انفصام - مجموعة قصص قصيرة جدا بقلم الأديبة/ بهية ابراهيم الشاذلي - مصر

 بقلم الأديبة/ بهية ابراهيم الشاذلي - مصر


القصة القصيرة جدا أو الققج كما يطلق عليها اختصارا 
حاليا جنس أدبي قائم بذاته، اختلف النقاد والأدباء في تحديد وقت ظهوره بالضبط، فمنهم من قال بأن القصة القصيرة جدا موجودة في الأدب العربي ومنذ فترة بعيدة، وكذلك في الأدب العالمي، ولكن أتفق الكثيرون على أنها ظهرت في الغرب ثم انتقلت الى وطننا العربي  منذ التسعينيات، إلى بلاد الشام والعراق والمغرب العربي، وتم اطلاق عدة اسماء عليها قبل ان تسمى بهذا الاسم،  وهي جنس أدبي يقوم على حركتين: 
حركة داخلية الحالة النفسية والانفعالات وغيرها 
حركة خارجية: تعتمد على تقنيات القصة القصيرة جدا
تبدأ المفارقة، الحالة، الخاتمة.
وهكذا سيكون النص تنطبق عليه شروط الققج، مع ملاحظة ان بعض الادباء لا ينظر إلى المفارقة فيكون قد قتل النص في مهده، والبعض لا يلتفت إلى الخاتمة، فيكون النص خاليا من روح الابداع، ولا يمت لجنس الققج بصلة .. 
إلى بعض النصوص:

***********************************************

1- نَارٌ
أَحَاطَهَا بِذِرَاعَيْه، ضَمَّهَا بِقُوَّةٍ، اِلتَصَقَتْ بِقَلْبِه، صَهَرَتْهَا خَفَقَاتُه، اِنْدَلَعَتْ شَرَارَةُ الشَّوْقِ... تَصدَّعَتْ جُدْرَانُ الخَوْفِ، تَدَفَّقَ شِلَالُ الأَمَلِ، لَمْ تَنْبِسُ الوِسَادَةُ بِبِنْتِ شَفَة.
**************************************************

2 اِنْفِصَام
مَعَ فَهْمِهِم الْخَاطِئ للْحَدَاثَة، تَلَقَّفَتْهُم أَيْدِي الْمَرَدَةِ والشَّيَاطِين، عَبَثَتْ بِعُقُولِهِم، نَخَرَتْهَا كَمَا السُّوس فَالْتَوَتْ ألْسِنَتُهُم، وَتَمَيَّعَتْ لَهْجَتُهُم، بَحَثُوا عَنْ وُجُوهِهِم فِي الْمَرَايَا الْقَدِيمَة؛ هَرَبَتْ ظِلَالُهُم إلى النُّسْخَةِ الْأصْلِيَّة.
**************************************************
3 نَتَائِجٌ
أَبْلَتِ القُوَّاتُ القَادِمَةُ مِنَ الخَارِجِ بَلَاءً حَسَنًا فِي مُكَافَحَةِ الإِرَهَابِ.. دَمَّرَتْ مَسْجِدَيْنِ وَ عَشْرَ مَدَارِسَ، قَتَلَتْ مِئَات الأبْرِيَاءِ، دَمَّرَتْ الكَثِير مِنَ البُيُوتِ، وسَبْعَ مَكْتَبَاتٍ، ومُسْتَشْفَيَانِ... قَتَلَتْ أَرْبَعَةَ إِرْهَابِيِّين.
**************************************************

4 لِقَاءٌ
تَسَارَعَتْ دَقَّاتُ قَلْبِهَا وَهِيَ تَرَى إشْرَاقَةَ وَجْهِه عَبْرَ الأُفُقِ، تُرَى هَلْ هُوَ آتٍ؟ أَشْتَاقَ إلَيْهَا كَمَا هِيَ! فَتَحَتْ ذِرَاعَيْهَا وَشَذَى عَبَقِه يُثْمِلُهَا... ضَمَّتْهُ بقُوَّةٍ وَشَغَفٍ؛ وَخَزَهَا إطَارُ الصُّورَة.
**************************************************

5 نَخْوَةٌ
غَرِقَ الفَقِيرُ فِي هُمُومِه وَلَمْ يُسَاعِدْهُ أَحَدٌ، قَرَّرَ التَّخَلُّصَ مِنْ حَيَاتِه
أَلْقَى بِنَفْسِهِ فِي البَحْرِ؛ العَشَرَاتُ قَفَزُوا خَلْفَهُ لِيُنْقِذُوه.
**************************************************
6دَهْسٌ عَنْ بُعد
أثقلَ الإملاقُ خُطاه، جَلس القُرفصَاء تدُورُ عيناهُ في دهاليز القمامات علّها تَنْعَم بعظْمةٍ عافَتْها قططُ المُنْعَمين أو كِسرةٍ أنِفَتها كلابُ المُتْرَفين، تستغيثُ ضلوعُهُ البارِزَةُ؛ يَمُرُّ مَوْكبُ ابْنِه.
**************************************************
7 عَصَافِيرُ الجَنَّة
مَا إِنْ خَرَجَتْ لِجَلْبِ الفُطُورِ لصِغَارِهَا حَتَّى عَادَتْ مهَرْوِلة إثْرِ دَوِيّ انْفِجَارٍ هَائِل، صَعَقَتْهَا رُؤْيَةُ الأَنْقَاضِ... اِنْسَكَبَ الحَلِيبُ مِنْ يَدِهَا واخْتَلَطَ بِدِمَاءِ البَرَاءَة.
**************************************************

8 احْتيَاج
عَاشَتْ تَحْلُمُ بِالحُبِّ والحَنَانِ، جَذَبَتْهَا بَسَاطَةُ بَائِعٍ مُتَجَوِّلٍ، نَهَلَتْ مِنْ قَصَصِهِ المُلَوَّثَة... تَاهَتْ فِي دَهَالِيزِه الزائفة؛ صَرَخَتْ هُوِيَّتُهَا.
**************************************************

9 نَزْوَة
سَارَتْ حَافِيةَ القَدَمَيْنِ، مَبْهُورَةً بِبَرِيقِ الْمَاسِ، وَخَزَتْهَا أَشْوَاكُ الرَّغْبَةِ... أَدْمَتْهَا؛ فَقَأَتْ عَيْنَ شَيْطَانِهَا وَتَوَكّأَتْ بَصِيرَتَهَا.
****************************************،*********
10  تَصَحُّر
الصُّنْبُورُ الذِي عَبَثُوا بِه وَتَرَكُوهُ يَلْفِظُ أَنْفَاسَهُ مَعَ كُلِّ قَطْرَةِ مَاءٍ امْتَزَجَتْ بِالتُّرْبَةِ وَأَوْحَلَتْهَا؛ غَاصَتْ أَقْدَامُهُم رُوَيْداً رُوَيْداً لِيَقْتُلَهُم العَطَشُ بَعْدَ أَنْ غَابَ المَطَر.
**************************************************

11-صَدى
اِشْتَعِلَتْ حَمَاسَتُهُ وَنَهَشَتْهُ الْغَيْرَةُ، أَسْرَعَ يُلَبِّي نِدَاءَ الْكَرَامَةِ، دَعَوَاتُ أُمِّهِ تُلَاحِقُهُ وَتَشُدُّ أَزْرِهِ، طَالَ انْتِظَارُهَا وَخَفِقَ قَلْبُهَا، تَطَلَّعَتْ إلَى الشَّمْسِ تَتَفَقَّدُ خُيُوطَهَا الذَّهَبِيَّة وَتَغْزِلُ مِنْهَا ثَوْبَ اللِّقَاءِ، عَاد مُنْتَصِرًا... لَكِنَّهُ لم يَجِدُ الْوَطَن.
*************************************************
12- تَأْثِير
أقْبَلَ الْقَوْمُ لسَمَاعِ الْخطْبَة، دَمِعَتْ عُيُونُهُم لكَلامِ الْخَطِيبِ الْمُفَوَّه، خَرَجُوا بِقُلُوب صَافِيَة، بَعْد سَاعَات أَقْنَعَهُم الشَّيْطَانُ أَنَّهُ يَعْرِفُ أَكْثَر.
**************************************************
13- تغْيِير
الْوَجْهُ الطَّيِّبُ دَخَلَ فِي الزّحَام، أَخَذَ يَتَلَاشَى شَيْئاً فَشَيْئاً، لَمْ أَعُدْ أُشَاهدهُ أبَدا، رَأَيْتَهُ يَوْمَ أَمْسٍ عَلَى وَجْهِ تِمْثَالٍ فِي الْمُتْحَف.
**************************************************

14-هَدَف
أَدْمَتِ الطَّرِيقُ قَدَمَيْهِ، تَضَوَّرَتْ أَمْعَاؤُهُ، يَلتَفِتُ بِحَذَرٍ، تَرْتَعِدُ خُطُوَاتُه وهُوَ يَقْتَرِبُ من محَل الْمَشْوِيَّات ، يَسَيلُ لُعَابُهُ ممنِّياً نفْسَهُ بإِغْفَاءَةِ حلْمٍ عَلَى الرَّائِحَةِ الشَّهِيَّة ، يَفِيقُ عَلَى رَكْلَةٍ تَقْذِفهُ بَعِيداً، من غَنِي مُصَابٍ بِالزكَام.
**************************************************

15- نهَايَة
بَعْدَ أَنْ قَتَلَهُ شَعَرَ بِلَذَّةِ الانْتِصَار، نَامَ لَيْلَتَهُ سَعِيداً؛ في الصَّبَاح ذُهِلَ وَهُوَ يَنْظُرُ فِي الْمِرْآة.
**************************************************

16- وَفَاءٌ
أُصِيبَ فِي حَادِثِ عَمَلٍ غَيْرِ مُؤَمَّنٍ. بُتِرَتْ قَدَمَاهُ، وضَعتْهُ في كُرْسِيّ مُتَحَرّك. سَارتْ تَطْلُبُ رِزْقَهَا وًرِزْقَهُ... عَرضَ عليْهَا أحَدُهُم رَغيفاً طَرِيّاً، تشَبَّثَتْ بمَاضِيهَا.
**************************************************

17- قطار
اِبْتَسَمَ رَبِيعُهَا، تَمَايَلَتْ مُنْتَشِيَة لِمُدَاعَبَة النَّسِيم، شَرَدَتْ بَعِيداً وَتَمَلَّكَهَا الْغُرُورُ. دهَسَهَا الْخَرِيفُ وَهِيَ تتطَلَّعُ فِي مِرْآتِهَا.
**************************************************

18- وَهْم
أصَرَّتْ عَلَى الانْفِصَال طَمَعاً فِي حُرِّيَتِهَا الْمَسْلُوبَة. نَالَتْهَا؛ الآنَ تُغْلِقُ بَابَهَا كُلَّ لَيْلةٍ وتَنَامُ وَصُورَتُهُ فِي حُضْنِهَا.
**************************************************

19-  مفارقة
قدم لها قلبه على طبق من حب. احتقرت وتكبرت. كتم إحباطه وركب قطار الحياة.  توقفت في المفترق، وأخذت تنتظر.
**************************************************

20-  اِغْتِيَال
رائِعَةُ الْحُسْنِ والْجَمَالِ، فِي مُقْتَبَلِ الْعُمُرِ، رَفَضَتِ الزَّوَاجَ بَعْدَ تَرَمُّلِهَا، عَاشَتْ مَعَ وِسَادَتِهَا حُلُماً جَمِيلاً بَاتَ مُسْتَحِيلاً؛ لَقَدْ مَاتَ سَجَّانُهَا وَجَلَّادُهَا.
************************************************
نصوص جميلة  ابدعت الأديبة في توصيل فكرتها ببساطة وعمق إلى القاريء مع إبراز جماليات هذا الجنس الأدبي، نصوص تختزل قصصا واحداثا ومواقفا لا تعد ولا تحصى .. دام التألق والابداع اديبتنا القديرة

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم