سابق - قصة قصيرة - بقلم الأديب/أيمن حسين السعيد- سورية

بقلم الأديب/أيمن حسين السعيد- سورية


وتظل القصة القصيرة هي اللون الأدبي الأكثر جذبا للأديب والقاريء فيجد الأديب متعة في كتابتها ويجد القاريء مبتغاه في هذا النص القصير والذي يحتوي على كل مايريده من عناصر التشويق والتثقيف..
*********************
1- سابق
أنا معلم سابق محارب سابق أب سابق عاشق سابق أنا السابق الماضي الذي لازال قلبه يتفجر بالعشق وتتشظى من قلبه عوالم عشق لم تولد بعد.أيمن السعيد. سورية
نار حبه لها كانت ولاتزال سريعة اللهب، لازال هذا اللهب قويا في جذوته طراوة عشقه لها، لم يمت رغم التفريق، ما درى أنها كانت تتلهى بلهب حبه إلا عندما فارقها، خمس وعشرون سنة قايضتها بخمس ثوان بكلمة واحدة لن أعود إليك.
يتخطى الآونة العارضة ، يستجمع كليته بالمطلق، يستعيد ذاكرته بعد أن صفت ذاكرته من عكر حضورها الذي كان يعتبره يوم كان معها مياه زمزم الأنقى، فمن خلال معاشرته لها دائما كانت تطلب منه الأصعب، لأنها عرفت نقاؤه، فلاح له الآتي من الحاضر، وتحمل بجلد كافة متطلباتها التي تنوء الجبال عن حملها، لأنها متطلبات فوق إمكانياته واستطاعته، ومع ذلك تجلد وعمل بكافة الأعمال وقدم جل التضحيات، في سبيل تحقيق مطالبها حيث كان حبها يهون عليه المشاق والصعاب التي كان يكابدها، مستبشرا بابتسامة منها فيثبت لديه سمت عقله في عز وهج الجفاء منها.
أتراها بعد أن تفرقا ، هل أدركت الآن كل ماصنع لأجلها، ولكنه بينه وبين نفسه يقول:
-لابد من مجيء يوم تعرف فيه تلك الجاحدة ماقدم لها ولأولاده ولأهلها من تضحيات فقد قطع أشواطا ضوئية، في سبيل تلبية طموحاتها وطموحات من حولها النرجسية بدون أي تقدير لتلك التضحيات.
الآن بلغت ووصلت إلى أهدافها وطموحاتها وتزرع وأهلها في نفوس أولاده أن الفضل فيما وصلوا إليه بسبب وتضحياتها هي وأن والدهم لافضل له...كم هو مسكين هذا الذي توله في عشق جاحدة حاقدة ...يقول...بينه وبين نفسه....الله موجود...الله يعرف....والله لن يبخس حقي الذي ينكرونه.
فجسده ووجهه  يشهدان كيف تفرغ في أجسادهم ووجوههم،
وكيف أن ضميره الذي أزهر لهم قد أزهرت ابتساماتهم......... مشرقة بفضل تضحياته، فزمانهم متألق الآن بفضل تلك التضحيات التي تنكرها وأهلها ولا يعيها أولاده.
يختصر هذا الساذج حياته في ملمحين، لحظاته المعقدة من نرجسية حبيبة معقدة اختصرت قسماته وتدرجت مأساته من أول الهوى لها إلى حيث البوح به ومن ثم الزواج بها ومرارة العيش معها ومن ثم التخلص منها.
كلها مآس كانت تتكامل كلما استعمقت الهوة بين توقه لها والمحال منها حيث توترات حياته معها صراعا دائما بسبب تنافر الطباع، فتوسعت أبعاد غصصه حتى يصل حد التمزق من صراعه النفسي الداخلي بسبب خروج الأنا منها فأحالت حياته الى جحيم لا يطاق فحلجلة فانحلال للاحترام في نهاية معاشرته لها.
قبل التفريق اتخذ من البعد عنها في المكان، حلا لمعاودة أستمرارية حياتهما، ولكن هذا البعد أزال عنه ضباب حقيقتها، هو الذي نبه براءته الأولى للخروج من مكامنها، حيث اتضح له أن حياته التي يعيشها معها لا تكتسي بحبها الحق له سواء ابتعد أم اقترب منها فالأمر عندها سيان لا اهتمام لا أكتراث لا وجود له في قلبها.
كيف يستطيع خلق حبه في قلبها!؟ كيف يستولده طريا فيه من الحنان ما يعوضه عن جفائها المقيت.
يعتصر في قلبه العديد من المآسي والمواقف والصور والكلمات منها ومن أهلها الحاقدين عليه وعلى أهله وجميع أقاربه،عرف من خلالها واقعه وحقيقته تماما وماهو بالنسبة لها.
فقد كانت مشكلة عمره مأساة عالمه، وهو الذي عاش خلال عهده الأولي عهد الطفولة وصفاء الصبا، ففيه البكارة والفطرة والرجولة والنخوة والطيبة النقية على عكسها وأهلها تماما، فقد ضيعت بدهائها وخبثها ومكرها زمنه الذي عايشه فآلت فطرته إلى الأفول.
هذه الفطرة في صميمه هي نغم هوسه، ومنبع فرحه، وهي سبيله إلى مصالحته مع الحياة، هي بالنسبة له لون الرجاء، هذه الطفولة وبدايات حياته البكر، يغسل بها عالمه وماعلق به به من مآس وأوساخ قد علقت بتلابيبه، يحاول تجديد قيامته، ولكن انحلال الفطرة في نفوس البشر من حوله وفي حياته الواقعية وتعفن تلك النفوس اللزج الذي فكك أصالتها ضرب ذاته باليأس، عندما رأى البشر من حوله وخستهم وجحودهم ودناءتهم وكيف أن صفوة القيم لديهم قد هوت، فبات يشتهي الموت فهذه الحياة بالنسبة له أصعب وأقسى وأشد مرارة من الموت.
يسأل نفسه هل الحق في هذا على والدتي رحمها الله هل الحق عليه، هل تربيته لاتنفع لزمنه، هل هو المخطيء وجميع البشر مصيبون في طريقة عيشهم اللأخلاقية...ثم كيف لفطرتي البتول النقية أن تواجه هذا العالم البشع المتحلل من الحب المنكسر بقشعريرة الرعب وكابوس العبث وأن يسرق حتى الكحل من عينك حتى وإن كان لا يحتاجه، يستفيق غاضبا وتأخذه شهوة الرفض حتى أعياه الغضب يأسا والرفض مرثيته والنفخ في روح عالم ميت لا يرجى له قيامة ويراه أمامه كيف يتساقط ويتهاوى إلى أسوأ وأسوأ فالباطل محتوم عليه السقوط والتهاوي.
في خريف عمره الآن أصبح ينتظر الموت أن يزوره مبكرا، بعد أن يأس من معجزات الله فلا حب من أحبهم سيأتيه ولا المحبة بين البشر تلوح شمسها...يضحك...ساخرا
-ربما شمس الحب شمس المحبة...ماتت..وهي الأخرى لا روح فيها ولن تشرق..أبدا...حالها ....حال باطل البشر الذين مات الحق والفطرة النقية في قلوبهم.

************************************************

2- جذور..
كان يملأ عليها البيت بهيبته ورجوليته وجلال قدره وبهاء شخصه،لم يكونوا في تلك الأيام بحاجة إلى البونات أو البطاقة التموينية أو إلى أي إنسان، بل إن الله سبحانه وتعالى كان رؤوفا به فاختاره إلى جواره.
قبل أن يعرف هذه اللعنة التي يسمونها المعونة، فرزقهم من أشجار الزيتون والأراضي البعلة، كانت كافية ليعيشون من ريعها في عيش رغيد هانىء.
كانت تنهض كعادتها باكرا مع الفجر  فتعد الفطور وتوقظ الأولاد الخمسة وأباهم، فيتناولون فطورهم مع الشاي والخبز المخبوز من القمح الخالص، وكان الرجال يذهبون إلى وظائفهم وجامعاتهم أما أبو محمد فيشغل نفسه بمستلزمات رزقه من حراثة وبذار وتقليم حسب مايكون أوانها من الوقت في السنة ويساعده أولاده الشبان الثلاث محمد وحسين وحسن في تلك الأمور أيام عطلهم او بعد مجيئهم من أعمالهم
أما البنتين زهور وغصون فكن يدرسن أيضا .
في ثانوية القرية أما هي فكانت تمكث في البيت تقوم  بوضع العلف للغنمات والدجاجات في غرفة من ضمن البيت ولكن يفصل مابينها وبين البيت حديقة أو حاكورة فيها كل ماتشتهي العين والنفس من عرائش عنب وياسمين وورود وليمون وبرتقال يوسف أفندي وإكي دنيا ورمان ومنغا وكريفون ومشمش وخوخ كل ماتشتهي العين والنفس في هذه الحديقة وكانت أم محمد دائمة الحرص والرعاية لحديقة المنزل وتقوم بزرعها شتاء بالخس والبصل والنعناع والبقدونس وصيفا بالطماطم والفليلفلة والباذنجان..وتعادل مساحة الحديقة مايقارب نصف دونم منظمة بطريقة جميييلة.هذا بالإضافة إلى انشغالها بوجبة الطعام التالية.
كان يساعدها دائما ويظهر لها من العطف ما لا تستطيع أن تنساه فقد حاولت ذات يوم أن تساعد ابنتيها في نقل السماد ولكنه أقسم عليها أن لاتفعل ذلك ولم يكن يتركها تجهد نفسها إذا كان موجودا مع أولادهم.
كانت تشعر أنه ليس زوجا وحسب بل الأب الحنون والأم الرؤوم والمعلم المخلص المتفاني.
كان إذا جلس إليهم في المساء وقل أن تطول سهرته وجلسته يحدثهم بأحاديثه الشيقة الشهية وكان يناديهم ب"يا أولاد" وهي تعرف أنه يشملها بهذا النداء.
كان صوته بالنسبة لها رصينا جهوريا أجمل وأعذب ما يطرق السمع فهو رغم خشونته يفيض بالحنان.
كانت زهور في العاشرة من عمرها عندما مدت أناملها الطرية اللينة وقطفت زهرة من زهور الليمون المتفتحة في حديقة المنزل آنذاك.
وإذ به ينطلق بحديث طويل عن قيمة الأشجار وزهور الأشجار، وعرف من لم يكن يعرف بأنهم جميعا مرتبطون بأشجار الزيتون والبرتقال والليمون وكل شجرة مزهرة في أرضهم وحديقة منزلهم فزهور الأشجار هي ثمار في أول الطريق وأنهم يأكلون ويشربون بفضل هذه الزهور أو هذه الثمار، وأن الواجب عليهم هو الحرص والعناية بكل ورقة وكل ثمرة ،كان يدخل في أذهانهم رحمه الله  أنهم من الأشجار وأن علاقتهم بها أكثر مما يظنون وكان يندفع في شتى المناسبات في أحاديث طويلة مختلفة عن هذا الموضوع باسلوب منسجم لا تستطيع استعادته الآن.
ولكنهم جميعا كانوا يفهمون مايريد أن يقول ويوصله إليهم فلم يكن يكتفي بالتشبيهات بينهم وبين الأشجار بل كان يقول لهم أن لهم جذورا كجذور الأشجار لا تمتد إلى باطن الأرض فقط بل إلى الآباء والأجداد وإلى أهل القرية وكان يقول أيضا: أن الإنسان إذا ما اقتلع من جذوره يذوي ويموت كالأشجار تماما.
وبعد أن قتل المتمردون ابنيه محمد وحسن بحجة عدم انشقاقهم عن الدولة وماتت ابنته غصون برصاصة طائشة في معركة نشبت مابين الجيش والمتمردون على الدولة  في قرية زوجها غير البعيدة عن القرية وبعد أن  قتلت زهور برصاصة في رأسها في معركة اخرى هاجم فيها المتمردون القرية بينما هي على السطح في منزل زوجها تنشر الغسيل وبعد هذا كله اضطر أبو محمد أن يلزم بيته لأن جسمه ماعاد يستطيع أن يحمل تلك المصائب التي تتالت تباعا عليه  فخارت عزيمته وتهاوت.
إحساس غريب كان يطبق على صدره ويسري إلى لوحة الكتف الأيسر ثم يشده مما تحت الترقوة فيحسب أن عذاب الدنيا والآخرة قد تجمع دفعة واحدة واستوطن أضلاعه كان يحاول أن ينهض من فراشه ولكن  الموت أوقف ماتبقى له من عزم.
لم تنس أم محمد عندما قام المتمردون بإجبارهم جميعا على التوجه شمالا رغما عنهم لأن معركة ستدور مابينهم وبين الجيش وبحجة الحرص على سلامتهم رحلوا مرغمين كما غيرهم ممن رحل من أهل القرية بمتاعهم القليل حيث وضعوهم في سيارة الشحن على الرغم منهم ومن عناده حيث كان يصيح بهم غاضبا :دعوني أنا لا أترك جذوري أنا لا أترك جذوري دعوني أموت في منزلي ولكن أحد المتمردين المقنعين ردعليه: كفاك تخريفا.
وعندما استولوا على القرية بعد انسحاب الجيش كم كانت صدمتهما كبيرة عندما وجدوا بيتهم شبه مسروق بالكامل من قبلهم بحجة أنه وأولاده موالون للدولة ومع ذلك قال لها : يكفيني أن أنام تحت ظل هذه الكريفونة ولن أغادر منزلي بعد الآن مهما حصل.
ووصلت المقبرة وسارت بين القبور التي تظللها أغصان أشجار الزيتون و المتماثلة في الطريق المعتاد مابينها أكوام مستطيلة من التراب بعضها عليها شاهدة محطمة مكسورة بأيدي المتمردين المتشددين بحجة أن الشاهدة بدعة وبعضها لايوجد عليه شاهدة بل وضع على طرف كل كومة حجرا ليدل على اتجاه رأس الميت الموجود والقاطن في القبر.
ومعظم هذه الأحجار قد زلقت عن مواضعها او فقد بعضه بأيد عابثة هي أيدي هؤلاء المتمردين المتشددين.
ماهي إلا بضع سنوات  وبضع زخات من المطر حتى تسوى الأكوام بالأرض فلا يعود لها أثر.
غير أن قبر أبو محمد كان على قدر كبير من من العناية فكومة ترابه ظاهرة وعليها ثلاثة أحجار وأكبرها عند الرأس الذي ثبت في الكومة بالطين.وكان خلف الرأس حفرة صغيرة تميزه عن جميع القبور وتعرف تماما الزيتونة التي ترخي بأغصانها على القبر حيث كان جذع هذه الزيتونة أكبر جذع من بين جذوع الزيتونات الموجودة في المقبرة حيث أول شيء تقوم به هو رش هذا الجذع بيدها اليمنى ثم صب معظم مافي بيدون الماء عليه.
وأبقت فيه شيئا قليلا أخذت تصب منه في راحة يدها اليسرى وتنثره من يدها رذاذا على كومة التراب.
ثم جلست القرفصاء متجهة إلى كتفي القبر، وراحت تقرأ الفاتحة وتدعو له بالرحمة وبأن يريحه الله في آخرته كما أراحها في دنياها.
بعد ان أنهت مهمتهاومسحت وجهها براحتيها وقفت وألقت نظرة على الشجرة تبتسم ابتسامة فيها الرضا فظل أغصانها المرخية يدفع عن نفسه المسكينة لظى الشمس والحر المحرق اللافح.
وسر ابتسامتها أن الله سبحانه وتعالى قد استجاب دعاؤه طيلة حياته وهو يدعو به: اللهم مقدر الأقدار في لوحك المحفوظ اجعلني من عبادك الصالحين الأبرار ولا تقتلعني من جذوري أبدا، اللهم أغثني برحمتك ماحييت و وأعوذ بك من عذاب القبر واختر لي الراحة التي ترضاها.
كانت عيناه دائما ساهمتين في شجرةالكريفون التي ينام تحتها صيفا فوالدته رحمها الله هي من قامت بغرسها في حديقة منزله عندما تزوج منها فكان دائما يحب الجلوس تحت أغصانها المتدلية على بلاطة البيت التي كانت أبوابه المؤدية إلى الصالون والمضافة تستقبل الجهة الغربية حيث الهواء يكون عليلا.
وعندما كانت تقدم له الطعام كان يعافه ويقول " الماء الماء اسعفوني بالماء الأشجار المجتثة لا تأكل  بل هي بحاجة إلى الرطوبة لكي يزول عنها ألم الجفاف.
في أيامه الأخيرة كانت تنتابه حالات إغماءيفقد فيهاوعيه من أثر ما ألم به وخاصة بعد أن غادره ابنه الوحيد حسين   الذي بقي حيا من أولاده فالجميع غادر حتى أحفاده من ولديه محمد وحسن وأزواج بناته وأحفاده من بناته زهور وغصون إلى ألمانيا بسبب هذه الحرب الملعونة.
وكان يصحو فيسألها كيف لهؤلاء الذين غادروا وتركوا القرية كيف هؤلاء لم يحافظوا على وطنهم وجذورهم !!! الجذور السليمة يقوم عليها الشجر المثمر السليم.
أشياء كثيرة وكثيرة تلك التي كان يهرف بها حتى فاضت روحه إلى بارئها.
وهي بدورها لم تقصر في حقه وواجباته حتى بعد مماته.
وكانت قد وصلت إلى باب المنزل الحديدي ففتحته وأغلقته غير مكترثة لما يصدر عنه من صرير مزعج لأنها في مخيلتها أن الجميع مازالوا في البيت وتريد أن توقظهم كعادتها منذ خمس وأربعين سنة.
كان أهل القرية يحترمونها ولا يتركونها وخاصة أقاربها المسنين الذين كانوا بين الفينة والاخرى يترددون عليها ويتفقدونها إلى أن أعلنوا عبر مكبرات صوت المسجد عن وفاتها وشارك جمع غفير من أهل القرية في تشييع جثمانها إلى مثواها الأخير حيث كان رأس قبرها عند قدمي قبر زوجها الآن أصبح القبرين متماثلين في كل شيء ولكن غصنا من أغصان شجرة الزيتون المدفون تحتها أبو محمد ومن جهته قد استطال مستقيما تماما وبشكل مثير للدهشة مظللا قبريهم.
************************************************
نصوص معبرة، بأسلوب جميل بسيط، وغوص في قلب الواقع، بتفاصيله الدقيقة، بحسناته وسيئاته، وبتفاصيله البعيدة، دمت مبدعا متألقا اديبنا القدير  .. 

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم