الحفيان سعيد - مجموعة قصص قصيرة - بقلم الأديب/ الطيب جامعي - تونس

بقلم الأديب/ الطيب جامعي 
- تونس


مقدمة :
وستبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته في الغوص بأعماق أفكاره..

**********************************************
1- الحفيان سعيد
كلّما مرّ به واحد من أولئك الصّبية المشاغبين هرول وراءه راسما بعض الأشياء الغريبة، و صاح منغّما صوته على إيقاع ضرب كفيه ببعضهما:

 الحفيان ولد الحفيانة...
 الحفيان العريان...
 الحفيان ولد الحفيانة...

 فيشير إليه بيده، هذه المرّة، لا ناهرا و لا متبرّما، بل محيّيًا شاكرًا. حتّى إنّه باغت أحدَهم، وضمّه إليه و أشبعه تقبيلا ... و بسرعة تنتشر الهمهمات هنا و هناك، و يفرّ البعض مولّيا، و ما تنفكّ شفتاه تردّدان:" حفيان و مهبول! مسكين! ...". و يرتفع في أعماقه صوت يردّد مقطعا كان يسمعه أحيانا و لا يدري له معنى قبل الآن، و يترنّم به مردّدا:

أنا العاري
أنا الكاسي

يا أهلي و يا ناسي

أنا العاري
أنا الكاسي

ثمّ يهرول إلى مأواه راضيا مغتبطا. لأوّل مرّة أحسّ بنعومة الفراش الخشن البالي، و لأول مرّ نام ملء جفونه. لم يحسّ بلذّة الحياة مثلما أحسّ بها الآن.

كم كان سعيدٌ متبرّما من الحياة ساخطا! منذ أن فتح عينيه لم ير غير الظّلمة الحالكة. جاء إلى الدّنيا عاريا، و ظلّ كما هو عاريا، لا تجد أمه ما تكسوه به سوى بعض الأسمال البالية التي كانت تجمعها من القمامة ككثير من "النّبّاشة" الذين يتخذون "النباشة" وسيلة عيش. و أكثر ما كان يميزّه عن غيره من التّعساء أنّه كان هو و أمّه لا يملكان ما يستر الأقدام، فتراه طوال الوقت، صيفا أو شتاء، يذرع الأرض حافيا.

بجهد جهيد كانت أمّه توفر بعض اللّقيمات التي لا تكاد تقيم أوده، فكان نحيفا عليلا تتلاعب به شتّى صنوف الأمراض... و ما إن شبّ قليلا حتّى ورث عن أمّه مهنة "النّباشة". غير أنّ حظّه منها لا يختلف عن حظها. فكثيرا ما كان يأتي إلى أكوام القمامة متأخّرا، فلا يظفر بشيء ذي بال.

هذا اليوم لم يكن كغيره من الأيّام. كان نشطا متحفّزا. لم يكد الفجر يُؤْذن بالانبلاج حتّى ألفينا شبحه يذرع الطريق الملتوية خارج الحيّ. كان عزمه شديدا في إيجاد شيء مهمّ هذه المرّة. وصل قبل الجميع. لم يسبقه سوى تلك الشّاحنات المزمجرة و هي تحمل أكواما من فضلات الميسورين. ترقّب حتّى غادرت آخر شاحنة. ثمّ انهمك بكلّ ما أوتي من همّة و عزم في النّبش.

نبش أولا بأصابعه الخشنة على صغر سنّه، و ما كادت الأصابع تغوص قليلا حتّى صدرت عنه صرخة مكتومة. "مَا يْهِمّشْ.. جرح صْغِيرْ" هكذا قال و هو يجدّد العزم بعد أن نفذت شظيّة زجاج مدبّبة عميقا حتّى وصلت إلى المناطق الحسّاسة من كفّه. بحث بسرعة عن خرقة. نفضها على حافة ساق كرسيّ  مرميّة بجانبه، ضمّد الجرح الغائر، ثمّ ربط كفّه، و انثنى ينبش من جديد، ولكن هذه المرّة استعان بتلك السّاق. كان في نهايتها "كالمعقاف"، فكان ذلك يساعده على قلب الأغراض و سحبها و الغوص عميقا في القمامة.
بدأت جموع النّبّاشة في التّكاثر، كلّما جاء واحد منهم تقلّصت حظوظه. غير أنّ عزمه لم يهن لحظة. أخذ نفسا عميقا. نفث في يديه ثلاثا... أعمل تلك السّاق المعقوفة في جانب من الكومة. ضغط بشدّة. سحب... سحب... علق المعقاف... استجمع قواه... سحب بشدة...

عيناه تكادان تخرجان من محجريهما تطلّعا. يا الله!... يا الله!.. فردة حذاء؟! ... و في حالة حسنة!.. كم أنت كريم يا رب!
بسرعة التقفها. وضعها جانبا... خاف عليها اللّصوص. ألبسها قدمه اليمنى... تبدو أصغر قليلا... لا يهمّ ما دامت تقي برد الشّتاء و حرّ الظّهيرة. أحسّ بنشوة غامرة.

 و أخيرا ودّعت قدمه خشونة الأرض؟ لكن هي فردة واحدة. عليه أن يجد الثّانية. نشط في النّبش... نبش كثيرا تلك الكومة. لم يعثر على أختها... انتصب.. مسح العرق المتصبّب من جبينه، فتلطّخت جبهته العريضة و عيناه، و غاصت في السّواد، حتّى لم يعد يُرَى سوى بياض العينين. مثلما غاصت ساقاه منذ قليل. ولكنّ الوهن لا يعرف إليه سبيلا. مازالت إحدى الجهات البكر. أنفذ عصاه في الكومة. سحب. سارع الوتيرة...

و أخيرا... لقد علقت الفردة الثّانية. انفرجت أساريره عن ابتسامة عريضة حتّى بانت أسنانه... تنفّس الصّعداء... نسي ما كان فيه. و بسرعة ألبسها اليسرى. و انطلق في طريق العودة فرحا فرحَ من وجد كنزا.

طوى المسافة بين القمامة و الحيّ بين هرولة و جري، ينظر إلى ساقيه معجبا. لم تعد قدماه تخشيان تلك النتوءات ولا تلك الحجارة المتناثرة هنا أو هناك. اختار طريقا أخرى بعيدا عن أعين الفضوليين. وداعا لتلك الأغنية الممجوجة إلى الأبد. سيرفع رأسه بين أقرانه، سيقول لهم بأنّه مثلهم. سيقف مرفوع الهامة و يحدّث أمّه عن بطولته هذا اليوم...

عند أحد المنعطفات يتجمّد الدّم  في عروقه. تتراخى عضلات ساقيه حتّى لم تعد قادرتين على حمله... يستند إلى الحائط. و بما تبقى له من قوّة يفرك عينيه. يحملق من جديد. الصّورة واضحة و غير واضحة. أ  واقع هو  أم كابوس هذا الذي يقتحم ناظريه؟! يرى صورته هو و أمّه ماثلة أمامه تماما: أمّ و ابنها حافيين يفترشان القارعة، يسألان المارّة. يا ألله! أنا هو!... هي هي! يحملق من جديد... يدرك الموقف جيّدا... يتساءل مستغربا:" هل في هذه الدّنيا من هو أتعس منّا؟!".
كانا على درجة كبيرة من التّعاسة و الفقر. تعجّب كيف لا يملكان حتّى ما يستر البدن: مجرّد خرق موضوعة بالطّول و العرض، بانت من تحتها مساحات كبيرة من جسديهما، فكانا يلوذان بالأرضيّة سترا للعورة. تجمّد لحظات في موقفه. حكّ جانب رأسه. فكّر، تريّث، ثمّ ألفيناه يتحرّك بثبات. يقترب من الطّفل. فتصدر عن هذا الأخير انكماشة. لعلّه ظنّ أنّ سعيدا يمكن أن يؤذيه كما فعل الآخرون. ولكنّ سعيدا ينحني، يخلع فردتيه أوّلا، ينفض التّراب عن قدمي الصّغير، ثمّ يضعهما داخل الحذاء. ينظر إليه، يبتسم له، فيرى انفراجة بين شفتيه نزلت على قلبه الغضّ بردا و سلاما. و تمتدّ أصابع سعيد إلى قميصه، يخلعه، و يناوله إيّاه مشيرا إلى ارتدائه. كلّ ذلك و الأمّ واجمة تنظر إلى ما يحدث غير مصدّقة. ثمّ تتدارك الموقف، فيلهج لسانها بالدّعاء:" ربّي يستركْ... ربّي يستركْ وْلِيدِي... قعدَتْ بلاشْ لباسْ...". ابتسم. لم ينبس ببنت شفة. فقط استدار، و أسلم ساقيه لطريق العودة...

 في الطّريق تفطّن إليه من بعيد بعض الصّعاليك الذين يعرفهم جيّدا.. هرولوا وراءه. و سمع منهم ما كان يسمعه من قبلُ، و لكن لم يكن متبرّما هذه المرّة، بل راضيا مغتبطا... قال في نفسه:" أنا الحفيانْ و أنا اللّي اخْتَرْتْ".

لمّا دخل على أمّه. قبّلها بين حاجبيها. انتحى زاوية. و على فراش خشن مدّد جسمه الطّريّ متلذّذا. لم يطلب غذاء و لا شرابا، لم يفكّر حتّى في تسويته قليلا كما كان يفعل. أغمض جفنيه، و استسلم لنوم عميق لأوّل مرّة.
كلّ ذلك يحدث و الأمّ تنظر و لا تفهم شيئا.

************************************************

2- عمّا قريب ستشرق الشّمس

تفتّحت عيناه و هو يتفرّس في الوجه المليح المنتصب أمامه و كاد حنكه يسقط من الدّهشة.و لعلّ ما أصابه انتقل إليها بالعدوى، فذهلت عيناها.
"خديجة" كما سمع من أحد أصدقائه صدفة. تلك الفتاة الّتي استعصمت بالعفّة و الشّرف رغم محاولات الشّبّان الملتوية للإيقاع بها كما أوقعوا بغيرها. سادت لحظات من الصّمت لم يقطعها إلّا حشرجات تناهت إليهما من الشّارع القريب العامر و إن كانت السّاعة متأخرة من هذا اللّيل.
انتفض كمن به مسّ، و زاد ارتباكه و هي تقترب منه شيئا فشيئا. و بكبرياء مصطنعة قال:" اقتربي ... اقتربي .. يا حلوى ". لم تستطع كتمان ضحكة ردّدت صداها الجدران فنثرت كبرياءه المترهّلة و جعلتها كالرّميم ،فقد كان ينوي أن يقول : يا حُلْوَة" .و لعلّها أدركت ما هو فيه فصمتت .

ألف "رزقي " المرور من الشّارع الذي تمرّ منه في ذهابه صباحا و أوبته من العمل بعد العصر. لم يكن بينهما تعارف. كانت حياته رمزا للاستقامة و الحياء . شابّ في مقتبل العمر، التهم العلم بنهم، طوى مراحل الدراسة في بضع سنين. و هاهو يتقلّد الوظيفة التي رسمتها أحلامه: موظفا في بنك.
غير أنّ فرحته سرعان ما نغّصها ما يحوكه حوله خلّانه. فكثيرا ما يلمزونه بمعدوم الخبرة بالحياة. أمّا تهكّمهم بخجله المفرط و خوفه من الجنس الآخر فقد أقضّ مضجعه، و خلخل كبرياءه. قال له "رامي" ، و هو أكثرهم تهكّما، مرّة:" ليلة الدّخلة اصطحب معك أمّك ، ستنهشك العروس !" ،
و يرسل قهقهته المشهورة في كامل الحيّ. ينكمش " رزقي" و يُغْضِي حياء بين جمهرة الأصدقاء الذين ينهشونه بضحكاتهم .
في آخر لقاء له بـ" لهلوبة" ، و هو اسم الشهرة لأكثر الأصدقاء مجونا، قال له و هما يسيران قريبا من أحد المنعطفات سيّئة السّمعة مُثَمِّنا ما اقْتُرِح عليه تكرارا:"نعم، لن تندم، ستنعم بشهد اللّقاء، بضع لحظات لا غير، و تودّع "الجبّة" التي تكبّلك إلى الأبد".

مرّ عليهما من الوقت غير قليل. ثمّ حدث خطب. دمعت عيناها، ينهار السّدّ، فتسيل الدّموع مدرارا.
و إذا بـ"رزقي" يخلع "الجبّة" و يربّت على كتفيها، يواسيها، و يطلب إليها أن تهدأ مستفسرا برويّة:"ما الخطب يا خديجة؟ ".

المكان يتنفس أبخرة. تنجلي غبارة البخور التي تعبق، فيصفو الجوّ شيئا فشيئا. و لعلّها أنِست إليه. فقد تذكّرت هي أيضا بعض ملامحه و إن بصعوبة. ثمّ تسترسل في الحديث.
عاشت " خديجة" حياة هادئة وديعة، فهي وحيدة أبويها. لم تعرف الخصاصة و لا ذاقت طعم الحرمان قطّ. لكن ما كاد بدرها يكتمل حتّى قلبت لها الدّنيا ظهر المِجنِّ، غيّب الثرى أحد جناحي العائلة. لم يمهل المرض الخبيث أباها طويلا. ثمّ تَكُرُّ الدّنيا كرّتها الثّانية، فتقصّ الجناح الثّاني، و تغدو "خديجة" ريشة في مهبّ الريح.
قاطعها " رزقي" :
- ولكن.. ولكن.. هل من الضروري أن تكوني من نزيلات هذا المكان العفن و أنت العفيفة الطّاهرة الشّريفة؟
- عشت في بيت خالي. و سرعان ما اكتشفت أنّه لم يكن إلّا شيطانا في زيّ ملاك، فقد رمى في طريقي بنات السّوء، أحطن بي من كلّ جانب. زيّنّ لي بهرج الحياة. كنت أدْفع أفكارهنّ بعنف و ثبات، و لكنّ الماء يفتّ في الصّخر الأصمّ.
و تسقط دمعة حارّة نزلت بمكان من قلب "رزقي" حرّك فيه الشّجون . لَأْيًا غالب غصّة البكاء. لم ينبس ببنت شفة، ولكنّ نظراته تستزيد في ظمإ و تلهُّفٍ. استمرّ الحديث ردحا. و ها هو خطابه يخرج ممزوجا بالرّأفة و العتاب و الاعتذار. قال يخاطبها و كأنّه يحدّث نفسه:
- إنّها الغواية، لعن الله أبالسة الجنّ و الإنس. لا ينبغي أن نلوّث الجسد الطّاهر مهما كان الأمر . فهو في الدّنيا رجس وهوان، و في الآخرة عذاب أليم. لابدّ من نافذة للأمل نستنشق منها عبق الحياة .
- قُلْن لي بأنّ الأمر لا مشقّة فيه و لا يستحقّ ذاك التفكير و التردّد. و ظلَلْن يردّدن ذلك باستمرار. فأقبل في النّهاية بالعمل في هذه الدّور. و لا شك أنّ خالي كان الأسعد بهذا القرار، فأنا الدّجاجة التي تبيض ذهبا. وجدته يشتري لي ببذخ ما يليق بهذه المهنة الجديدة، و يدفعه إليّ. و هي الملابس التي تراها الآن.
ينزع " رزقي" سترته و يلفّ بها الجسد شبه العاري. و يضيف:
- على ما أفهم هذه ليلتك الأولى.
- ليلتي الأولى، و زبوني الأوّل.
طأطأ و هو يردّد:" لم أكن يوما زبونا و لن أكون ". سألته مُغْضِية:
- ألا.. ألا تريد.. أن..أن تطفئ عطشك؟
- بلى، ولكنّني الآن أريده ماء زلالا.
- ألا حدّثتني عن أمرك. فأنا .. أنا.. لا أكاد أفقه شيئا.
و كالخارج توّا من القبر، ذاهلا، استرسل في الحديث بدون انقطاع. حتّى أنّه لم يكن يستمع إلى مقاطعاتها على كثرتها. تحدّث، و ظلّ يتحدّث ... و يتحدّث... أفرغ كلّ ما في جعبته من غرابة.
ثمّ يسود الصّمت من جديد. و تدور الخواطر في ذهنيهما ردحا. ثمّ تتوافق بشكل عجيب.

مع تباشير الفجر الأولى يتحرك شبحان في ذلك المنعطف. يُسمَع صوتٌ يلعلع آتيا من الخلف:" إلى أين يا بنت الـ...؟ أين تأخذها يا ابن الـ ... مالي!! .. مالي !! ..أبناء الـ..." . فينطلق صوت "رزقي" ثابتا واثقا: لا تكترثي ...لا تلتفتي إلى الوراء ...لا تلتفتي إلى الظّلمة، عمّا قريب ستشرق الشّمس ".
ثمّ تبدأ خيوط الشمس تزحف تدريجيّا على الكون، فتتوضّح الرّؤيا أمامهما.
ها هما يسيران جنبا إلى جنب و قد عقدا العزم على أن يواصلا الطّريق معا إلى الأبد تحت الشمس، بعيدا عن العفن.

************************************************
3- الثّلج يهرب من النّافذة

لم تقلقه تلك الرّقائق الإسفنجيّة النّاعمة المتساقطة حاملة معها بردا يجمّد الأطراف، و لا تلك اللّذعات من الهبّات الشّماليّة التي تكاد تطير أرنبة أنفه. فقد اكتسب جسده النّحيل مناعة ضدّ قساوة الطّقس في مثل هذه الأيّام الشّتويّة، فهذا الشّتاء الثّاني على التّوالي يمرّ على العائلة... لا انفراج في الأفق، و لا سند غير رحمةٍ من الله و بعض العباد العابرين للطّريق ليلَ نهارَ.

لأوّل مرّة يحسّ بتثاقل يسري في كامل جسده و يديه. تقدّمه بطيء متردّد. كيف ستستقبله عائلته؟ و ماذا سيقول لها؟... لم يسبق أن حدث شيء كهذا. و رغم راحة الضّمير الّتي تغلغلت عميقا فقد رَكِبته الهواجس، فأحسّ بصداع مضنٍ يكاد يفجّر رأسه الملطّخ بالوحل توّا، فبدا كفسيفساء في غير نظام. لعن الحظّ التّعيس... أخذ نفسًا عميقًا، ثمّ واصل طريقه.

قست عليه الدّنيا، فخرج منها ذات يوم بائس بعاهة حرمته صحّة البدن، و تركته فريسةً للأيّام. طلّقته المهن القليلة في الحيّ. كان يُجَابه في كلّ مرّة بالجواب نفسه:" و ما حاجتي بعامل ذي عاهة مستديمة. الأعمال شاقّة... لا بدّ من جسم ثور، و صبر جنّيّة... ِابحث عن عمل آخر يا صابر".

يا ألله!... كم كره هذه الجمل الممجوجة! ودّ لو عادت إليه عافيته ليعمل عمل عشرة رجال لأجل صغيريه... كان دائما يردّد بينه و بين نفسه:" كيف يمكن لشابّ في مقتبل العمر و كامل صحّته أن يكره الحركة و العمل و يؤثر البقاء في المقاهي أطراف النّهار و آناء اللّيل؟". و كان يكرّر باستمرار:" في الحركة بركة". آه!...  لو يستطيع أن يقف على ساقيه من جديد!... لو... ولكن أنّى له ذلك؟!

دقّات قلبه تزداد. تبلغ المدى و هو يقترب من المنعرج الأخير إلى مسكنه: بيت متكوّن من أربعة جدران من الطوب يعلوها سقف قصديريّ، و باب من بقايا خشب لملمها ذات يوم من إحدى حظائر البناء القريبة، و نافذة صغيرة تطلّ على الطّريق بلا مصراعين، مفتوحة على الدوام. انتصب البيت بعيدا في أحد الأطراف النّائية الشّماليّة، خلف تلك العمارات الّتي تغطّي بارتفاعها عين الشّمس، فترتفع الرّطوبة في البيت شتاء و صيفا. يوم حلّ فيه قادما من الرّيف البعيد اتّخذه سكنا مؤقّتا، غير أن العمر تخشّب هناك حتّى تزوّج....

كان يوما ثقيلا منذ بدايته. قضى ساعاتٍ دون أن يظفر بملّيم واحد، و لا تصدَّق عليه أحد بقطعة خبز و لو يابس. ظلّ على الطّوى. لم يكن مهتمّا لأمره، و إنّما كلّ همّه عائلته. ثمّ جعل الله من بعد عسرٍ يسرًا، فقد بعث إليه القدر كريما أجزل له العطاء... لم ينفق منه شيئا لنفسه. دسّ النّقود تحت طيّات ثيابه، ثمّ شدّ قطعتيْ قماش خشنتين إلى كفّين مفرطحين كما تعوّد، و انبرى يزحف و ينطّ مثلما كان يفعل في كلّ مرّة في ذهابه و أوبته منذ سنتين خلتا.
تسمّر هنيهة عند العتبة. حبس أنفاسه لحظاتٍ. أخذ نفسا جديدا. تقدّم. و ما إن ولج إلى الدّاخل حتّى هرع إليه ابناه. و ما لبثا أن تقهقرا بضعَ خطوات فَزِعين مستغربين. ثمّ تقدّما بعد أن هدآ قليلاً. و بسرعة راحا يفتّشان جيوبه و مخلاته يبحثان عن شيء يُقِيم الأودَ، و عيناهما لا تبرحان تقاسيم وجهه التي غيّبها الوحل، فيما كانت الأمّ عند الجهة المقابلة تذكّي النّار الّتي بدأت تخبو تدريجيّا دون أن تتدخّل. لم تتفطّن إلى ما هو فيه.

و بنظرات زائغة، وهو في مكانه مطأطئا راح لسانه يهمهم:
- آسف!.. آسف ولديَّ! ... ليس لديّ شيء... اليوم-
- أنا جائع أبي...
- و أنا أيضا...
- أريد طعاما... أريد طعاما... أبي!!... أبي!!
- و لمَ وجهك هكذا؟!..

يضمّ صابر ابنيه إلى صدره، يمسح على شعريهما هامسا:" اِطْمَئِنِّا. أنا على ما يُرام.. اُنظرا، سأعود من جديد إلى الشارع. لن أعود إلا مصحوبا بطعام. اِطْمَئِنّا...". نظرا إليه مشفقين و لمّا تزل يداه تنزّان. لقد كانتا مقرّحتين، فالبرد شديد، و طريق الزّحف إلى البيت على اليدين طويلة و مدبّبة خشنة.

على قطعة حشيّة مهترئة يعتدل صابر في جلسته. و انبرى يسترجع ما حصل و هو في طريق العودة.

عند المنعطف قبل الأخير لفت انتباهه مسنّ يطلب صدقة، و يلحّ في الطّلب. لم يسبق له أن رآه من قبل. فهو يعرف جميع الشّحّاذين و المتسكّعين، و حتّى اللّصوص و الخارجين على القانون. نطّت الخواطر إلى نفسه قبل ذهنه... ثمّ ألفيناه يقترب منه. و دون أن ينبس ببنت شفة قاسمه المبلغ الذي نقده إيّاه أحد الكُرَماء منذ قليل.
في حديث خاطف معه انطلق لسان المُسِنّ مفضفضا. عرف أنّه من الحيّ المجاور، و أنّه قد تقطّعت به السّبل لمّا تخلّى عنه ابنه الوحيد إثر خلاف حدث بينه و بين كنّته، سرعان ما تطور إلى خصام، فافتراق، فتشرّد.

يواصل صابر نطّه راضيا مرضيّا. و ما كاد يتقدّم قليلا حتّى أحاطت به زُمرة من الصّعاليك. كانوا يقومون بأشياء غريبة و ينخرطون في ضحك جُنونيّ، حتّى كانت تسليتهم الأخيرة أن سلبوه بقيّة المبلغ بعد أن لطّخوا وجهه بالوحل. لم يتدخّل أحد من المارّة المهرولين اتّقاء  شرّهم و برودة الطّقس.

تصفّح وجوههم... تفرّس في كل التّقاسيم... انتظر. لحظات مرّت عليه كالدّهر. انتظر استهجانهم، بل طوّحت به الهواجس إلى أبعد من ذلك. تخيّل أنّه ربّما سمع ضحكات سخرية و استهزاء...

كانت الأمّ تسمع دون أن تتدخّل، و كأنّها غير مهتمّة. ثمّ ما لبثت أن تركت الخشب جانبا. خطت بضع خطوات. و على مرأى من ابنيهما تنحني بإجلال. تزيل بقايا لثام عن وجهها، و تقبّل يديه المقرّحتين راضية مغتبطة...
 ثمّ تربّتُ على ابنيها مُطَمْئِنةً. قالت بأنّها ادّخرت من طعام البارحة ما يكفيهما هذا اليوم، و ستبقى هي و زوجها ينتظران وجبة العشاء.
لمّا جهّزت الأمّ الطّعام دعتهما. ولكن الوَلدان لا يتزحزحان قيد أنملة، و لا يتناولان منه شيئا. اضطربت قليلا. عاودت النّداء مرّات، فأقسما ألّا يُصِيبا منه إلّا بتقاسمه معهما.

رقائق الثّلج مازالت تتساقط بين الفينة و الأخرى و هي تلتفّ في دورات حلزونيّة. كلّما اقتربت من النّافذة ذابت و تلاشت، أو فرّت هاربة خجلى.
حرارة الغرفة تزداد ارتفاعا رغم برودة الطّقس و خفوت النّار. كانت العائلة تتقاسم لقيمات صغيرة بائسة، ولكنّها تسير في الحلوق بطعم السّكّر. أكلوا... أكلوا جميعا... كان الولدان يتغامزان في حبّ و إعجاب، و ينخرطان في ضحك طفوليّ. ينظر صابر إلى زوجته. تبادله النّظرات نفسها، فيغرقان هما  أيضا في ضحك عفويّ ساذج...

************************************************
نصوص عميقة  بكلماتها المعبرة وجملها  المتألقة وأفكارها  الجميلة وسلاسة الأسلوب ، والبساطة وعدم التعقيد، 
دمت مبدعا متألقا اديبنا القدير ، 
موفق دائما ان شاء الله تعالى 

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم