وقفات - قصة قصيرة وخاطرة - بقلم الأديب/ أ. هارون قراوة - الجزائر.

قصص وخواطر- بقلم الأديب/ أ. هارون قراوة- الجزائر.


مقدمة :
وستبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته في الغوص بأعماق أفكاره .

************************************************
وقفة : أحداثها حقيقية ، من الارشيف.
      كانت تئن تحت ثقل حمل الحطب ، وتجر ساقيها
جرا وهنا وشيخوخة... ومع ذلك لم تتوقف عن استعراض كل الصبايا اللواتي تعرفهن ، علها تعثر على واحدة تعجب وحيدها....   
أربع سنوات قضاها في صفوف الجيش...اربع سنوات وهي ما تنفك تردد دون ملل جملة:  «ربي يستر... »
أشرفت على المشتى ، المفتتة أكواخه عند سفح الجبل ، ووقفت متكئة على حمل الحطب لتستريح........ بعثت زفرة طويلة.....ولكن  عيناهاجحظتا وهي ترى جمعا أمام كوخها المعزول ،
أصخت بسمعها فهالتها اصوات أبكية ، وأيد تشير نحوها....  تفرست مليا لتتبين ووسطةةالجمع سيارة الدرك الوطني برجالها.... فاسقط في يدها.
تقدمت خطوات... وبالكاد أخرى : ولم تستطع اكثر...
حاولت أن تدفع بنفسها بقوة.... لا فائدة : لقد تسمرت قدماها بالارض........ مدت يديها نحو الجمع ، وصاحت - مكلومة- باعلى صوتها ، لكن دوار عاصف كان قد لفها ، فطوحت بيديها أمامها حتى لا تسقط على وجهها...... وحاولت من جديد أن تصيح  ، لكن كمية الدم المتدفق من داخلها كانت أقوى... فانهارت.
......التف حولها الناس وانحنى رجل الدرك فوقها برهة
ثم رفع راسه لاصحابه ، وأخذها في حضنه فضمها
اليه بحرارة ، وقبل وجهها المعفر بالتراب..... ولم يتمالك أن دفن وجهه في صدرها  وراح في نوبة
بكاء مر...... بكاء...... ابكى الجميع.
************************************************

وقفة : دروس .
     وأتفقد مفكِّرةَ الأيام ، فإذا أنت بين سرابيلها : يوشحكِ الظلامِ ، ترقصين فوق جثة طالما أجاءتكِ إلى زمن الدفء ، وتتعمدينَ من شرايين قلب رابطَ - صابرا- في محراب الحنين إليك ، وإذا أنتِ في كل سطر ٱنجلى عنه غبش النسيانِ  : تزرعين الشوك في دروب ناعمة طالما مشيناها معا ، وتخنقين بأناملك الدامية - قمرا ساذجا- طالما أنار دروبكِ العرجاء ،
وأصل السطرَ الأخير لأسال : « وماذا بعد ؟ !!!»
فتردين ساخرة  : « نمزق الصفحة والرسائلَ ، ونبعثر أزهارا كنا تهادينا » ، ثم تواصلين  :« أيها النسر الفقير ، القابع في أعماق الاودية  : أنت نسخةٌ من - قشًّ - أحرقتها ريحُ السموم ، وحكاية مرتبكة تفتتْ كالملح في زواياك البعيدة.... سيدي : تنحَّ ، ففرامل سيارتي لا تعمل جيدا » ، وأضافت : « وداعا....» .
    نظر في عينيها مليا ، ٱستلَّ الخنجرَ المغروسَ بين أضلاعه ، وتمتم باسما  : « نعم..... وداعا » .
وقبل أن يغادر تماهى صوتُ أحد اسلافه يخترق سترَ النسيانِ في الذاكرة.... صوت هادئ ، واثق، يذكره بما مفاده :
سوق النسا ، سوق مشرار # ويا داخلو رد بالك
يْوَرُّوك من الربحْ قنطار.   # ويْخسروك راس مالك »
                                               ( شعر شعبي)
    ويدخل يده في جيله يتفقد رأس ماله ، فإذا جيبه فارغ إلَّا من فتات وجع ، وحشرجة روح تحتضر ، ومن بعض الآهات التائهة تلعق أنامله المرتبكة ، فيخرج قلما ، ويضع معلما في آخر الصفحة ، ويكتب بالحبر الصيني : « حتى لا أنسى » ،  ويغلق المفكرة وقبل أن يغادر  : تحسّسَّ شفته السفلى ، فإذا هي دامية .
************************************************

وقفة: - أعادتها الذكرى.
     ٱمتلأتْ سلالي دفْلى وحنظـلاً وفاضتْ جرارِي أوجاعًا تدحرجتْ في شراييني تسمٍّمُها ...فٱنْتَفضتْ روحي كلْمى ، وتخبَّطتْ - نسرًا فقيرًا- يسْتَنْفر قوادمَه
ليرْحَلُ إلى الْآفاقِ البعيدةِ ويموتَ - مثل أسلافه- في الفضاءِ.........
لا تَغْترْ !!!! كلمةٌ كالسحر الأسودِ أسمعُها - منِّي...من بعض أناي - فيرتفعُ زئبقُ الجنونٍ يبعثرني ، وتتحرَّكُ جيوشُ النمل تلْتَهم لسالني  : وأُ سائلُنٍي وأسأل البحر : وماذا بعدُ ؟ هل أصبحتٍ الشمسُ من الغربِ ....وهل أمستْ الخيول ُ الكريمةُ تموتُ جاثيةً في مرابطِ اللؤْم ؟ ...ماذا يا- أنَايَ - هل سقطتْ قلاعُكَ وٱستباحتكَ الهزائم  - تترى-  وأُفْرٍغَتْ شرايينُكَ من أُكسيرٍ الشموخِ والكبرياءِ ؟
...لا تَغْتَرْ !!!
وتهتزُ الأَرضُ لرهبَةِ الوجعِ فأصيح  : « تعالي أيتها القشاعم ...خذي بقايايَ ٱطعميها فراخكٍ ...هلمِّي أيتها
الريح بعثريني رمادًا لجسدٍ أمسى بلا نبض وبلا نفَسً في زمن الخنى والانكسار .....»
...لا تغْتَرْ.!!!
وينفجِر بركان الإحباط في داخلي ، فيجرف قرايَ ويطمرُ أوديَّتٍي ....وأبحث عني فلم أجدني فأتوسل : لسيّدةِ المراثي : ألا أبنيني - سيدتي!!!كما في صخرً تقولين  :
رفيعُ العمادٍ طويلُ النجاد * سادَ عشيرتَه أمردَا
إذا القوم مدُّوا بأيديهم.   * الى المجدِ مدَّ اليه يدا
    ويهطلُ المطر  - متعاطفا- ليكتب على الرمل - ٱبتسمْ-......فأسرع نحوها...لكنّ - المدَ- يسبقني !!!
************************************************

وقفة آلمتني :
   على مشارف العمر - صدفة- التقيتك ، فما
عرفتني ، وما عرفتك!!!
...كنت بقايا رجل كان بريئا ، وكنت - أنا - مرهقا حتى النخاع.... كنت تائها.
   نظرت بعيدا في عينيك فعادت بي الذاكرة
إلى ذلك الزمنالبعيد... إلى ذلك المكان الذي لم يعد المكان ،  وسألتك: هل تذكر - يا صديقي-..... هل تذكر كيف كنا نسرق الضوء المكبل بجلابيب الدجى .....كيف كنا
نتعمد بنسيمات المساء.... كيف كنا نحلم بمزيد من الخبز..... ووصول الكهرباء.
هل تذكر كيف كنا نسرج الشمس صهوة نمتطيها ، ونملأ أيدينا أهلة ونجوما نعتصرها دفءا يحضن أحلامنا الساذجة .
...وجدتي : هل تذكر جدتي التي كانت تحملنا على أجنحة الخيال... تطوف بنا مدائن الجن وقصور السلاطين وتدخلنا مضاجع الجواري والحريم........
   دار الزمان دورته- يا صديقي- وتشرخت المرايا ، فتباعدت الوجوه شظايا ، وتهاوت الأحلا م نتفا ، وتاهت بنا السبل ، وافترقنا.
افترقنا - يا رفيق الصبى- فمضيت امتطي مراكب الحياة كالقراصنة : أجوب المحيطات والبحار.... أبحث عن التبر والمحار ، أجمع السراب والحقيقة ، أقتل المخطئة والبريئة... أفتت صخور الملح آكل بعضها ، أمزق أحشائي أطعمها أسماك القرش وكلاب الطريق.
...أقمت - يا صديقي- رحلت.... تهت ،حتى نمت الأشواك والطحالب فوق ظهري ، وتجمد العرق المر فوق أهدابي........... وشاخ الزمان.... و....  شخت : فعادت مراكب الشؤم منهوكة الأشرعة ، مشروخة السواري.....
.....عادت خيولي بلا ألجمة ولا فوارس....   عادت وعدت...........عدت أبحث المشاتى والمرابع...... أبحث عن المنازل والأسماء ،
أبحث عن الدفء الذي هاجر الحنايا والضلوع.......
أبحث عن آثار وشم أخفته التجاعيد ...........
عن صدى آهات حنطها الجليد..... ابحث عن مقابر الوطن البعيد....  أبحث عن بقايا نفسي.
عدت - يا صاحبي- بعد أن تقايأتني الأمواج
فحططت الرحال فوق أهداب غيمة هطلت بي على مشارف الزمن البليد..... و.....   »
.....لم أواصل لأن دموعك احرجتني...
************************************************

وقفة وأواصل:
       عنقاء- أنت - يا دجى الغسق : انتظرك بلهفة كلما
تقايأتني حانات القلق الهادر في زوايا  -الأنا - الثائر
تحملني فوق جناحيك لأنفلت - شاردة- من أحضان
زمن البؤس والعفن..... زمن الرطوبة والإختناق.....
انتظرك- يا عنقائي - على حافة وجعي لنرحل حيث
يتلاشى الحاضر مخروطيا ، وأحط الرحال فوق الربوة المنسية ، وكلي لهفة لإذابة العسل المتجمد بين تجاعيد الأيام الهرمة ،ومسح الدمع الذي تحجر في عيون الزوايا التي كانت ذات- عمر- مرتعا لكرز الشفاه الخائفة.....
أيتها العنقاء : خذيني ، فقد اشتقت لواد غير ذي زرع ،وعمة في سفح الجبل قطعتُ رحما لي معها.... اشتقت الى من اقسم - الرحمن- بها.... كنت تحتها انتظر... وانتظر.... لقد كنا بجعا بريئا نهيم بالقمم ، ولا تغرينا السفوح.
أيتها الغزالة غادري فانا مشتاق الى ينابيع الدفء واسرة الانامل المرتجفة......
بعد لأي حطت العنقاء بجواري ، وتنهدت قائلة :« آسفة - سيدي- لقد ألغيت الرحلة..... رحلتك....قلبك
لم يعد ينبض ، وآن لك ان تترجل  »
قالت هذا ثم طارت من عيني..... لم أعقب ، وانكفأت راجعا واسفلت الطريق تحت نعلي ينتشي بقهقهات
السكارى.... وآهات البغايا.... حينها فقط احسست بان الكثير من الأشياء في داخلي....تموت ، وأن أبوالبقاء
مازال يذكر بأن :« ............. فلا يغر بطيب العيش إنسان.... »
************************************************
أبدع الكاتب في وقفاته المعبرة
والتى عبر من خلالها  عن مواقف من الواقع رصدها بحنكة اديب وبعقلية حكيم، سواء القصة الأولى أو بقية الابداعات، دمت مبدعا متألقا اديبنا القدير  .. بالتوفيق والنجاح الدائم ان شاء الله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم