طريقة موت - مجموعة قصص قصيره - بقلم الأديبة/ منى عز الدين - سورية


بقلم الأديبة/ منى عز الدين - سورية

مقدمة :
وستبقى القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب إلى الأديب  و القاريء أيضا رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..

والقصة القصيرة اختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته، وثقافته، وبراعته في الغوص بأعماق أفكاره..

***********************************************

1- طرقة موت
لم أكن أنتظر أحداً، وليس من عادة باب غرفتي في الفندق أن يُطرق إلا لاستلام فواتير مستحقة، أو بريد من ( الجوب سينتر) الذي أرهق كاهلنا بكثرة مقابلاته، لذلك توجهت بثقل في الخطوات، وتراتيل ندب يرددها لسان القلب؛
"متى نستريح من خطاباتهم التي تذكرنا كل يوم بفضلهم علينا "

رسمتُ على وجهي ابتسامة باهتة للموظف، وشكرته بلباقة تعودنا التزامها في هذه البلاد، بينما جهزت جوالي كالعادة لترجمة ماورد فيها ، لكنني تفاجأت وللحظة فرحت؛ إنه خطاب باللغة العربية ،كم جميل أن تتلقى خطاباً بلغتك وتقرأه بجوارحك الطبيعية دون اللجوء إلى جوارح ذلك الجهاز الذي احتل أماكنها هنا في بلاد الغربة؛
-"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ إخوتي الأعزاء ..."

خفق القلب وهلل يامرحباً بإخوة اللسان، ومالبثت تلك البسمة أن يبست وأنا اقرأ اسم جارنا أبي سعيد مذيلاً بعبارة رحمه الله، ومرفقة بالتماس مساعدة مالية لنقل جثمانه إلى بلده سوريا كما كان قد أوصى قبل وفاته .
نظرت إلى التوقيع وجدته باسم زوجته فاطمة،وأمام اسمها أخذتني الذاكرة إلى يوم كئيب من ثلاثة أشهرٍ مضت.

 أقف مع ثلة من نزلاء الفندق لنلمح كل أنواع الخيبة و الانكسار على وجه أبي سعيد بين اثنين من رجال الشرطة الألمانية تنفيذاً لأمر إبعاده عن أسرته كيلا يلحق بهم الأذى، صرخات ابنه ذي الأعوام العشر ترددت في سمع كل كياني الآن؛

_ اتركوا أبي ،أنا أحبه وهو  لم يضربني ،أخبريهم ياأمي أنه جلب لي معه لعبة البارحة ، قولي لهم أن نكهة الحلوى اللذيذة أجمل بدفء يده الحانية
 _ادخل غرفتك الآن ،سيغيب لبضع أيام ويعود بعدها وقد تبدل حاله للأحسن

قالت هذا فاطمة وهي تحجز ابنها عن اللحاق بأبيه وتحدج زوجها بنظرة وقحة؛ نظرة انتصار الخسيس في معارك الظلم.
شيعنا أبا سعيد بنظرات كسرها الدمع؛ تعَمّدنا  عدم التحديق فيه كي لانزيد عليه صعقات الخيبة التي جلّلت الموقف،
وكانت تلك آخرة مرة أراه فيها. أذكره جيداً الآن بقامته الطويلة التي لا أدري إن كانت هي من  أجبرت كتفيه على الانحناء للأمام، أم طول العهد بأسقام الروح في حرب مع الحرب وحرب مع زوجته بعد الحرب، لكنها لم تحنِ فيه يوماً إشراقة الطيبة في عينين سوداوين ضيقت  تجاعيد خمسين خريفاً مساحة محجريهما.
 كان ابني دوماً يداعب خصلات شعره  التي أطالها من جهة اليمين ليغطي فيها مساحة الصلع بردها وتثبيتها نحو اليسار ،وعند مشاكسته وسؤاله عن السبب يضحك ضحكته المجلجلة وهو يقول؛

_(هيك بدها خالتك فاطمة ،لازم نضل شباب )ويغمز بعينه نحو زوجته ويقول؛
  (ماعاد عجبها العجب من يوم دخلت ألمانيا)

تضخم صدى صوت هذه الكلمات في رأس ذاكرتي ، واستحضرتُ صورتها بكامل أناقتها في جمعاتنا وهي تختال بحديثها الذي ماتفتأ تعيده بأساليب وصيغ شتى وكلها بفحوى واحد؛
_يقولون لي دوماً أنني أبدو كابنته لا زوجته
_حقاً أنت مدينة بهذه السعادة لمساحيق التجميل
_غريب كيف أن الرجل يهرم شكله مع العمر بينما المرأة تزداد شبابا وجمالا
_ الغريب كيف استطاع العطار أن يصلح ماأفسده الدهر

دقائق استطالت لساعات بل لشهور لم أستفق منها إلا على صوت رنين الهاتف ورقم صديقتي وجارتي رهام؛

_بالتأكيد وصلك الخبر
-نعم إنني أحاول بلعه الآن
_سننزل للصالة بعد ساعة لتعزية فاطمة، أعلم ماتشعرين به وهو تماماً ما يخالجني

اختفى صوتانا بغصة نعلم كنهها ولم نستطع التعبير عنها.

في صالة الفندق اجتمعنا على طاولة لم يميزها إلا خلوها من أي شيء سوى فناجين القهوة المرة، وللأسف لم يكن له من طقوس العزاء إلا تلك القهوة، حاولت أن أرتشفها رغم كرهي لها، علها تعيد بعض التوازن إلى رأسي الذي استمر بتضخيم الكلمات وكأن حروفهم معاول تضرب فيه؛ عفواً لم تكن حروفاً، بل كل ماأسمعه أرقاماً يحاولون جمعها وطرحها من رقم تكلفة إعادة جثمانه لبلده .
همست صديقتي رهام وهي تقرأ مافي رأسي؛

_كيف يتحول كل شيء فينا في الغربة ؟حتى مجالس المواساة باتت مسائل حسابية ولغتنا استبدلت بحروفها الأرقام .

_أرقام نحن من بداية الحرب وقبل الغربة
أرقام تشير إلى عدد الضحايا وعدد المهاجرين وعدد الغرقى وعدد المعتقلين
أرقام تشير إلى دورنا باستلام المعونة ،وإلى رقمنا على طابور الخبز والغاز وإلى عدد الأرغفة مقسماً على عدد نصف الأولاد

_ لا تذكريني بتلك الأيام، كم كانت شديدة ،وكم كنا أشقياء

ابتسمت بمرارة وقلت لها؛

_نحن الآن أكثر شقاءً، والأرقام باتت عداداً لهزائمنا الروحية، جارنا الطيب كان يستحق عزاءً أفضل ،كان يستحق حياة أفضل ،كان يستحق أن يموت بين أحد من أهله لا في غرفة منفى صنعتها له قوانين بلد ولؤم زوجة.

وقفت معلنة انسحابي من مجلس النفاق هذا، وقبل الانسحاب طبعتُ في ذاكرتي جيداً  الرقم النهائي ،تكلفة عودة الجثمان إلى أرض الوطن ،كي أبدأ بجمعه منذ الآن .
**************************************************
2- حجرٌ_مرصوف

قاسية تلتهم لحوم البشر وتصيد الأحلام، لكنها تُعلّم الإنسان كيف يصبح بطلاً بأبسط الأدوات، فقط إذا تخطى إرادتهم  لكسر روحه ولو كُسرت ضلوعه، إذا صمم على إسباغ نوره ولو دسوا الظلام في حنايا فهمه وشعوره.

  كان مسرعاً يلهث راكضاً قاصداً حانوت العم زين،فلديه قائمة من الأعمال رتبها في رأسه الصغير، عليه مساعدته في وضع الطعام لمواشيه وحلب الأبقار ليحصل على أجر صغير يشتري به حاجياته.
 توقف فجأة وعاد خطوتين للوراء، إنه باب المدرسة، لأول مرة يراه مفتوحاً

_لن أتأخر إذا ألقيت نظرة عليهم
دلف من الباب بخفة مستغلاً تغيب الحرس، وتسمر أمام باب أحد الصفوف.
خلف ضباب الدموع راح أكرم  يطالع صورته وأصدقاءه يجمعون الأحجار، ويكورون كثبان الرمال ليصنعوا ساحة لعب في زقاقهم الضيق  على أرض تراصَّ فيها الحجر القديم معلناً تماسكه أمام كل عواصف الحت تحت  أقدام أولئك الغرباء.
كان ذلك الزقاق ملعب طفولتهم المقهورة  تحت نير الاحتلال، ومدرستهم  التي حرمهم منها حكم الأنذال.
فيه يرسمون حياة كاملة كما يتمنونها طبيعية، عندما يهادنهم زمن الحروب، وتخف عليهم قليلاً قرعات الخطوب،  وهناك في ركن من الزقاق اتفقوا على مكان؛ سموه بالمدرسة، وزعوا بينهم الأدوار بين معلم ومتعلم  وكان هو بينهم المنظم.
تذكر ذلك اليوم الذي كانوا يمثلون فيه طبيعية الحياة بين جدران مدرسة وهمية، صنعوها من أحجار وأخشاب ليشعروا أنهم ضمنها بأمان، وأن لهم فرصة للعيش في هذه الأوطان.
لكن صوت أزيز محرك ثقيل  ونهب مجنزرات قاسية لأحجار الزقاق المرصوف غزا حلمهم، ليستيقظ الوجل في قلوبهم والهلع يستعمر حدقات عيونهم البريئة.

_لقد جاؤوا
صاح أحدهم وهرع الجميع للاختباء، إلا صديقه حسن تسمّر في مكانه وهو يطالع وجوههم القذرة.
كانوا أربعة يجلسون على ظهر مجنزرتهم، وعيونهم يتراشق فيها الحقد مع تلك الابتسامة الوقحة التي من  الممكن أن تراها على وجه شخص تافه حصل على شيءٍ لم يكن يتوقع الحصول عليه يوماً.
ترجّل أحدهم بقامته الضخمة ومنكبيه العريضين، ووجهٍ بيضاوي ذي بشرة ليس فيها من البياض إلا اللون الظاهري يشوبه سواد نظرة حاقدة من عيون كستنائية دائرية زادت حدقتها اتساعاً، عندما رأى حسن ثابتاً في وجهه وبيده طبشورة كان يكتب فيها قبل قليل.
انتصب حسن بجسده النحيل فعاجله الجندي بلكمة وهو يصرخ في وجهه؛

_ماذا تفعل هنا أيها العربي القذر، وماهذا المكان؟
هل اتخذتموه وكراً لإرهابكم

أعاد انتصاب جسمه بعد أن كان قد ترنح من تلك اللكمة وصوب نظرة حادة  قائلاً؛
_إنها مدرستنا التي حرمتمونا إياها

قهقه الجنود بصوت أثار اشمئزاز الطفل، لكن الجندي مااكتفى بذلك، فوجه ضربة بعقب سلاحه على رأس حسن وهو يقول؛

_عربي متخلف، لا تحتاج خدمتكم لنا لمدارس،ولن تجرؤ بعد هذه الضربة على حدجي بنظرة مستنكرة.
عليكم أن تتعلموا النظر كالعبيد.

سقط الطفل أرضاً بدماء منسابة على الحجارة، وجسد يتلوى لكن الروح شامخة غالبت الألم، ورفعت الذراع بحجر أصاب الجندي بهلع، فصوب السلاح نحو حسن وأمطره بوابل من الرصاص، ومضى بنشوة انتصار بغيض على مجنزرته تاركاً الفتى مسجىً بدمائه.

مسح أكرم دموعه دفعة واحدة بطرف كمه وهو يحاول مسح هذه الذكرى من رأسه كما وعد أمه،فيجب أن يقبل بالأمر الواقع كما قالت وعليه أن يمشي جنب الحائط حتى يعيش بأمان؛ لكن منظر أطفال الغرباء على  مقاعد الدراسة أشعل الغضب في شرايينه، تحسس قطعة الطبشور التي ماغادرت جيبه يوماً منذ استشهاد حسن، أخرجها ووتوجه إلى آخر الدهليز حيث وجد سبورةً  قد رُسِم عليها علم الصهاينة فوق قبة الصخرة، وبكل ما أوتي من غضب  غلب خوفه المتقهقهر، وحرك قلم الطباشير فوقها ليطمسها، ويكتب؛ القدس عاصمة فلس....
قطع صرير الطبشور صوت تجهيز سلاح خلفه.

في ذلك البيت المقدسي المتهالك المسنود سقفه بعدة أعمدة، والمتشحة جدرانه بأوسمة الرطوبة؛ كانت تنكة الغسيل تغلي على الموقد وقلب أم أكرم يغلي على وحيدها الذي خرج ليشتري مسحوق الغسيل وماعاد بعد.
************************************************
3- خريطة
بعض الأسئلة البسيطة تأخذك في رحلة عبر الزمن، تجعلك تراجع كتاب حياتك، فتقف مذهولاً من شدة الألم.

في سؤال اعتيادي_ يُسأله كل مهاجر في بداية مراحل تعلمه للغة البلد المهاجر إليها، سؤال نظنه سخيفاً، ويرونه ضرورياً للتعريف بهويتك الشخصية،لا يتعلق بصفاتك الخارجية وإنما بتقاسيمك الداخلية_وقفتُ أمام المعلمة  عاجزةً وأنا أحاول فتح سجلات ذاكرتي لأغشّش منها بجواب، رغم بداهة السؤال الذي كنت أجيب عليه وأنا طفلة بكل برود ونمطية، لكنني الآن أشعر بالمسؤولية عن موضوعية الجواب وصدقه.
لابد أن الفضول خيّل لكم سؤالاً خارقاً، المفارقة هنا أنه لم يكن خارقاً،
لم يتعدَّ الكلمتين
ما هواياتك؟
خطر لي أن أجيبها ذلك الجواب التقليدي الذي كنا نقذفه دون أدنى تفكير (المطالعة) لكنني أحجمت، ربما لأنني الآن أمام ثقافة جديدة فكيف أناقشها فيما أقرأ وأنا لازلت أحبو في عالم المفردات الألمانية، وأعاني الأمرين في تشكيل جملةٍ مراقبةً ردة فعل السامع لأتحرى إن كانت صحيحة أم لا؟
أو ربما لأنني كنت أقرأ من هنا وهناك دون تعمق في أي شيء فما كانت حصيلتي إلا قليل قشور، وهذا السبب الأرجح، إذ افتقدت الدفة في ذلك الإبحار فعزّ على شاطئٍ الوصول.
إذن لأبحث عن هواية أخرى؛
 موسيقا؟لاأحبها
 رياضة؟ لا أمارسها
 رسم؟ لا أتقنه
 كتابة؟ ليس عندي الجلد والصبر لإتمام أي شيء بدأته.

رفعت المعلمة خصلة شقراء عن جبينها معيدةً تسويتها مع شعرها بحركةٍ فهمت منها تململها من الانتظار، رغم أنها حاولت ستره بابتسامة مشجعة، صار لزاما عليّ بعدها الإجابة بعد رحلة بحث  اكتشفت  فيها كم فقيرة أنا في مقياس المهارات، المعلومات والإنجازات.
في محاولة منها لكسر الصمت سألتني :ماذا تحبين أن تفعلي وما الذي لا تحبين فعله؟
وعدت من جديد إلى دوامة، لم يكن عندي فرز لهذه الأمور، لطالما فعلت ماعليّ فعله ولم أمارس الأعمال أو أحجم عنها بدافع حب أو كره، أستيقظ صباحا لأضع الفطور و أنظف الأطباق، أسرع إلى المدرسة حيث أقوم هناك بما ينبغي وما تعودنا عمله روتينيا، أعود إلى البيت للتفكير بوجبة الغداء، ومن ثم أؤدي الواجبات الاجتماعية التي حفر قانونٌ ما في ذهني أنها واجبة عليي، وكأن أمامي آثار خطوات في مشوار الحياة كل ما أفعله أنني أضع قدمي مكان الأثر وأتابع.

قطعت المشوار المعلمة بضحكة مجلجلة قائلة؛
 أين وصلت ؟
قلت؛
-إنني أنظر موقع قدمي، لا أرفع رأسي لأنظر  للأمام ، ولا ألوي عنقي للخلف، فقد يبتلع الطريق الآثار وأتوه بعدها

تردد الضحك في القاعة، ضحكات عالية تيقنت عندها أنني أكملت حديث نفسي بصوتٍ عالٍ دون أن أشعر ، وتناثرت أوراق حولي من المستظرفين وهم يقولون؛
- إليك الخريطة يا "سانتياغو" وهيا أكملي البحث عن كنزك.

طفرت من عيني دمعة وقلت للمعلمة بلغة ألمانية متكسرة كنفسيتي حينها؛
- يوما ما كنت أضحك مثلهم، وعندما أدركتُ أننا أضعنا خريطتنا بكيت.
كم مؤلمٌ منظر الحقول المقفرة في أيام الحصاد
كم مؤلم في ذلك الموسم أن نندم على عدم البذار.

************************************************
نصوص جميلة معبرة، بسرد شيق جميل، ابدعت الأديبة في توصيل فكرتها بأسلوب سهل بسيط دون تعقيد، 
دمت مبدعة متألقة اديبتنا المبدعة، 
موفقة دائما ان شاء الله تعالى

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم