استلاب - مجموعة قصص قصيرة جدا - بقلم الأديب/ مصطفى الخطيب - سورية.

بقلم الأديب/ مصطفى الخطيب - سورية



تتوالد الأجناس والألوان الأدبية
على مر التاريخ ، وتمر الأيام والسنون، ويصبح هذا اللون قديما، وقد يولد منه لون آخر .. 
 واللون الأدبي القديم الحديث ،القصة القصيرة جدا أو الققج كما يطلق عليها اختصارا حاليا ..
هي جنس أدبي قائم بذاته، اختلف النقاد والأدباء في تحديد وقت ظهوره بالضبط، فمنهم من قال بأن القصة القصيرة جدا موجودة في الأدب العربي ومنذ فترة بعيدة، وكذلك في الأدب العالمي، ولكن أتفق الكثيرون على أنها ظهرت في الغرب ثم انتقلت الى وطننا العربي  منذ التسعينيات، إلى بلاد الشام والعراق والمغرب العربي، وتم اطلاق عدة اسماء عليها قبل ان تسمى بهذا الاسم،  وهي جنس أدبي يقوم على حركتين: 
حركة داخلية الحالة النفسية والانفعالات وغيرها 
حركة خارجية: تعتمد على تقنيات القصة القصيرة جدا
تبدأ المفارقة، الحالة، الخاتمة.
وهكذا سيكون النص تنطبق عليه شروط الققج، مع ملاحظة ان بعض الادباء لا ينظر إلى المفارقة فيكون قد قتل النص في مهده، والبعض لا يلتفت إلى الخاتمة، فيكون النص خاليا من روح الابداع، ولا يمت لجنس الققج بصلة .. 
إلى بعض الابداعات : 

**************************************************

1- استلاب
اجتمع أبطال الأساطير، حمل كل منهم ألواحه، تحلّقوا حول الطاولة، ارتفع صوت جلجامش، تحسّر على ملحمة أضاعها الأحفاد، بكت عشتار، غادر الجميع مهمومين، بقيت نجمة سداسية تخيم على المجلس الفارغ.

*************************
2- فقد
أثار صوت الانفجار في الساحة الرعب، توجّه الجميع بحثاً عن أبنائهم، وقف حائراً، بدأ يقلب الجثث، وجده أخيراً، حمله إلى مثواه، ألبس القبر ثياب العيد ومضى.
*************************
3- ارتباك
انطلقت صفارات الإنذار، توجّه الجميع إلى الملاجئ، وقف الزعيم بكبرياء، بدأ يتهدّد ويتوعّد، توشّح سيفه، قرر التصدي للعدو، لم يسعفه جسده المشدود بخيط محرك الدمى.
************************
4- نكوص
المفتاح الذي ورثته عن أبي بعد الهجرة الأولى، أضعته بعد وصولي إلى مخيم اللجوء.
*************************
5- حَجَر
جثم على طرف الشارع، غالبا ما كنت أضربه بقدمي، لم يتذمر مطلقاً، حاول مراراً لفت نظري، رفضت مساعدته، ولكنّي عرفت كم كان عظيماً وأنا أرمي به جبهة عدوّي.
************************
6- فوارق
في كل يوم وبعد أن ينهي عمله، جامعاً ما يسد رمق أسرته، يمر بالقرب منه مجبراً، يقف أمامه، يتأمله من قدميه إلى قمة رأسه، يحاول تحسس ثيابه، يتمنّى أن يكون مكانه؛ ليحظى بقليل من الدفء، يردعه صوت البائع: إياك؛ فثمنها أغلى منك.
*************************
7- انفصام
عشرون عاماً وهو يدعو إلى ثورة الجياع بلا ملل، لم تمنعه من فرض ضرائب جديدة بعد وصوله للحكم.
*************************
8- جينات
كانت فرحته لا توصف وهو ينتظر مولوده الأول،
انتظره بفارغ الصبر، كم كانت صدمته كبيرة
عندما رأى ولده قبيحا جدا فلا هو يشبهه أو
يشبه ملكة الجمال أمه، حيّره الأمر وضرب
أخماسا بأسداس، لم يصل إلى تفسير يرضيه،
وبدأ يفتش في أصوله وأصول زوجته،
ولكن زال تعجبه بعد أن رأى صورة زوجته قبل عمليات التجميل.
*************************
9- خيانة
الخنجر الذي اغتِيلَ به القائد كان شاهدا على حفلة استلام نائبه وسام الشجاعة.
*************************
10- تخاطر
توقف طويلا أمام قفص القرود، تأمل لعبها وحركاتها، أذهله قفزها على الأغصان، تذكر ما فعله زميله في المصلحة عندما احتل مكانه.

*************************
11- أسرار
خلف أبوابه الموصدة اجتمع القادة الكبار، كان اجتماعا مغلقا، انتظر المراقبون كثيرا، خرج الجميع، كانت طاولتهم سداسية الزوايا.
*************************
12- مزاد
كان الصراع محموماً لشراء تلك اللوحة المذهبة، لم يتوقع المسؤولون ما حدث، ضرب المدير على الطاولة معلنا فوز من قدم دمه ثمناً.
*************************
13- إذعان
يطير عقل الراعي في كل مرة يفترس فيها الذئب شاة، قرر أخيراً إبرام اتفاق معه، فرض الذئب شروطه، اضطر الراعي لقبولها، مهر الوثيقة بدماء حارس القطيع.
*************************
14- فساد
لم ينتبه لظهوره، امتد لكامل المزرعة، خنق محصوله، استعان بأفضل الخبراء للقضاء عليه، باءت محاولاتهم بالفشل، نصحوه بقلب التربة، ولكن لم يضمنوا له القضاء على بذوره.
*************************
15- هروب
انطلق مع عائلته مسرعاً، خلّف وراءه بيتاً مهدماً وكثيراً من الذكريات، حمل طفله الصغير بين ذراعيه، تجاوز المنطقة الحدودية، فاجأتهم العاصفة، خلّصهم الثلج من سواد قلوب البشر.
*************************
16- ترقّب
أرسلوا له برقية عاجلة لحضور مؤتمر للسلام، جهّز أغراضه، وضعوه في مستوعب الطائرة بعد تجهيزه للوفود، وصل أخيرا، تابع الجلسة الافتتاحية وقلبه معلق بقريته، تحدرت من عينيه دمعة بعد وصول نبأ مقتل أهله بصاروخ الدولة الراعية للمؤتمر.
*************************
17- نذالة
الكاتب الذي أبكانا كثيرا ونحن نقرأ مأساته في المعتقل السياسي، فاجأنا وهو يقبل يد الطاغية بعد ان أصبح وزيرا في الحكومة.
***،**********************
18- بلاغة
لم يسفعه الوقت ليكتب رسالته الأخيرة، أصوات الانفجارات تهز المدينة كلها، أحالت إحدى القذائف بيته ركاماً، ارتفعت رجله  من تحت الأنقاض معلنة سقوط الإنسانية.
*************************
19- تخفيف
حملته طوال خمسين عاما، في كل مرة كنت ألقى مما يحتويه الويلات  والمصائب، قررت التخلص منه، وقفت أمام تلة من الجماجم، ألقيت هناك رأسي وتاهت بقية أعضائي في بحر من الدماء.
*************************
20- احتقار
وضعت في صدر المعرض الفني، لم تكن صورة تلك الفتاة عادية، حازت إعجاب الجميع، عبثا حاول النقاد الكشف عن سر جمالها، قدموا تأويلات متعددة، نظرت إليهم بعينين شاخصتين ودمعة تحكي قصة براءة مستباحة.
************************************************
أبدع الأديب في نقل أفكاره إلى القاريء بشكل سلس جميل، مطبقا بكل اقتدار قواعد واساسيات كتابة 
القصة القصيرة جدا، النصوص تحمل من الأفكار الجميلة والواقع، الكثير، وكذلك الوصول بالقاريء إلى حيث يريد مع ترك خياله متعمقا في النص، ليستخرج من مكنونه مايريد، دمت مبدعا متألقا اديبنا القدير  .. موفق دائما ان شاء الله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم