هدية - مجموعة قصص قصيرة - بقلم الأديبة / زهراء ناجي - العراق

بقلم الأديبة/ زهراء ناجي - العراق



 القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته في الغوص بأعماق أفكاره..

************************************************
1- هدية
بعد ليل ممطر وعاصف؛ كان من الصعب السير في شوارع قد امتلات بالوحل والطين، إذ لاتسلم من رشق السيارات المارة من جانبيك.
حاولت أن أسرع قبل أن يرن جرس المدرسه برغم أن قدميّ قد غرست مرات عديدة في الطين، وحتى ثوبي قد اتسخ، ذلك الثوب الذي حفظني مدة عامين وأنا حفظت حتى قماشه المهترئ الذي بهت لونه وخرجت  الخيوط من جوانبه،  وذلك الثقب الصغير الذي أحدثه مسمار لعين قد نبت في الباب هيأ لي أنه قد أخرج رأسه ساخرا من رداءة ثوبي.
حاولت أن أزيل ماعلق في حذائي العتيق   بعد أن تجمعت بعض الطالبات لشراء بعض السكاكر وقطع من الكيك،  وأنا التي لم أتذوق شيئا من الطعام منذ الامس.
 كم تمنيت أن أضع قطعة الكيك الشهية  في فمي متلذذة بطعم الشوكولا التي  تسيل من شفتي.
كانت الطالبات قد تجمهرن وهن يتجاذبن الحديث، حاولت أن أسترق السمع متحاشية النظر لهن، فكل واحده تتباهى بما قدمت لأمها من هدية  في عيد الأم، وكم ضحكت من تلك التي اشترت علبة من الحلويات وبالتالي أكلتها كلها، وهذه التي لم تجد شيئا فجلبت كيسا من الخبز.
كان الوقت يمر وأنا أستمع لهن. تلاحقت الأفكار في عقلي،
ماذا أهدي التي حملتني بعد وهن، التي أخذت من جمال وجهها لأجعل منها رمزا بين أمهات العالم أجمع
سوف أدخر شيئا لك ياأمي
همست في سري
(سأشتري لك قنيتين من ماء الورد وخمس أعواد بخور )
عندها صرخ بوجهي بكل غضب العالم وجبروته
ضعي علب العصير في الثلاجة وابدئي بتنظيف الدكان.
لازلت ألتفت إلى الوراء،
فأنظر كيف حملن حقائبهن على ظهورهن ودخلن باب المدرسة.

************************************************

2- مرثية نفس

زيارة خالي لنا بمثابة عيد بالنسبه لي فور وصوله  من البصرة ينهال علينا بالهدايا والحلويات
ويبدأ بممازحتنا واللعب معي أنا وأخي الذي يكبرني بسنة واحدة
كنت وقتها بسن الخامسة

خالي رجل له هيبة وجبروت يمتلك من الثقافه الكثير رغم أنه قليل الكلام، لكنه عندما ينطق كأنما نطق الحجر وخرج الكلام من فمه له وزن وثقل .رجل وسيم الطلعة له سحنة سمراء لون شعره كحبر أسود تخللته خصلات بيضاء تناثرت هنا وهناك . عيناه واسعتان نجلاوان، عندما تنظر إليهما كأنك قد غرقت في بحر أبيض،
عريض الكتفين، سامق الهامة عندما أرفع بصري نحوه أجده قد حلق مع السحاب
  عندما نجتمع معه في الليل  يبتكر لنا ألعابا تثير في داخلنا التحدي، ومواجهه الخوف وسرعة البديهة والذكاء. في وقتها كنت أحسبها ألعابا عجيبة وغريبه،لأنني  لم أمارسها قبلا.
من بين تلك الألعاب  لعبة يختبر فيها مدى قوتنا وشجاعتنا،
فيطلب منا أن نجوب الحديقة الخلفية من دارنا التي لم يكن فيها أي مصباح ينير ذلك الممر الطويل الذي يؤدي إليها، والأغصان المتشابكه التي تعيق الطريق في الممر الموحش الممتلئ بأنواع الحشرات  ودبيبها ونقيق الضفادع وتقافزها على الساق ونهام البوم في  الظلام الدامس.
ربما شجاعة مني كنت أتصدر أي تحدي برغم صغر سني. احببت المغامرة والتي كنت أدفع ثمنها بالوقوع  في مشاكل جمة لتكون نهايتها صفعه من كف أمي، أو في أحيان كثيرة تغرس أسنانها القوية في زندي،
فأواجه خوفي بكل مافي داخلي من شقاوة  طفلة لايتجاوز طولها  المتر.
رويدا رويدا داخل ذلك الممر  دون أن ألتفت ورائي أتقدم لأحث خطواتي على الإسراع تتسابقها أنفاسي المتسارعة التي كادت تخرج من صدري، لم يكن في ذهني غير الوصول إلى نهاية الممر بأسرع مايكون  متحاشية رفع رأسي حتى لاتتزاحم الصور في مخليتي الصغيرة، فربما أواجه ساحرة تتربص بي أو جنية تريد أن تسرق مني روحي.
عندما وصلت كان خالي وأخي  ينتظراني فما كان مني إلا أن قفزت مهرولة لاحتضان سيقان خالي، وهو يصفق  لي ويثني على شجاعتي فأنفجر ضاحكة وأنا أحاول عبثا أن أسيطر قدر المستطاع على خوفي الذي غلبني والذي كنت أجاهد كي  لايظهر لأحد.
الخوف الذي تمكلني وواجهته وأنا صغيرة هو نفسه الذي رافقني الآن بجانب سريري ساخرا من وهن جسدي.
كنت أتصنع  شيئا من القوة وأنا أواجه نزعات المرض.
لازلت متمسكه بخيط أبيض يأخذني إلى شعاع الشمس، شيء من الحقيقة وشيء من الخلاص
عندما يتلاشى الظلام من حولي ليعود النور يبتلع آخر ظل يحيط بي ليقيدني.
تلك الصورة لن تبرح مخليتي أبدا
صورة خالي الذي علمني كيف أواجه مخاوفي  وأنا طفلة.
ذلك الجبل بكل جبروته وعنفوانه وقوته ذلك الأبي الذي صرعه المرض وهو في سن الخامسة والثلاثين من العمر.
 كان صامدا قويا ومبتسما حتى عند سكرات الموت،
ليترك شيئا في داخلي يظل يصارع حتى يحظى بسلام النفس

************************************************

3- جذور مقطوعة

المكان هادىء عندما فتحت عيني، كانت أمي تنادي علَيَّ حتى أصحو من نومي

_تأخرت على الدوام يا جلال.

أُحس بجسدي لا يقوى على الحركة، كائنات مضيئة تحوم حولي، ثيابها في غاية الروعة، أحكمت السيطرة على صدري، انقضت على رئتي، وأصابع تتشبث بالحياة، ومد الظلام سيفا يقطع الأنفاس، صوت أمي يدندن بأغنية حزينة ورجفت حبالها الصوتيه تبكي دون دموع ..

صباح ١٦/يناير كانون الثاني /٢٠٠٧ /بغداد
وسط الزحام وعويل السيارات، حاولت أن أشق طريقي واستقل الباص للذهاب إلى الجامعة، مضت أربعة أعوام على سقوط نظام صدام، ومنذ ذلك الوقت والقوات الامريكية تجوب الشوارع بين فترة وأخرى، والمخاوف التي تعلوا القلوب في أي حركه غير مسوؤلة؛ تؤدي بحياتك بكل بساطة ببندقية الجندي الأمريكي المُحتل.

تلك المدينة التي كان القانون يسري في كل جوانبها، أصبحت دون حكم، يُطال الموت أبناءها  في الانفجارات أو سلسة الإعدامات التي تمارسها بعض الجهات المعينه تحت طائل التصفيه الطائفية، رؤية الدمار يغطي المكان، وكل شي أمامك أصبح مشوها حتى الاحلام فيها
حاولت أن أُنهي محاضراتي بسرعه لأمضي لمُلاقاة حبيبتي (سارة ) ابنة خالتي، أول فتاة في حياتي أحببتها منذ كنا صغارًا، نلعب في باحة بيت جدي الذي احتضن طفولتي، كنت أكبرها بعام واحد،   ربما لكثرة خوفي عليها من أي يد تطال براءتها، وضعت اختياراتها الجامعية فكان مكانها بنفس الجامعة التي ادرس فيها، برغم نحول جسدي وشكلي الباعث دوما للحزن، فقد حفرت سكين الشقاء على قسمات وجهي فجعلته أكثر جديا.

 أما سارة الربيع لحياتي سكينة الليل بالأنغام الهادئة بلطفها وجسدها المملوء بعنفوان الشباب، وذلك البريق المذهل الذي يصدر من عينيها الزرقاوتين، أمامها أكون مُرغما على الاستسلام، في وهج بريقها عندما أرى خصلات الشقراء المنسدلة على كتفيها تتطاير محلقة بالهواء لتلامس جبهتي، أقترب منها أكثر، أُحاول أن أحتويها خوفا وحبا وشيء من الجنون واللهفة،

_كم تحيرني نظراتك تلك الغامضة التي ترسلها عن عمد عندما تراني عن كثب.

_لست ناضجة بما فيه الكفاية ألا ترين عيونهم حولك، ألم أقل لك حاولي أن لا تضيء أكثر .

_آه من الغيرة، أنت ما زلت أميري الوحيد ولن أرى غيرك أبدا، فأطمئن يا كُلِّ الرجال، سأبقى أحبك حتى أرى شعرك الأبيض،
سأُطيل النظر وأغفو بأروقة الذكريات
وأسرد التفاصيل.

احصد الصيف معك عيد
لأزرع الربيع من جديد
في كل ركن في بيتنا الصغير
كان لي فيه تذكار
فمن غيري في هذه الدنيا تحبك اكثر
تحت تلك اللهفة حاولت ان امسك يدها الصغيرة
اتشح وجهها بنقاب طوق عنقي مددت يدي محاولا ان ابعد الوشاح الذي كاد يخنقني

كأن الصباح عاد من جديد وهدير الموسيقى يصدح في غرفتي، أطراف جسدي تثقل بشكل مفاجئ وضربات بعيدة تباغت الفراش، أنا نصف حالم أو ربما يداهمني النعاس مرة ثانية.
حاولت فتح عيناي من جديد، وجدت نفسي أمام غرفة أمي وهي تنبهني أن لا أقترب من ماكنة الخياطة.
يترائ إلي إني أرى والدي وهو يتناول غدائه، أنا الذي لم أره مسبقا فقط في الصور،   أبي رجلا مُثابرا بنى لنفسه احتراما كان يعمل ويدرس في نفس الوقت، اختار أُمي من بين بنات أعمامه، قد وجدها الحبيبة التي تكمل معه مشوار حياته، فهي تلك  الغزالة الجبليه ذات العيون الكحيلة هكذا كان يسميها
صوت طرقات عنيفة على الباب وأصوات تتعالى من الخارج، ابن الجيران سقط في مجرى تصريف المياه، أبي يهرول خارجا للمساعدة وأمي تمنعه من الذهاب لكن دون جدوى، تقترب مني تحتضني وهي متشحة بالسواد كفنا يوارى عليه التراب، هذا قبر أبي طالما كنت أزوره مع أمي في الأعياد.
حاولت النظر حولي، هناك من ينادي علي صوت يشق أركان بيت عتيق من البيوت البغدادية في باحة البيت، شجرة من السدر تتوسط تلك الباحة التي تحيط بها غرف البيت، ربطت على تلك الشجرة أرجوحة صنعتها أمي من بقايا خرق الأقمشة لتكون مكاني المفضل للعب في زمن طفولتي الغضة، كان الفقر يجري بعمق نهر العذاب في لجة الظلام،  كانت الحكايات سلوتنا وأمي تلك البارعة لا تقل مهارة من أي روائي، تجيد استغلال لحظات الخوف  والجوع في حكايات طويلة لتجعل من تعاستها حلم في نهايات سعيدة، كسر عمودها الفقري وهي منحية على ماكنة خياطة تخيط الملابس لتقوم بتربيتي في ساعات الليل الطويلة، وصوت الماكنة يدق مسامعي، في أحيان كثيرة، كنت أكره تلك الماكنة وأريد تحطيمها، كم كانت الحياة قاسية في أحلام ناقصة، ربما تختار لها نهاية أفضل وأصلح عسى أن أكون أنا ذلك السبيل لتلك النهاية،
كنت أُحلق عاليا بأرجوحتي، أحاول إمساك حلما من أحلام أُمي، اهتزت الأرض حولي، اهتزت وماجت، كان زلزالاً اجتاحه
صوت سارة في لجة الفضاء الشاسع

_انتبه يا جلال.
حشود كبيرة تهرول خوفا والدخان يتصاعد لا أرى شيئا حاولت تحسس مواضع جسدي، وسط فوضى من جثث متناثرة الصورة غير واضحة، غطى الدخان والغبار الملامح والمكان وجدت نفسي وحيدا.

سارة هناك  كعروس في ليلة العرس ناديتها حاولت الزحف إليها، نظرت إلي وهي مبتسمة وانسحبت إلى مكان آخر ...

ضوء شحيح أرى من حولي ،
كانت ملامحي كل ما يربطني في هذا العالم، أكل الانفجار كل تضاريس وجهي ونخر في زوايا اِتَّزاني؛ فلم أعد مثلما كنت
هل أنا ذلك  بطلا الذي ودعت أجمل حلم لله  حبيبة ؟!

هل ما زلت أحلم بمزيد من الحمامات ؟!
وهل تبقى لي روحا تتطلع إلى الجنة في قلب تائه ؟!
في صحراء، استفاق على صراخ أمه وموتها عند رأس ولدها المشوه،
افتقد باحة الدار والأرجوحة ورائحة الحساء في رمضان، وصوت ماكنة الخياطة أيام الجامعة واستجمع الكثير من حب الله، لأُرمم وجهي وارفع بصري نحو المرآة من جديد.

على السادة المسافرين التوجه إلى البوابه رقم ١٢ استعدادا لركوب الطائرة المتجه إلى ....
نظرت إلى بلد خلف الدمار
وحافظة ورق حملت كل أوراق العلاج وجواز سفر وصورة لأمي ....

تمت
القصة بنيت على احداث حقيقية
************************************************
نصوص جميلة، تغوص في الواقعية باسلوب بسيط متميز، الأفكار واضحة والسرد جذاب للقاريء، دام التألق والابداع اديبتنا المتألقة، موفقة دائما ان شاء الله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم