عيشه , لا نراه إلّا في المسجد في أوقات الراحة وعند النهار يجلس للعمل فالذي ينظر إليه يأخذ البركة من وجهه .
تحدّثه لا ينطق إلّا بكلماتِ الإيمان والرضا لما أصابه، نعم يا بنيّ، إنّه غنيّ الحي، وهذا هو غناه .
ولا تراه يقول إلا جملةً واحدةً (إن أحبَّ الله عبداً ابتلاه وإن أحبّه الحبَّ البالغ اقتناه، قالوا : وما اقتناه ؟ قال : لا يتركُ له مالاً ولا ولداً).
ولسانه يصدح بالتسليم لما آل إليه حيث يقول :
- اللهم اجعلني من الذين اقتنيتهم يا أرحم الراحمين.
***********************
النص الثاني:


طيبة القلب
إنّها ساعاتُ الصباح الأولى , يا إلهي لم تهدأِ العاصفةُ بعد , الثلوج تكسو كلّ شيء، كتفاي لا أشعر بهما من ثقل هذا الحطب، لديّ أبناءٌ يحتاجون إلى التدفئة في هذا الطقس البارد .
آه ...عندما أنظر إلى جلدي وأجده متشقّقاً  كأخاديد الطبيعة أتأسّف لهذا العمر الطويل كيف مضى!! , كم هي متعبةٌ هذه الحياة , المنزل مازال بعيداً، ويداي جافّتان قاسيتان من هذا الحبل اللعين , كم فكرةٍ راودتني.. إنّه الروتين المقيتُ الذي يجتاحني ماذا أصنع لأكسره !.
مهلاً مهلاً .. ما الذي أراه أمامي !!
سيّارة معطّلة، المكان خالٍ , اقترب يا رجل قد يحتاجون إلى المساعدة !.. ولمَ أساعد؟ لكي يقولوا شكراً لا لا...
هذه وسوسة حرام، يجب عليك أن تساعد ...
ولكن، ألن ألحق بأبنائي قبل ذهابهم للمدرسة ؟
نعم ..نعم أمّهم تكفيهم اليوم.
زوّدتهم بمصروفهم منذ البارحة، فلا يحتاجون شيئاً .
اقتربت رويداً ..رويداً من النافذة وألقيت التحيّة على مَنْ بداخلها , مسحتُ النافذة وإذ بامرأة ثلاثينيّة، التعبُ بادٍ على وجهها ..
قلت لها :
- صباح الخير، لا تقلقي، أنا "جابر" من سكان البلدة القادمة، أومأتْ برأسها دون إسماع صوتها , لا عليكِ.. "قد تكون خائفةً , فلا بيتَ ولا إنسانَ في كلّ المعمورة ", أنزلتُ الحطب عن كاهلي، ورفعت لها "هويّتي" , ابتسمتْ ابتسامةَ المتردّدة، وفتحَتْ باب سيّارتها، لم يكن أمامها إلّا أن تثق بي،  فالمكان مقطوعٌ تماماً.
وردت عليَّ على عجل :
- صباح الخير، سيّارتي معطّلة منذ ساعتين، ولم استطع التواصل مع أحد .
طمأنتها، وقلت :
- سألقي نظرةً عليها، لا تقلقي، بإذن الله سأصلحها لك. شمّرت عن ساعدي وبدأتُ بالعمل , كان الدولاب الأماميّ خارج الخدمة، وكهرباء السيارة تلفظ أنفاسها الأخيرة .
بعد قليلٍ من الزمن دارتِ السيّارة، نظّفت الثلج، وقمتُ بدفع السيّارة بيديّ، والحمد لله تحرّكت , شكرتني كثيراً، وفتحت حقيبتها وعرضت عليَّ المال مقابل ما صنعت, رفضتُ رفضاً قاطعاً، وقلت العبارة المشهورة التي تتردّد دائماً على  لساني " الناس بعضُها لبعض "
مضتْ بسيّارتها مسرعةً وأنا عدتُ إلى حطبي قاصداً منزلي  , استقبلتني زوجتي بوابلٍ من الأسئلة، قصصتُ عليها ما حدث، لامتني كثيراً بقولها المعتاد :
- " قلبك طيّب، ولن تجمع المال في حياتك" .
تأفّفتُ وتبسّمتُ كعادتي بعد كل زفّة من زفاتها اليوميّة , ومن بعدها دَخَلَتْ إلى المطبخ، وأنا بدأتُ بتقطيع الحطب. .
ساعاتٌ قليلة وهاتف المنزل يرّن، الصراخ بدأ يعلو، تركتُ فأسي، ومضيتُ مسرعاً مخاطباً زوجتي :
- ما بالك يا امرأة !
     ما الخطب ؟
ردّت عليَّ بصوتٍ قلق :
- ابنتك "سعاد" وقعتْ من أرجوحة المدرسة، وهي في المستشفى بحالة إغماء .
لبسنا على عجل، ومضينا تائهين مشوشين على وضع ابنتنا، وصلنا إلى قسم الإسعاف نسأل عنها ؟
استقبلونا على الباب قائلين:
- إنّها في غرفة العمليات
استفسرنا عن وضعها، فردّوا علينا قائلين :
- أصابها ارتجاجٌ في الدماغ، ويتطلّب الأمر إجراءَ عمل جراحيّ على وجه السرعة.
يا ربّي .. إنّها بين يديك طفلةٌ صغيرةٌ، نجّها لنا كنّا ننتظر على أحرّ من الجمر حتى يأتيَنا الخبرُ وبعد خمسِ ساعاتٍ خرجت الممرّضة من غرفة العمليّات كانت تسير مثقلةً وكأنّ على كتفيها أوزاناً من الحديد من كثرة التعب، تنهّدت أمامنا، وقالت :
- أنتم أهل الصغيرة ؟
 فأجبتها :
- نعم، أنا أبوها طمئنينا؟ ما الوضع؟
- الحمد لله، نجتْ بأعجوبة، والفضل كلّ الفضل للطبيبة "ريم"، لولاها لما نجت ابنتُكم .
حمدنا المولى كثيراً، وسألتُها عن الطبيبة لأشكرها.
- دقائقُ وتخرج .
لم ينتهِ حديثها، وأشارت الممرّضة إليها، وقالت :
- ها هي الطبيبة قد خرجتْ منقذةً ابنتكم، تلفتُّ بجسدي إلى المخرج، وهنا ابتسامةٌ مصحوبةٌ بتعجّب على وجهها ووجهي مشت إلينا بخطوات التواضع والراحة، يا إلهي !!
وخاطبتها قائلاً :
- هذه أنت !!!
ابتسمت وقالت :
- أنت والد الصغيرة !!
هززت رأسي، نعم، إنّي والدها , لم أعرف كيف أشكرها، وزوجتي تنقل رأسها يميناً وشمالاً، لا تفقه ما الذي يحصل أمامها.
جمعت حروف الامتنان، وشكرتها.
قالت الطبيبة :
- لو لم أصلْ في الوقت المناسب لما نجت ابنتك، والفضل يعود إليك .
ومضت إلى مكتبها، نظرت زوجتي إليّ، وقالت :
- من هذه؟ وكيف الفضل لك ؟!
 قلت لها :
- ألم أروِ لك في الصباح عن امرأة أصلحت لها سيارتها، ورفضت أن أتقاضى منها شيئاً.
قالت :
- نعم .
قلت :
- هذه هي الطبيبة "ريم"، نعم "ريم" منقذة ابنتي .
يا الله ما أعطفك وأرحمك نعم أنا جابر صاحب القلب الطيب أحمدك وأشكرك ربّي أنت العالم بخافي الأمور لا اعتراض على تدبيرك .
************************
النص الثالثة:
الدنيا وبهجتها
يا أبنائي! إنّي مودّعكم وناصحكم، فاليومَ أنا بينكم وغداً سيأخذني المولى إلى عنده , سأروي لكم قصّتين هما زادي في الحياة الدنيا، فخذوا العبرة منهما .
في يومٍ من ذات الأيام حين كنت شاباً  أفتخرُ بقوتي وجمالي , لبستُ ثيابي النظيفة وسرّحتُ شعري ومضيتُ رافعاً رأسي عالياً أسير سيرَ الطاووس الزاهي بنفسه , وإذ بجارتي في نهاية الرواق تفتح باب بيتها، وتعالجني بكيس قمامةٍ يصيب رأسي , ويلطّخ لباسي كلّه،  أصبحت بين لحظة وأخرى كحاوية مهملات بتنوّع قذاراتها, والحادثة الثانية بعد سنواتٍ مضت من حياتي، ذهبتُ إلى قريتي وكعادتي حملتُ معولي، ومضيتُ إلى أرضي , وتعرفون يا أبنائي أنّ البستان كان على شكلِ مدرّجات، اشتدّ الحرّ عليَّ، فلجأت إلى طرف السفح مستلقياً في ظلّ الساند الحجريّ , وأخذ النعاس بي، وغرقتُ في نومٍ عميقٍ ولم أستيقظْ إلّا بمياه تتدفّق فوق رأسي , فتحت عينيّ فإذا بجاري في البستان المجاور يبول عليّ دون أن ينتبه، لم أقاطعه أنهى فعلته! ومضى .
يا أبنائي! هذه هي الدنيا، فهل وصلت حكمتي لكم .
************************
نصوص جميلة معبرة أبدع الأديب في استثمار أدواته بالشكل الذي يعود على النص برونق جميل.
دمت مبدعا متألقا اديبنا القدير


0/أكتب تعليق

أحدث أقدم