وجود - قراءة نقدية بقلم الأديب الناقد / الطيب جامعي - تونس

قراءة نقدية بقلم الأديب الناقد / الطيب جامعي - تونس


القصة القصيرة جدا بقلم الأديب/ محمد شفيق الناصري - المغرب

مقدمة:
نعلم جميعا أن القراءة النقدية عملية قراءة نشطة وأعمق وأكثر تعقيدًا في التعامل مع النصوص  و هى عملية تحليل وتفسير لخبايا النصوص وإظهار مواطن القوة والجمال وكذلك مواطن الضعف في النص ليستفيد منه الكاتب والقاريء
وهكذا يكون النقد مهما للكاتب والقاريء
المهم أن يكون النقد بناء ويساعد الجميع بنظرة فاحصة عميقة راقية للنص
وأن يتقبل الكاتب وجهة نظر الناقد بصدر رحب ..
ليستفيد الجميع ..
إلى هذه القراءة الجميلة بداية بالنص الرائع :

*************
وجود
اعتلى تلته، رسم دائرة، تقاطع القطران، وضع سبابته عند نقطة الالتقاء؛ عضوا على أصابعهم.

*****ا*****
القراءة:

بدءا بالعنوان يمكن أن نلاحظ أنه ورد، على ما يُصَى به في الق.ق.ج، مفردة، نكرة محض. مصدر متصل بالفعل "وجد"
الوُجُودُ : كلّ ما هو موجود أو يمكن أن يوجد ، كَوْنُ الشَّيء واقعًا وهو نوعان : ذهنيٌّ وخارجيّ ، عكسه العدم، خَرَجَ إِلَى الوُجُودِ ( معجم المعاجم الجامع)،
و من هذا المنطلق يُعَدّحافزا للقراءة، فالعنوان يمكن أن يشير إلى كلّ معاني الحياة.

المتن"
"اعتلى"، فعل ثلاثي مزيد بحرفين، على وزن"اِفْتَعَلَ"، و الجدير بالذكر أن لهذا الوزن عدة معان، من أهمها الاتّخاذ، و المطاوعة... و الاجتهاد و بذل المجهود في تحصيل الفعل، و لعلّ هذا هو المعنى المقصود في هذا النصّ، لاسيما إذا اقترن ب"التلّة". و التّلّة الهَضْبَةِ ، الْمُرتَفَعِ مِنَ الأرْضِ قَليلا ، دون الجبل. فالشخصيّة، و لا شك، بذلت جهدا و طاقة للارتقاء و الاعتلاء. و يحيل الارتقاء و الاعتلاء لا فقط على المعنى الحسّي الحركي بقدر ما يدلان على الرفعة و السّموّ، و قد تكون في مجالات عدة ( اجتماعيّا، فكريا، أخلاقيّا...).
و الشّخصية من هذا المنطلق تكون قد جاهدت و كابدت لبلوغ تلك الدّرجة. غيرأنّه لا شيء في النصّ يرجّح كفّة على أخرى، و يبقى المجال مفتوحا لعدّة اجتهادات.
 ولمّا استوت الشّخصيّة على التّلّة ما بقي غير تحديد عالمها الخاصّ، و رسم ملامحه المميزة. و لذلك استعمل القاصّ مصطلح " دائرة". و الدائرة عموما توحي بهذا العالم الخاص الذي يضيق عادة ليضمّ مجموعة صغيرة قريبة من بعضها البعض( الاقتراب الفكري، الأخلاقيّ، السّياسيّ...)، تكوّن هويّة واحدة. و من المنتظر أن تعمل عملا تشاركيّا، فيه تشاور و تناصح و نظر و تمحيص... و ترجيح "للسّمين" من الأفعال و القرارات على "الغثّ". و هذا منطقيّ بحكم تبادل الخبرات في هذه الدّائرة الضيقة.
و "للدائرة" دلالات أخرى و إيحاءات، لعل من بينها رسم الحدود و "الملعب" (بالمفهوم السياسي و الإيديولوجي...) الذي يقع التحرك فيه، دون تجاوز للحدود المرسومة، لأن أيّ تجاوز إنّما هو تعدٍّ و تجاوز لما هو مسموح به، و نتيجة لذلك سيصبح العمل من قبيل "التمرّد" أو "العصيان" أو "الكفر" أو شيئا من هذا القبيل...

هندسيّا، إن أيّ التقاء لقطريْ الدّائرة سيشكل حتما تقاطعا، و سيرسم بالضّرورة مركز تلك الدّائرة. القاصّ نراه قد استغلّ هذه الحقيقة الرّياضيّة للإيحاء بالفكرة. ففي ظلّ هذه الوضعيّة رُسِم المركز، و أضحى واضح المعالم، و لم يبقَ سوى الإشارة إليه.
" وضع سبابته عند نقطة الالتقاء". فالشّخصيّة الرّئيسيّة هي التي وضعت الإصبع على نقطة المركز، و في ذلك إيحاء بمضامين عدّة يمكن أن نذكر ما يلي:
- وضع الإصبع عادة يشير إلى تحديد/ تشخيص الداء، يقال:" وضع الإصبع على الداء"، و لعل هذا التشخيص قد كشف المدى الذي بلغه ذلك الداء، فهو أفدح ممّا كان يُظَنُ.
- كما يمكن أن يعيد "وضع السبّابة" التّذكير بالحقيقة المركزيّة حتى للدائرة الضّيّقة التي تحيط بالشّخصيّة التي رسمت تلك الدائرة. و لعلّه يشير إلى التّراتبيّة المحدّدة داخل تلك الدّائرة، في نَفْي لما يُعتَقد أنّه مساواة بين الأطراف المكونة.
و تأتي الخاتمة راسمة لردّ فعل ال"هم"
(عضّوا على أصابعهم)، خاتمة فيها من المفاجاة الشيء الكثير، محفّزة لمحاولة التبرير و التعليل. من"هم"؟ و لماذا عضّوا على الأصابع؟ و كيف ستكون الخطوة الموالية؟!...
كل ذلك ينتظر أجوبة و إن أشرنا إلى بعضها في ما سبق. و لذلك تبقى خاتمة مفتوحة.

النّصّ حقّق شروط الق.ق.ج من عنوان دال غير فاضح، و تكثيف، و إيحاء بفكرة/ أفكار حاول القاص إيصالها للقارئ، مع توفيق كبير في استعمال علامات الترقيم.
ملاحظة أخيرة لو يتمّ ضبط حركات بعض الألفاظ القابلة لعدة ضوابط، لأنّ أيّ تغيّر في الضّبط من شأنه أن يغيّر المعاني.
     تحية للقاص شفيق محمد الناصري
-----------------------
هذه القراءة تبقى ذاتية لا تلغي قراءات أخرى ممكنة طبعا.


************************************************
النص رائع لاديبنا القدير الاستاذ محمد شفيق الناصري
وقراءة جميلة من اديبنا القدير الناقد ا. الطيب جامعي
صال وجال في النص بكل حرفية وقدرة على اقتناص مواطن الجمال والابداع في النص بصورة جميلة ومبدع 
بالتوفيق لكما ان شاء الله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم