وجه النحس - قصة قصيرة بقلم الأديب/ محمد بلكوز - المغرب

بقلم الأديب/ محمد بلكوز
- المغرب


وتظل القصة القصيرة هي اللون الأدبي الأكثر جذبا للأديب والقاريء فيجد الأديب متعة في كتابتها ويجد القاريء مبتغاه في هذا النص القصير والذي يحتوي على كل مايريده من عناصر التشويق والتثقيف..
************************

1- "وجه النحس"
"لن يحقق رغبته حتى تعرق حنجرته"
كانت العبارة التي نطق بها "شريف" كافية لاستدرار الضحكات، وحوم النظرات حوله، وهو غارق في مهمته الصعبة، يؤديها بإحساس تمتزج فيه العصبية الزائدة، بالراحة النفسية العجيبة، ويجتهد بإخلاص لإنهاء المهمة لصالحه، خشية أن تنقلب الضحكات المعجبة بقوله، إلى ضحكات ساخرة من انهزامه على طاولة النرد "البارتشي" وما أمرها من هزيمة!!
يلتفت إلي بإعجاب وزهو، ومن فيه تتلاحق أشرطة دخان متفاوتة الطول والقصر، بفعل "غليونه" الذي لا يفارقه، فيفضي إلي بصوت خافت، شعاره الخالد:
-"باك شريف" سأريك فيهم عجائب مقدرتي!!
ويطلق من حنجرته المتآكلة ضحكة ساخرة، تستفز منافسيه، وتعجب الحاضرين، ثم ينطلق في كلامه الذي لا بداية له ولا نهاية، "يحرث البحر" و"يزرع الحجر"، كما يحلو له وصف من لا يعجبه كلامه.
يحرك "شريف" قطع النرد بحنق، ويأخذ المكعب ليقذف به بدقة متناهية، وعينه تستجدي رقما بعينه، فإن جاء المكعب برقمه المنتظر، حرك رأسه، ومط شفتيه، ولوى إلي عنقه يقول:
-"تفرج لن يفلتوا من "باك شريف"، سأعلمهم كيف يتطفلون على "لمعلم"...
وإن خيبه المكعب، وجاء بغير المرغوب، جحظ بعينيه، وزوى بنظره عن الطاولة بعيدا، ووجه الكلام لغير أحد:
- "راااا العكس يتبعك أينما تبعك ابن آدم، عفا الله علينا من البشر..."
ينفخ بامتعاض، ويشير بإصبعه إلى أحد المنافسين، وقد ارتسمت على جبهته أسارير عابسة:
-"شتي أنت، أقسم أنك ستخسر يا وجه النحس".
يهز المنافس كتفيه، ويشهر إصبعه الوسطى في وجهه، ويجيبه:
-"هااا ما تظفر به مني، يا الملعون...".
ويعقب جوابه بحركة بهلوانية تثير سخط "شريف" فيغلي دمه، وتنتفخ أوداجه، ويفتح على صاحبه رشاش لغته البذيئة:
"... اوااا يا سيدي مادام ليس لك وجه تحفظ ماء حيائه، فأنا من يعري بوك، اوااا أرني ما تستطيعه"...
تختلط أصوات اللاعبين، بأصوات رواد المقهى الذين امتصهم مسلسلهم الأثير، وتعلو من جنباته المتهالكة ضحكات ووشوشات، فيتدخل صاحب المقهى بحنجرته العميقة القاع، يتردد فيها صوته محدثا دويا عجيبا:
-"آااشريف، اوا ثانية نضحك علينا دراري..."
يلتفت إليه "شريف"، ويرمقه بنصف عين، فيقصفه بكلامه الواخز:
-"آاامولاي دراري دعهم يضحكون على هؤلاء الذين طردتهم زوجاتهم من البيت حتى لا يشاهدوا معهن مسلسلهن..."
يقطع كلامه رجل طاعن في السن، يبرم "جوانا"، ويرتشف من سجارته رشفات حارة، ويختلس النظر ل"شريف" مرة، وللشاشة المعلقة بركن احتلته العناكيب، فنسجت حول التلفاز المركوز في الركن بيوتا وقصورا!! مرة.
فيقول بهدوء مصطنع:
-"راك تجاوزت الحد أسيدي، نحن نحترمك وأنت..."
لم يتركه "شريف" يتم كلامه، فافترسه افتراسا بلسانه الحاد:
-"آاابا محمد، أنت في هذه السن رجل مسجد وعبادة، أمامك أيام معدودة فتقرأ على روحك الفاتحة..."
لم يكد "شريف" ينهي كلامه، حتى صاح أحد المنافسين جذلا، وضرب بقبضة يمناه على الطاولة، معلنا اقتراب فوزه:
-"باركا من الكلام الخاوي، لقد سحقتك أبا "شريف"، رااا كلامك سبب لنا صداع الرأس، اواا أين المعقول"
انتبه "شريف" على كلام وجه النحس، الذي أقسم على أنه لن يربح الجولة، ودار بعينيه على لوحة النرد الخشبية المغلفة بالزجاج، والمنقوشة الإطار بعناية وإتقان، فلاذ ببعض الصمت، وهو يبلع ريقه بعسر، ثم التفت إلي ببطء شديد يقول:
-"شتي، عرقت حنجرتي، ولم أظفر بشيء، وأنت تنظر إلي وتضحك كأني حمار الزرد يلاعبه بهلواني السرك، يلااااه قم يا ابن آدم، وأنا أقول من أين جاء النحس".

************************************************


2- "لعنة القص"
يصعب علي إيجاد صيغة ما لتقديم هذه القصة، ووضعها بين أيديكم، لتحيطوا بتفاصيلها، وتنفذوا إلى عمق حكايتها...  فقد أعوزني الأسلوب، حتى بدأت أشك في مقدرتي، وخامرني إحساس بفقد حاسة الإبداع، وقلت متحسرا:
- لم يبق من القص غير الذكرى!!
لذا كان علي أن أرضى بواقع الأمر، أو أبحث عن حل، يعيد إلي عهدي الأول بالقصة، ويحيي في شغفي، وتعلقي بهذا الجنس العصي على الترويض.
كنت أحسبني، في وقت ما، قد أخذت بتلابيب هذا الفن، وملكت زمامه، ورحت أتباهى، بكوني مذل القص، لا يعصيني أمرا، ولا يتلكأ في استجابة خاطري، حين ينزع لكتابة قصة.
لكني اليوم، ألمس في هذا العجز، وأراني ذليلا، مهانا، غير مستطيع تلبية خاطري، والانسياق خلف فكرة كتابة قصة.
إنه أمر محير بحق، لم يبق لي خيارا، غير أن أقف مشدوها، أمام هذا العجز، وأبدي أسفي على الحال الذي بلغته...
-لكن ما الحل؟!
سؤال تقافز إلى ذهني، فبدأ يتنامى، حتى اتخذ شكل قضية كبرى، تستدعي استنفار قواي، وتجميع قدراتي العقلية، لبحث هذه القضية، ووضع خطة لمواجهتها، ليتسنى لي إيجاد حل، ووضع حد لتوسعها، فقد خشيت أن تأتي على راحتي النفسية، وتزرع بوجداني قلقا مؤبدا.
تساءلت مستنكرا، كيف لملكة الإبداع أن تختفي؟! وأنا من أنا، في فن كاد ينحت عنوانه من اسمي...
يا إلهي!! كم هو عملاق هذا السؤال، إنه يلقي في نفسي الرعب، ويسحبني بعنف لألج في متاهات لا نهاية لها.
لا أحسبه سؤالا بريئا، أخاله كلاما نفثه في روعي عفريت، يريد إساري لقلق لا ينزاح...
لا أومن بالعفاريت، ولست ممن يعتقدون أن لكل مبدع شيطانا، يرويه بالخيال، ويركز في وجدانه خفقة الفن، والإبداع.
لكن سؤالا بحجم ثقب الأزون، قادر على ابتلاع كل الاحتمالات، وتعجز الأجوبة عن الوقوف أمام جاذبته المهلكة، جعلني أستهيم، ما لم يطرق باب مخيلتي يوما.
وها أنا اليوم أكتشف أن باب العقل موارب، يستحيل إغلاقه، والحد بينه وبين ما نظنه بعيدا عنا كل البعد...
لا أتذكر يوما، أدار فيه القص ظهره لي، ولم أعهد منه غير الخضوع، والانصياع، فتكونت لدي قناعة راسخة، بأن القصة فن يحمل جيناتي...
أووووه!! لقد ضللت الطريق، وتهت في شعاب، لا تفضي إلى المراد، فأنا كنت بصدد البحث عن صيغة ما، لتقديم قصتي، وسوقها إليكم، كما ألفتم... فأنتم تنتظرون قصة ترقى لتطلعاتكم، وتشترطون علي في اتفاق ضمني، قصة تفي بمقوماتها، وتأتي في حلة قشيبة، تعجب العين، وتثير الوجدان.
بينما أنا انسقت وراء مشكلتي، واسترسلت في شكاتي، حتى كدتم تعتقدون أني أقدم عريضة، أو شيئا من هذا القبيل، أدين فيه جفاء القصة لي، وأستنكر جفاف ملكة الإبداع.
لست أقصد إلى هذا، فأنا حقا أحمل إليكم مشروع قصة، غير أني لم أجد أسلوبا لنقلها إليكم، فقد خيبتني ثقتي، وخذلتني موهبتي، وتركتاني نهب الحسرة، والأسف...
ومع ذلك لا أرى استرسالي في حديثي إليكم، عما لقيته من هذا الفن، من لغو الكلام... لا أريدكم أن تظنوا هذا، فأنتم يفترض فيكم النباهة، ودقة النظر... فأنا لا أحب أن أتوجه بكلامي -وإن ثرثرة- لمن لا يتحلى بقوة النظر، وعمق الفكرة...
أتعلمون!!
وقبل أن آخذ في قصتي العاطل عن كل زينة!! لا بد من أن أسر إليكم بشيء مهم، شريطة أن يبقى السر في طي الكتمان... لأني لا أريد أن تنزعج مني ذاتي المبدعة، فأنا دائما ما أعبر لها عن امتناني، وأخبرها في غير مناسبة، أنها مفخرة لي، وشارة رفعة وعز!! فتزداد انتفاخا، وتتمدد حتى لا يسعها فضاء، ويضيق عنها الوجود.
أتعلمون!!
حين لمحت السذاجة في ركن التندر، تسخر مني، كما أخبرتكم، -أحقا ذكرت لكم هذا!!- تقدمت إليها بعد أن خلعت حلة الغرور، وعصيت ذاتي المبدعة، وتشجعت على أن أفتح معها نقاشا، يجلي لي الأمر، ويبين لي عن قصدها من الاستهزاء، والتندر...
لم ترحب في بادئ الأمر بمبادرتي... حاولت التهرب، وتجاهلت مطلبي... لكن إلحاحي عليها، لم يترك لها فرصة للمناورة... خضعت لإرادتي، بعد أن أوحت إلي أن النقاش لن يكون أكثر من عبارة واحدة، فقبلت.
لن أخبركم بمخرجات النقاش، وإن كنتم لا تعتبرونه نقاشا... لكم الحق في أن تنفوا سمة النقاش، عن عبارة واحدة... ولي الحق في تسميته نقاشا، وأعتقد أن خلافنا، أو اختلافنا لن يلقي على علاقتنا، بصفتي مرسل، وبصفتكم متلقين، ظلال القطيعة، لأنكم تعرفون مسبقا أن القاص يحترف الكذب، وله يد طولى في الخداع، والمكر...
 هذا ما أردت قوله قبل أن أفضي إليكم بما قالته السذاجة... فقد انفلت مني، من غير قصد... كنت زورت في نفسي كلاما، ودبجت نصا كاملا، حتى أقنعكم أن القاص في عمومه يتنفس الكذب، ويجري في عرقه الاحتيال بدل الدم.
وبما أن الكلام خرج طواعية، دون سابق نية، فلن أزيد عنه شيئا، ولن أتوسل بأساليب البلاغة، مراعيا المقام، ومنتبها للحال...
 وحتى لا يزداد مللكم تفاقما، ويستبد بكم النفور مني،
فدعوني أطلعكم عن قصتي...
أيها المتلقون الأكارم:
بما أني عجزت عن نسج قصتي في حلة قشيبة، ترضي البصر، وتسر الذائقة، فإني أخضع لواقع الحال، وأكتفي بسرد مباشر، لا يفي تطلع الذواقة، ولا يلبي رغبة النقاد:
"القصة المعجزة"
- لم أيتها السذاجة تتندرين من عجزي عن كتابة قصة، وقد اكتملت فكرتها، بعد أن التقطت تفاصيلها من الطرقات، والأزقة، ومشاغيل العباد؟!
- ومتى أيها القاص كانت الفكرة في غنى عن الكتاب؟!!
ودون كلمة وداع، أغضت السذاجة الطرف، وتمتمت كلاما لم أتبين منه غير:
- ارحموا أنفسكم... القص معرفة، قبل أن يكون خيالات.
**********************
نصوص فيها الكثير من الابداع وعمق الأفكار وسلاسة الأسلوب
أديبنا المتألق  دام التألق والابداع 
..موفق دائما ان شاء الله تعالى..

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم