كش مات .. قراءة نقدية بقلم الأديب الناقد / محمد موسى العكادي - السودان

قراءة نقدية للأديب الناقد / محمد موسى العكادي
- السودان



قصة قصيرة للأديبة / هادية حساني - تونس


قراءة نقدية رائعة للأديب الناقد أ. محمد موسى العكادي  وقد صال وجال في ساحة النص وغاص في أعماق أعماقه وأخرج تلك اللآليء الرائعة من مكنونات هذا النص البهي الذي ابدعت في كتابته الأديبة المتألقة وكم اتمنى ان تكون القراءات بهذا العمق والحيادية والبعد عن مجاملة النص أو كاتب النص ..
ابدعت اديبنا القدير
بالتوفيق دائما ان شاء الله تعالى اديبتنا المتألقة  ..
 إلى القراءة:
************
- كش مات
  نص بهي ،صيغ على نسق الكبار،لا تخفى ملامح  الحرفية بين جوانبه ،وإن كان يعنى بالحالة النفسيةو الإنسانية  في المقام الأول،أكثر من اهتمامه بالحدث الحركي.
  مابين اللغة الرفيعة، والطرح العميق ،ارتكزت أوتاده،وعلى تيمة التشويق أقيم عماده،وبتقنية الفلاش باك بانت تلاله و وهاده.
وكما أشرت    النص حالة نفسية وجدانية أكثر منه حدثا،والسرد سجية فطرية،و موهبة ربانية ،شيعت موجدة ،و أبنت جدثا.
  أي جمال هذا ! و أية ملكة!أي تسلسل هذا ؛ وأية تداخل! خيط رفيع يرسم للمتلقي خصوصية الحالة،أو عمومية الطرح.
   ومع يقيني أن القصة فن عالمي لا يرتهن بعرق أو جهة ،إلا أن خصوصية الدلالات المعنوية للألفاظ العربية ،لا تحاكي أو تشارك إيحاءات غيرها ،من الموجزات الغربية،فالأمر يحتاج لدقة في اختيار اللفظة للتعبير عن الدلالة المرصودة،والغاية المقصودة.
  وتداخل المشاهد الدناميكية وحتى النفسية بقدر ما أضاف للنص وغزره،خصم منه و غرره.
 ودي وتقديري واحترامي لهذا القلم الندي الشجي ،لك Hedia Hassani

قصة قصيرة: كش مات
checkmate
لم تكن اللعبة سهلة. كانت عينا الصغيرة «ديالى» ذات الثلاث سنوات الزرقاوان تجولان بين قطع الشطرنج، وهي مسندة ذقنها الى ابهامها، واضعة سبابتها بين شفتيها الحمراوين كحبتي كرز .
وكان «جون» يحس بآضطرابها وخوفها، لكنه يتجلد .
يصيح فجأة وهو يبتسم :
- كش مات checkmate
في تلك اللحظة التي أنهى فيها اللعبة، تذكر كل شيء دفعة واحدة..تراقصت الصور أمام عينيه كشريط لا نهاية له.. تتراخى يداه، ويصمت .
تسأل «ديالى» مستغربة :
- ماذا حصل بابا..انت غاضب مني !؟
يغمض عينيه الشاخصتين،  يطوح برأسه، يقفز واقفا وهو يقول :
- لا شيء..لا شيء عزيزتي ! آسف..نكمل في المساء !
يسحب حبة دوائه، يبتلعها، يحاول الاسترخاء والهدوء، لكن نفس الصورة تلح عليه، تلاحقه..
هي فتاة عيناها دعجاوان سوداوان، أنفها كبير بعض الشيء، شعرها طويل فاحم، بشرتها مائلة الى السمرة، لكن أكثر ما نقش بذاكرته هي تلك النظرة، نعم نظرتها !
حين نظر الى «ديالى» منذ حين تخيلها هي..نعم هي..
آحيانا مجرد مناداتها أو سماع آسمها يذكره بكل شيء .
«ديالى» هو آسم نهر هناك،نهر «ديالى» حيث تسكن تلك الفتاة .
أوقف سيارته، ترجل فقد تذكر كلام طبيبه النفسي :
- المشي والتأمل مفيدان لك..
مشى طويلا على خليج«سان فرنسيسكو» الساحر الممتد ببحره الفيروزي يحتضن تضاريسه الخضراء، ثم صعد جسر «البوابة الذهبية golden gate bridge
المعلق فوق البحر، مشى طويلا دون أن ينال منه الاعياء، لكن نظرات الشفقة تعكر صفوه أحيانا.
عاد اليه صفاؤه الذهني وهدوؤه، تذكر مسقط رأسه، مدينة «ديلي سيتي» القابعة في الجنوب . تلك المدينة الرائعة التي لا تنام، والصاخبة بالحياة والجمال والفنون. هناك فتح عينيه على كل شيء رائع..
لذلك أصر على تسميتها «ديالى»، أرسل لزوجته مؤكدا على الاسم، لقد تفاجأ بالتقارب في الأسماء، وأحس أن القدر سيربطه بهذا الاسم للأبد..

يومها كانت أعصابهم مشدودة نتيجة صعوبة عمليات الانزال والتقدم البري أمام ما يواجهونه من مقاومة شرسة، وأكثر ما أرقهم الألغام وما تخلفه من أشلاء ممزقة وجثث متفحمة، واعاقات وجرحى، صاروا مسكونين بالموت..

لكن ما كان يريح «جون» هو الكتابة، وفي ذلك اليوم بالذات كتب :
الوقت يقارب الغروب، الجونة قرص أصفر باهت يخبو شيئا فشيئا ليغرق في تلطخات ارجوانية بلون الدم.. بجانبنا نهر  «ديالى» الشاشع، الملتوي كالثعبان، يشق الاخضرار..
عند تسللنا الى النهر لمحناها، واقفة بقامتها الهيفاء، كل شيء يشعرك بخدر غريب !ربما هو سحر الشرق الذي قرات عنه .
قفزنا من مخبئنا، اختاروني للتغطية، وجهوا نحوها رشاشاتهم، آرتعشت كغزالة وقعت بين براثن وحوش ضارية لا ترحم.. جرجروها كخرقة فوق النباتات والأشواك، كانوا كلابا مسعورة، جائعة لم تذق لحما منذ مدة طويلة..
في لحظة ما تخيلتها آبنتي، تصور جامح أهوج المنطق،  واختلجتني مشاعر غريبة. هي نفسها يوم علمت بولادة «ديالى»،  عيناي مثبتتان عليها، ولا أعلم لما كانت تنظر الي متوسلة !؟ هل ادركت احساسي!؟ لا أدري !؟
دوت صيحاتها باذني وسرعان ما آختلطت بصيحاتهم الهادرة كالطوفان، عيونهم مشتعلة حادة كعيون الذئاب، أفواههم لا تستكين، حركاتهم سريعة لا تهدأ و تصيبك بالدوار..كنت حينما تنفذ طاقة آحتمالي أحس أن زلزالا سيقوضنا وتبتلعنا الأرض، وأرتاح..
- لا تنظر في عيني عدوك حتى لا تضعف !
- اي لحظة ضعف تعني موتك أو هزيمتنا !
تدخل أمريكا العسكري ليس اعتداء بل حماية لشعب مضطهد، يتوق للديمقراطية..
- ماذا فعلت يا«جون» !؟  ماذا ستروي لآبنتك !؟

لم أعد أحتمل، رأسي تكاد تنفجر كبركان، صيحاتها ونظراتها تمزقني،تخترقني الى الأعماق، فتشطرني نصفين..
أيديهم الشرسة تملخها، تنهشها نهشا، تجردها من ثوبها الطويل، تنهال عليها الصفعات من كل جهة لتخرسها، ينزف أنفها وفمها، الدماء تغطي وجهها الطفولي، ترفرف كحمامة مذبوحة، تفقد توازنها، تسقط، تتلوى ألما تحت ضربات أحذيتهم الثقيلة، ،تخبو صيحاتها، ولا يسمع الا بكاؤنا وأنينها..
وجهت رشاشتي نحوهم وصحت :
- ارفعوا أيديكم، حركة واحدة وأطلق النار !
سكنت حركاتهم، وألجمهم الخوف..
- آتركوها..
أجننت ! ماذا تفعل !
- اهدأ جون أرجوك، لنتفق !
أتركوها ! سأعد لثلاثة..
- تقتلنا لاجل فتاة حمقاء !
- وان..تو...
بعدها تهاويت أرضا، وبكيت ونشجت طويلا..
والى الآن لا أدري كيف فعلت ذلك !؟
                         جون.
يتوقف وسط الجسر، ينظر الى البحر وهو ينقر على القضبان برجله المعدنية، ثم يسحب سلسلة من الذهب  من جيبه، يتأمل الاسم المنقوش عليها بالاسود «زهره»، يبتسم وينظر بعيدا..بعيدا الى اللجة المتلألئة والنوارس المحومة فوقها...
************************
سعدت بقراءة النص والقراءة أيها المبدعان  .. بالتوفيق دائما ان شاء الله تعالى

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم