بلا توقف - قصة قصيرة - بقلم الأديب/ مهاب حسين - مصر

بقلم الأديب/
مهاب حسين - مصر


وتظل القصة القصيرة هي اللون الأدبي الأكثر جذبا للأديب والقاريء فيجد الأديب متعة في كتابتها ويجد القاريء مبتغاه في هذا النص القصير والذي يحتوي على كل مايريده من عناصر التشويق والتثقيف..

**************
القصة :

1- " بلا توقف "
يظهرون لي كالأشباح .. كلما تطلعت من الشرفة ..
أراهم يحتشدون أمام المنزل بحلل صفراء  كالحة، تزينها أوشحة حمراء، وترصعها أزرار فضية مطفأة،
كأنهم جنود يفرون من معركة تاريخية، يرتدون طرابيش حمراء ترجع للعصر المملوكي ، تستقر أسفلها وجوه متغضنة، ترتسم حدودها بأفواد كثيفة يصبغها الشيب ويعفرها الزمن .
 أحد عشر نفرا أو يزيد ..
البعض ينفخ في آلات  نحاسية ضخمة يحملونها ويسيرون بها .. ذوات أنابيب  اسطوانية تنتهي بشكل مخروطي ..
 أصواتها حادة نفاذة، تتداخل . والبعض يدق على طبول بانتظام ورتابة .. على إيقاع أصحاب الصاجات النحاسية، التي تصطك في قشعريرة .
راقني المشهد ..
كأنها لوحة عبثية ..
نقلتني موسيقاهم إلى أجواء قديمة ..اشتممت عبق تراب الأجداد، يلوحون في حزن، ويقبلون في تحد.
ناداني أبي ..
وأنا أتطلع من الشرفة، هرعت على الفور .. خشية تقريظه وتجنبا لتقريعه الدائم لي، كلما أخبرته عنهم .
ارتديت ملابسي في عجالة، ونهبت السلالم كي ألحق بمواكبهم .لمحت أخي الصغير يلوح لي من النافذة .

 اندسيت بينهم، رمقني عازف بمكر، ثم ناولني" ترمبيطة"، تلقفتها أتفحصها في سعادة، ثم رنوت إليه مستطلعا، هز رأسه وقال مبتسما :
- إعزف .
- تساءلت في عفوية:
-  ما أنا بعازف ! .
-  إعزف .
في تحير :
- كيف ؟.
قال بنبرة الخبير الواثق :
- أنفخ بروية ومرر أصابعك على الفتحات الجانبية، لتتحكم في حركة الهواء..ستصدر النغمات .. انظر إلي
وبدأ في العزف .. مميلا برأسه في نشوة، وانا أرمقه بإعجاب .. ونحن سائرون في الركب .. نخترق الشوارع والحارات  في مشية آلية منتظمة، منشدين في زهو .

 لمحت إمرأة نحيلة متشحة بالسواد، تقترب مني ببطء . بدا ظهورها غريبا . ما إن اقتربت حتى فتر فاهها عن ابتسامة، ثم أزاحت خمارها المسدل ووضعت بين يديي لفة صغيرة يطل رضيع من ثناياها، ثم أردفت :
- اعتني به .

قبل أن أنبس ببنت شفة، كانت قد اختفت.

اقتربنا من باحة واسعة، تظللها أشجار حديقة قديمة مهملة .. تتناثر بيوت صغيرة قليلة على محيطها.
جلسنا على أحجار الطريق المتراصة، كتل رأسية متناثرة في عشوائية، عند نصبة عجوز يفترش المكان .
البعض غالبه النعاس وهو يأخذ رشفات من الشاي أو الينسون، والبعض الأخر يتبادلون الحديث وبيد كل واحد منهم فنجان قهوة .
قال رئيس الفرقة "عم بسطاوي" :
- استريحوا .. أمامنا مشوار طويل .
ثم أشار صوب الطفل، وقال :
- سيعيق حركتنا .
مالبث أن همس أحدهم في أذنه ببعض كلمات، فأومأ برأسه في قناعة.

لفحتنا هبات هواء منعشة . طل شخص، يشبه أبي من شرفة أحد البيوت القريبة، خيل إلي إنه يزوي مابين عينيه مدققا ويناديني ..
" أظنه الآن ساخطا  جراء تغيبي دون إذن".

بعد أن استراحت أجسادنا من عناء السير، واصلنا الزحف، قاصدين الميدان الكبير بجوار تمثال النهضة .
لم تطل حيرتي من مكوث الطفل معي، فسرعان ما استقام صبيا تاركا لفافته على يدي .. رمقه عم "بشير" بثناء، ولقمه مزمار، تلقفه على الفور في خفة من يحفظ عن ظهر قلب دوره المنوط به.

لما اقتربنا من حافة الميدان .. ظهرت البنايات متوسطة الإرتفاع .. ما أن بدأنا العزف حتى احتشدت النوافذ بالرؤوس، والتف الصبية والأطفال والنساء حولنا،
ألفيته بجانبي يعزف بمهارة من قضى ردحا من الزمن في المهنة .. تعجبت !.

وتذكرت شيخ الجامع بجلبابه الفضفاض، وعمامته الحمراء ..ولحيته الكثة، وهو يقرأ درس المساء في أروقة الجامع العتيق، يشرح بإسهاب حكمة الوجود، وخلق الدنيا، مختتما بقوله :
- اسع !.

لم نكف عن التجوال والعزف ..
دون تأفف أو شكوى ..
نسرح في ملكوت الله.

******************
*******************


2- ترانيم الموت
فشلوا في تذكر سبب تجمعهم في هذا المكان ..
أحراش كثيفة تلوح عن بعد، فضاء مرصع بنجوم مجسمة.. هامات تشبه ذؤوبات نخيل تطل خلف تلال منبسطة ..
أطياف ساحل ممتد يكتنفه الغموض.
 أخذ كل شخص يدقق في ملامح الأخر، يلفح الجميع دهشة مفعمة بالإرتياب .

- ما هذا المكان النائي ؟..
- من أتى بنا ؟.

أسئلة تدور كالطواحين لا يجدون لها أجوبة .. سوى واقع يجثم على صدورهم :

-"نحن محتجزون في أرض مجهولة" ..

كانوا خمسة أشخاص .. ثلاثة رجال وامرأتين .

بدأوا يفيقون من هول الصدمة، يتبادلون الحوار في حذر، قال رجل مهندم، حليق الذقن، في منتصف العمر :

- هل يعرف أحد منا الأخر ؟.

لم يتلق رداً .. نظر للمرأتين مخاطباً :
- أراكما في ملابس متشحة بالسواد، كيف جئتما لهذه البقعة ؟.

هزا منكبيهما في حيرة، والهلع يعتصران ملامحهما .
هتف شاب أسمر تشي ملامحه بالقوة والتهور :

- كلنا على مايبدو لا نتذكر لحظات ماقبل ولوجنا هذا المكان ..

- لكننا بالتأكيد نحمل أسماءا  ..

نطق رجل عجوز يرتدي جلباباً وعمامة :

- لغتنا واحدة ..لكن لهجاتنا متباينة، لا أظن أننا قدُمنا من نفس البلد .

- أظن ذلك أيضا ..
وأومأ الجميع بالموافقة .

حل صمت مشوباً باليأس ..
بدوا كأنهم يفكرون .. بأنهم تحت وطأة كابوس .. سوف يستيقظون منه، ليجدوا أنفسهم على فراشهم، في بيوتهم، يتمطعون .. ويقصون على ذويهم هذا الحلم الغريب في تندر، ويتسامرون بهذه الحدوتة أياما طويلة.

بدأ الجوع والعطش يطرد أحلام النجاة من مخيلتهم، ليداهمهم واقع صلب بلا رحمة.
هتف الشاب الأسمر، وهو يتلفت حوله :

- هذا المكان يبدو مهجوراً ..كأننا أول أناس نرتاده.
- نعم .. ياترى نحن في أي بلد .
- وهل يهم ذلك !.

ساد الصمت مرة أخرى ..
حتى هتكه صوت يبدو كنفير بوق يتهادى من بعيد ..
في هلع، وبنبرة جماعية :

- ما هذا ؟.
- أظننا بالقرب من معسكر ..
- أو وحدة شرطة
- أتراها خلف تلك التباب ..
- جائز جدا ..

ذهب الرجل العجوز فيما يبدو يقضي حاجته، فقد اختفى عن الأنظار ..
انتحتا المرأتان جانبا يتخافتان ..وبين حين وأخر .. يختلسان نظرات توجس للأخرين .

 أخرج الرجل المهندم جريدة من حقيبة أنيقة كان يحملها، استغربوا أنهم لم ينتبهوا لها  قبل الأن  ..وبدا كأنه يتصفحها في اهتمام بالغ  ..
شرع الشاب في الركض عله يجد أي علامات يهتدوا بها، أو قبس من نار تدفئهم، فقد بدأ الصقيع يقسو !.
طال غياب الرجل العجوز ..
في هذه الأثناء ..
تراءى للشاب في تجواله .. غربان تحوم حول أشلاء مبعثرة ..

كان .. كلما مر الوقت تبددت أحلامهم بالعودة ..
أن يستردوا ذاكرة الزمان والمكان ..

أضواء كالشهب انطلقت ولمعت فجأة في السماء، ثم ما لبثت أن ذوت وهوت - فيما يبدو - في ظلمات بحر لجي .. أعقبها أصوات طلقات رصاص، طنين مكتوم، وصرخات ملتاعة !.

شاطئ أسود يبين .. يكتظ بعشرات الجثث : أطفال، نساء ، فتية.. بطونهم منتفخة، عيونهم محشوة بالملح . حطام مركب عالقة بالرمال . بقايا حقائب، أحذية، عوامات، أوراق، وأشياء كثيرة مبعثرة .. تنم عن حياة كانت تدب منذ سويعات قليلة.

اختفى الجميع  ..
 اختلطت الحقيقة بالسراب ..
دق النفير مرة أخرى ..
 هب الحشد من مرقدهم ..
 هرعوا .. حفاة، عراة في موكب مهيب . يسعون نحو بوابات حديدية ضخمة تلوح عن بعد، عليها حراس أشداء غلاظ . وجوههم تبدو شمعية، أحذيتهم سوداء ثقيلة، هراواتهم تبرق تحت إبطهم .. أصواتهم خشنة !.
يرمقون الحشد المتدافع في شذر،
يتخذون أماكنهم في تأهب وترقب !.

طقوس الحفل الأخير على وشك الإبتداء ..

فيما كان صوت النفير يتصاعد ويتصاعد، ويقترب .. يزداد قوة وعنفواناً .
********************
نصوص  جميلة لاديب متمكن عرف كيف تصل فكرته إلى القاريء بأسلوب ممتع بسيط وسلاسة في السرد وجمال  في الإقناع.. دام التألق والابداع أديبنا القدير.



0/أكتب تعليق

أحدث أقدم