لقاء - مجموعة قصص قصيرة بقلم الأديبة/ إيمان أحمد صالح - مصر

 بقلم الأديبة/ إيمان أحمد صالح - مصر


وتظل القصة القصيرة هي اللون الأدبي الأكثر جذبا للأديب والقاريء فيجد الأديب متعة في كتابتها ويجد القاريء مبتغاه في هذا النص القصير والذي يحتوي على كل مايريده من عناصر التشويق والتثقيف..
إلى النصوص:

*****************
لقاء
إلى ذلك الحلم الشريد..
سنلتقى يوما ..سعداء..
وسيرتدى الألم ثوب الضياع..
                            ********************
كعادتها تردد لحن أغنية قديمة هى وأبن عمى ذو العامين
وتهدهده فلا تتذكر الكلمات وتنسجم مع الصغير بأنشودة كانت كل كلماتها بطة وقطة..!
  فهو لايعلم سواهم وهى تشدو الألحان بأحساس الذاكرة الشريدة
بعدما اصيبت بفقدان الذاكرة قصيرة المدى ..نفذ مخزون الذكريات قبل أعوام..
و نصحنا الطبيب بألا يذكرها أحد بأحزانها..
كنا نتفادى دائما ألا نذكر أن أبي و جدى قد وافتهم المنية منذ أمد بعيد  ..
جلست على أعلى منزلنا المتواضع السعيد  والذى تكسو جدرانه شجيرات الريحان والفل المتدلى من اعلى السطح..و يطل على حى شعبى قديم.. ومن أمامه المصباح الأزرق المرصع بالكهرمان
..لم ترحمها نظرات العابرين وهمساتهم السخيفة
بأن بيتنا العتيق ملئ بالأشباح وأنه قد  مسها جنى.. غمز ولمز ..
... فلم يعى قلبها اى نوع هذا من سواد القلوب وصغار العقول وقلة المروءة.. !
فتبتسم لهم كالأطفال... ثم تتأمل بلا ملل النجوم...فى ضيافة القمر تتبعه.. ساهرة .. تراقب طوال الليل صوت الهدهد
و تشرد مع صوت البومة فتطير تبحث  عنها فتجدها  خلف منزلنا عند الشجر العتيق.. كرنفال ...تجتمع فيه كل الطيور..
كانت جدتى تبتهج لرؤية الصغار كلهم 
سواء عندها
جدتي الحنونة أم للكل دون أن تعرف احدا منهم..
وأحيانا لا ترحمها الذكريات وتحدثني  كأني والدي رحمة الله
وتلومني كثيرا عن الغياب..
"أين كنت يا مراد ؟"
"لماذا أنتظرك.. كما وعدتني و لا تأتي ؟!"
فأبتسم معتذرا لها..كأني أبي ..
"تعلمين ياأمي .. أسافر إلي العمل .."
فكان أبي يعمل بأحدي  الدول الأوربية..
وكنا نخفي عليها ذكري وفاته ..حتي لا تنهار..

زرعناها وسط الذكريات السعيدة.. تتعرف على الحياة من جديد
تهيم مع سرب الحمام وتلوح له حتى يعود الى البرج..
ثم تعود حاملة صديقها العزيز.. فرد الحمام العجوز و الأعزب
إلى شجيرتها المزروعة على سطح بيتنا قبل  ان أولد .. كان عزيز إليها .. فقد غرسته هى وجدى سويا فى أول وأخر عام من زواجها ..من جدى الشهيد ...
كانت تقضى يومها كله هناك تنتظر عودته ...
كانت تشبه صديقها الزاجل... سليمة النية .. طيبة القلب  .. لا تفارق وجهها البسمة .. تحمد ربها على السراء و الضراء ..
مخلصة..
كرست حياتها لتربية أبى وعمى .. ورفضت الزواج وفاءا لجدى..
وهذا ما ربت تؤامها عليه  ..
حتى صاروا رجلا تتكئ عليهم ..
فكان أبي طبيب  يعيد الأمل والنور لمرضى العيون ..
وعمى طبيب ..يداوى جرح القلوب ويرمم ماأفسده غدر البشر و  ألم الأيام..
زرعت فيهم حصاد أيامها وتضحياتها ..
فترعرعوا على حب الخير  ومساعدة المحتاج..
لم تكن أمور حياة جدتى على ما يرام .. 
فقد تحملت الكثير ..
حتى لها الفضل بما نحن فيه من نعيم ...
لكن لا ترحمها الذاكرة الغادرة أحيانا ..
عندما ازورها تطير بسعادة تحضر لى مأكل  لتضايفنى.. فتخونها...الذاكرة...  فتبكى لا تدرى كيف تصنع الأشياء..
فأحاول ألهاءها  ..
لتأخذنى فى جولة كعادتها.. لتروى شجيرات الياسمين والفل والريحان ..
فأنتشى من رؤيتها  سعيدة ..
فلا أدرى من منهم يروى الأخر ويرتوى ..!
تلك المتعة التى سكنت أحساسها...وأصبحت سلوك...بمرور الزمن..

ثم تطعم صديقها الزاجل  بعض من وريقاته على سبيل المزاح .. فيمتنع ..
ذلك الصديق النادر وجوده .. ماتت رفيقته أثناء حادثة صيد ..فقد على آثارها قدرته على  الطيران .. فزهد جنسه .. وصاحب جدتى .. وزاد وزنه كالدجاجة !
وفى يوم عجيب لن أنساه..
جدتى  تنادى .. "سعد سعد"
"أصعد إلى يا حبيبي "
أستدعتنى بأسمى الذى لم أسمعه منها منذ سنين..
تعجبت فرحا..
"حاضر يا جدتى "
طرت إليها أذ وجدتها كالعروس فى أبهى حلة .. وضفائرها الطويلة زادتها ملائكية ..
أنطلق لسانى .. "ماأحلاك جدتى ؟"
قالت لى : "أسمع يا سعد "
"هذة وصيتى لك .. شجيرات جدك وصديقى العجوز ...هم نحن .. ونحن هم ..."  "تذكرنى "
أحتضنتنى .. وفلتت من يدى قبضتها .. رفعت كلتهما إلى  السماء .. شاخصة البصر ومبتسمة ..  "حمدا لله ..  أعلم أنك  .. ستأتى "
صرخت "جدتى ..جدتى "
وبيدى ألوح بشارة جدتى
قحط من حولنا الحمام  يودع  صديقتهم ..


**************************************************



 جدائل آذار ...
إلى من علمتنى الحنان ... فأصبحت مشكاة ..لكل ظلام .. و ملجأ لكل تائه ..
                                   ***************
بعد أن رحل أبي وتركها ..فى ريعان الشباب وحيدة دون سند أو مال .. هى وتوأمها اليتيمين وهم فى شهورهم الأولى فى رحم الحياة..
لم أر أبى قط .. وكذلك أختى ..الذى أسبقها بدقائق فالعمر ..
كانت أمى نعم الأب و الأم .. ذاقت مرار الاحتياج والفقد و الفراق ..حتى عملت كجليسة لرضيع سيدة القصر فالقرية..
كانت تصطحبنا معها ولا تتركنا أبدا مهما حدث .. كنا كنزها الوحيد الذى ورثته من آثر حبيبها ...
مع كل شروق .. كانت تمشط أمى خصلاتها الذهبيه ..
كانت تغار منها كل من تراها بالرغم من حبهم لها ...
وفى أشعه الشمس.. تمشط شعرها وتسمح له بالطيران ونحن نشاركها تمشيطه .. وننتشى من روائحة ودفئه..
مرت السنين وكبرت أمى... وكبرنا وقد تربينا كأمراء القصر ..
فلم يحرمنا القدر من العيش الرغيد رغم فقد أبينا ..
وذات يوما زار طيف أبي .. وقد أشتاق للقاء .. وقد أذن الرحيل..
جمعتنا بذاك الشروق ...فوجئنا بأمى قد أقتصت شعرها... !
أعطتنا أنا وأختى خصائله المجدوله...
وأوصتنا بضفائرها .. شئ لنا منها على سيبل الوجود...
ورحلت فى سلام ..
كل يوم أحتضن ضفائر أمى  وأمشطها .. وأمتلى من عبق ذكريات .. الحنان ..
أدعو لها بالرحمة وأزور قبر  حبيبتى محتضنا ضفائرها وكأنها هى بحضنى ..
أبكى كل يوم لفراقها ولكن عبير ضفائر  أمى وطن ..
أحتضنهم وأحدثهم  "عينى أنتى وقلبي ياأمى لم يفرقنا الموت" ..لن أنساك .


**************************************************

#ظل الياسمين
فى كل صباح تنظر هى وزوجها..
لذلك العش الذى صنعاه سويا على شرفة تطل على شجر الياسمين..
على أمل أن يسكنه طائر الوروار  أو الهدهد .. تضع الحب والماء ...وتعود منكسه ..حزينه ..بأنه فارغ ولا شيء ..
ذلك الحلم ..
كى يحقق شيء ..أى شيء على سبيل الحب من أريج الطفولة..
بعد محاولات مستميتة لكى يأتى هذا الطفل ..إلى هذا العالم ليكمل سعادتهم.. ويكلل قصة حبهم ..
ليذوق مانذوقه دوما..
ولكن أَبَى القدر ...
كان زوجها يشدد من أزرها..
يربط على قلبها...
يحدثها بالصبر...
كانت تعتقد أن القدر ...يحرمهم السعادة ..
بخلاف زوجها.. مراد
يرى أنه يخبىء فى جعبته..  الأكثر سعادة.ليعطيهم..الأنسب ولكن الوقت لم يحين..!
كان يعتبرها ماسته الثمينة ..
كان يقول لها دوما
"أنتى أبنتى وحبيبتى وكل النساء"
.."أنا أبنك الأ يكفيك أن اكون" !
لكن دون جدوى....
أنهارت وهجر قلبها السرور....أنكسرت عيونها.. وزهدت الطعام..!
بعد أن علمت أنها لن تكون أماً أبدا..
نصحهم الطبيب النفسي ..
بعطلة طويلة الأجل..بعيدة عن صخب المدينة
..على سبيل العلاج..
وفى أحدى ليالى نيسان الربيعية..
وصلوا كوخهم ليلاً..
منهكان لتلك المحمية داخل أحدى أدغال الغابة..
..ومع نسيم شجر الياسمين...غفا فى سباتٍ عميق ..بغتة.. عقب التعب
فى أرجوحة حديقتهم ..
كانت تحتضنه كأنه طفلها الوحيد..
عاشت حينها لحظه أحتواء الأمومة ..
وفى ذات مساء.. تناولوا العشاء ..  تحت شجر الياسمين..
تاركين سلة الغوص المجدول بألوانه المبهجة وبداخله بعض فتات خبزاً ..
والتى إبتاعها أمه لهم كهدية و تذكار..من أخر رحلة فى آذار ..
من قرية سيلا ..
أستيقظوا على صوت يشبه صوت نبضات قلبهما النابض حباً..
صوت من الجنه ..رفرفة.. سجع و إرنان ..هديل  يمامة على وشك أن تبيض..
أتسعت عيونها.. وضحكت بهستيريا وجنون ...وتبعها يصيح هو الآخر..
"أخيراً"
"أترى..؟! .. أعجبتها سلتنا.."
ردت بسعادة غامرة "أذن هنيئاً لها"
حملا معاً بهدوء سلة الغوص وبداخلها اليمامة ..
ثم علقوها..على شجر الياسمين لكى يطلوا عليها كل يوم هى وفروخها...
كانوا يهتموا بها كأنها صغيرتهم المدللة..
ومر شهر وكل يوم تضع لها الماء والحَب
وكثيراً من الحُب
وتناجى ربها.."اللهم أرزقنى كما رزقتها.."
"فأنت وحدك القادر .."
"ربي لا تذرنى فرداً وانت خير الوارثين"
وتدمع كثيرا..
"ربى قر عينى ..انا وزوجى برضيع "
أستيقظت ذات صباح منهكة ! و لا تعلم ما السبب ..؟!
تثاقلت خطاها نحو العش...وكأنها تحمل العالمين..وهن شديد..أصابها الدوار ..تناثر الحَب والماء
سقطت مغشى عليها بجوار شرفة عش اليمام..
طار فزعاً نحو فريد..
حملها  بلهفة انفاسه تكاد تتوقف من الخوف..
"حبيبتى ماذا بك .. كنتى بخير؟! "
ضمها ..بحرقة .. وهم  بالهاتف النقال يطلب المساعدة .. من صديقه الحكيم ..القاطن مع أبحاثه فالأدغال ... على ضفاف الجدول ..
رد سريعا.." دكتور سعد أنا بالكوخ فريدة مغشى عليها "
جاء فالحال وفحصها ..وتبين أنها حامل منذ شهرين ولا تدرى..
وأصابها وهن شديد أثر شغفها ولوعة دموعها سراً كل يوم ..
بارك لهما صديقهم الحكيم ... وتركهم فى سعادة لا توصف و لا تنتهى..تبدأ بمضى التسع شهور.


**************************************************

تنويه
اى تشابه في احداث القصه او الاشخاص هوة محض الصدفه ..
                                       *********
إلى ذلك الحضن الذى يمحى آنين الرحيل..فلا أدرى من يحتوى الآخر..
إلى تلك العيون التى تمحى بطيف رمقتها .. دموع..
إلى ذلك الصغير ..فى عالمى ..يوما ما رجلاً سيكون...
إلى  من علمتنى أن الحزن كمطر الشتاء .. وكسقوط الخريف .. سيأتى بعد رحيله ياسمين الربيع..
                                       *********

#كلى منك ..
حقا أنه المصل الأخير..لصغيرها ..
مودعة ذلك المكان بوحشة الفراق.. والحنين ولعنة الرحيل..
فى أخر أيام الشتاء.. بتنهيدة هادئة ..تحمل فى طياتها  فرح ممزوج بالألم..
ليست المرة الأولى..التى مرت من نفس الطريق ..
مرت السنون كمر السيارة التى تنقلها ..
أغمضت عيناها وأمالتها الذكريات جانبا.. وتساقطت الدموع كالعمر الذى ضاع هباءاً..
ربطت على يدى الصغيرة وأحتضنت الأصغر مختبأة به..تخفى الدموع وأستطردت مبتسمة لأمها ..فقد لاحظت..أنها على أتعس ما يرام .. تطمئنها ( أنا بخير.. فقط الريح)
محدثة نفسها .. " مجرد ذكريات يا أمى يا شريكة همى .. "
ما أشبه اليوم بالبارحة أتذكرك حضنك يأمى و أنا بنفس عمر أبنى .. عندما ذهبنا
فى ذلك الطريق.. التى رُسمت فيها أقدارى من أول الميلاد .. فتلك الوحدة الصحية.. أعطتنى مناعة من الأوبئة .. ولكن ليس ضدد غدر الخيانة .. أو كذب المنافقين.. !
وتلك مدرستى الأبتدائية تليها على بعد خطوات ...
أدركت هناك حب من نوع آخر .. لكن لأخوات من رحم الحياة..
ضاعوا منى فأول منعطف لمتاهة الرحيل..
تركنا طفولتنا ..باكية .. رغم عنا ..على نفس هذا الطريق.. لم نبعتد كثيرا ..
على أعتاب مدرستى الأعدادية..
لهفة من نوع آخر لم أدرى يومها سوى أنى لم أعد تلك الفتاة ..مدللة أمها.. بضفائرها المجدلة نصفين..
فقط أريد المزيد من الحرية لتلك الآسيرتين.. أن ينطلقوا كفرشات الربيع .. كنبضات قلبى الأولى والأخيرة .. لحب ولد ودفن فى طيات حياءِ .. عبق الطفولة ..
لم يدم طويلاً مرت السنين و رجعت لنفس المكان ولكن فى يدى شهادة مختومة من نفس مكان ميلاد .. تفيد أنى أحب هذا الرجل.. الصحيح ..فيما عدا ما وقر فالقلب.. وما يصدقه العمل..!
حبيبى و زوجى وأباً مستقبلى لثمار حبنا..
بعد أن صعدنا السلم ومررت على قصر ثقافة حينا ..
تصفيق حار و دوى صوتى ولحن أنشودة براءتى تدوى  رأسى كما كان...وألوان ريشتى ولوحاتى.. على الحيطان..
أمسكت بيداه ونظرت لعينية .. وأبتسمت ..
قالئة  : " الآن أصبحت شريك الماضى والحاضر والمستقبل .. لو تعلم كم أحبك ..!
ويليه فالدرج  مكتب المأذون.. الذى شهد على تتويج زغاريد بدايتنا .. ونواح نهايتى ..
"أنه نفس الطريق الذى زرعنا فية  أولى بذور الكذب و حصدت أنا .. أنا وحدى ثمار الثقة ..."
"أفقتنى من غيبوبتى "
أصوات نباح كلب الجيران الهكسي ذو اللون الثلجى  ..
يلهث ويزمجر مبتهجاً...
و توقفت  سرعة السيارة وبكاء الرضيعين ..
أعتدلت مستعدة للرحيل ..
حيث تبدء ما نهيناه وتنهى ما بدأناه.. ككل يوم..
حقاً أخدت منها الحياة الغالى..
أعطها أيضا الأغلى..
تبدلت أحوالها مابين الغليظ إلى اللطيف ..
المزيف إلى الحقيقي ..
تعثر وسقوط ثم ركض .. وتنتهى دائما كعبور الفصول الاربعة تلو الآخر...  مجرد حطام عالق على أسوار الحنين ..
كانت هكذا  قناعتها ...يكفى أننا مررنا يوما سعداء بكل ما أمتلكنا..
أحتضنت كنزها ..بوجهه مشرق كصباح أول أيام الربيع ..
راضية بما قُسم لها بقلب سعيد.

***********************
نصوص واقعية بأسلوب جميل وروح  صافية  .. موفقة دائما ان شاء الله تعالى اديبتنا المتألقة.  

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم