ألام - قصة قصيرة بقلم الأديب الناقد / بوشتى الجامعي - المغرب

بقلم الأديب الناقد / بوشتي الجامعي - المغرب


مقدمة :

تظل القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب ألى الأديب  و القاريء رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..
والقصة القصيرة أختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته.
************************
الام
هو الآن في حالة استرجاع ،مضى زمن لم يستطع فيه  التكيف مع امه ،كان ذلك حين كان يقيم معها ،كان دائما عرضة لفضاضة عتاباتها المتواصلة،لم يطق الحياة هناك طويلا،فانتقل للعيش في مدينة تقع في اقصى الجنوب وكان يتعلل بالمثل (زر غبا تزدد حبا).وهكذا كان يزورها مرة  واحدة كل عام متى حل عيد الفطر .
بعد موت والده بقيت الام وحيدة،كانت في مراسم الدفن وحيدة وبئيسة وبدت أضأل مما كانت عليه،حينئذ هم أن يقول لها :أمي لا يمكنك ان تبقي وحيدة  ،تعالي لتقيمي معي ،ردد هذه الجلة في نفسه ولكنه لم يستطع النطق بها.وفي المساء لما كانا يحتسيان  القهوة عابت عليه  امه بلهجة حادة ما ألحقه بها من سوء الهجر والبعاد ،سكا ولم يقل شيئا ،كان يدرك فداحة المقام،.ولما ركب سيارته في اليوم الموالي مبتعدا عنها دمعت عيناه وقال في حزن عميق :لا شيء يغير  الماما ،إنه أمر محزن ؛ولنه أجزم بيقين أنها ستظل امه التي  احبها  حتى في غلو عتاباتها.
مرت الان سنوات وتأكد  أن أمه ظلت كما هي ،أما هو فقد تغير بلا شك،لأنه شعر أن كل ما صدر منه في حق أمه كان تافها وانه هو المخطئ حقا لأنه كان يولي أهمية لعتاباتها الغير المنقطعة،فأخذ ينظر إليها في صورة الغياب كانها طفل صغير يحتاج الى حنو  شخص راشد،وانها أصبحت طفلة صغيرة في غياب الاب  بدون حماية ،فأدركته رقة  ودمعت عيناه،وهكذاجد في مراسلتها ،فكانت تسربذلك وتجد في رسائله عزاءا  عن آلام الوحدة والفقد وتحمل قساوة الوحدة.

************************************************

ذكريات
اتذكر الآن بعد انسياب مياه كثيرة تحت الجسر  مدرسة عين موسى الابتدائية  المفتتحة في بدايةالستينيات ، كانت من بين أوائل المدارس الابتدائيةفي منطقة  الدريوات ،وكان  أول معلم  عين بها يومذاك الاستاذ العلمي الرائد الحاذق المربي الفاضل حيث مكث بها يفتح العقول الفتية ويدفع بها  الى الامساك بابجديات التعلم ما يناهز العامين ،فلما قيد له الانتقال الى المدينة خلفه  كل من الاستاذين البياشي مدرسا للغة العربية وقسو عبد الوهاب  لتلقين اللغة الفرنسية .
وقد حرصا بالتعاون مع أهل القرى المجاورة ، على تسجيل كل الاطفال  الراغبين في التعلم وإلحاقهم بالمدرسة..وقد تخرج بفضل هذا الحرص كثير من التلاميذ الذين تحملوا مسؤوليات كثيرة في دواليب الدولة وساهموا بمجهوداتهم في دفع قطار التنمية والتعلم الى الامام
كانت المدرسة  تقع في منحدر عبارة عن سفح يفصل بين الكثير من القرى إذ كانت تشكل نقطة ارتكاز بالنسبة للساكنة المحيطة بها.. وكانت عبارة عن حجرة واحدةمتواضعة من الاسمنت متصلة بسكنى المعلم ،ثم اخذت تتوسع مع مر الاعوام لتنضاف إليها حجرات جديدة لاستعاب الاقسام المتزايدة للتلاميذ المقبلين على التعلم ،ولم يكن  هناك يومئذ كهرباء.. ولا هاتف ولا سيارات ولا شبكة طرقية اللهم الا طريق طيني وحيد اذا سقطت اول قطرة غيث اصبح موحلا..  وكانت المدرسه تعتمد في مراسلاتها على  الطرق التقليدية ، فكان اذا حلت الامطار تنقطع المدرسة عن  المدينة لعدة ايام ،وكان تلاميذ القرى ، يأتون إلى مدرسة  مشيا على الأقدام..في ظروف جوية قاسية من الحر في بداية الفصل الدراسي.. ومن البرد، والمطر، والعواصف الرعدية، في الشتاء والربيع.. وكان الطريق ترابيا، وموحلا في موسم الشتاء، مما يزيد في معاناتهم.
اذكر أن اهتمام المدرسة  كان صارما بالتعلم اذ لا تسامح في مسألة اكتساب اسباب المعرفة  وترسيخ القيم الدينية والاجتماعية والاحساس بالمواطنة  وتقدير النظام،  وكان احترام الدرس في تشعباته قوياً الى درجة  القساوة  العقابية حيث كان الحرص على ترشيد سلوك التلاميذ في البيت و المجتمع والمدرسة قويا ملزما بالفعل والقوة كما كان للزمن شرف الاحترام ،الزمن المحدد للتعلم  فلا بد من الاصطفاف ساعة الدخول الئ الحجرات وساعة  الانصراف بطابور جماعي.. يتفرق التلاميذ  بعده  لينصرف كل واحد  الى جهة معينة، يمينا وشمالا، كل حسب وجهته ،التي يولي وجهه شطرها، بعد انتهاء الغلاف الزمني المحدد للدراسة صباحا او مساءا، بهدوء كامل، وانضباط تام من أهم سياقات المدرسة في إدارة الطلاب.
هكذا كانت المدرسة مركز إشعاع تربوي، وتعليمي، أيام زمان

***********************************************

2- المقهى
المقهى بيت من لا بيت له،يعمرها العبثيون والمهمشون،يؤثثون فضاءاتها  بتفاهات حيواتهم ،يحلون بها كلما ضاقت بهم سبل  بيوتهم ،يتخلصون من سطوة توأم الروح ،يقبلون وقد  ثقلت موازين  انفسهم  ،ينزعون اقنعة المضطهدين وتتوارى  أحزانهم حينئد يصطنعون بطولات انتفاخية  فينساب السرد سلسا لا تمويه بمسالكه .تند عن السارد آهات  حزينة ترحما على حياة أضاعها  في متاهات العبث فتطفو عقدة الاضطهاد ،يزعم السارد  انحداره من سلالات اصيلة عريقة في البطولات وصناعة الامجاد فاذا انكشف الضباب  انجلت حياته عارية من مساحيق التجميل ،عجوز شمطاء غيرقادرة على التمويه.
حقيقة (١)
عباد ضعن في  زهرة العمر ،ترك وراءه  غبار قريته وبيوتها الواطئة  وغاص في المقلاة ،الآن يقبل على فضاء المقهى بابتسامةعابرة ،يجلس متهالكا يغتال النادل بشماتة سوداء  تنم عن بواطن نفس آسنة  ،يرشف سواد فنجانه فاذا استوى به المقام اطلق العنان لهلوسات عابرة من ترهات ماض سحيق ،هلوسات المساطيل  تحبل بفراغ   متجذر في جبلة  الانفلاة من جفاءالبداوة ورغبة قاتلة في التعويض،نفس مريضة  مثقلة بالعقد ومركباتها ،
حضر اليوم متباطئا  اقتعد ناصية مريحة  اقتنى لفافة تبغ اشقر نفث دخانها وعاث في مرابع السرد فسادا   ،يبدو في حكاياه قردا في حلقةجامع الفنا  ،يتلبس لكل المقامات لبوس المنتفع  ،يتصيد في علاقاته رصيدا لا ينضب من الانتفاع  ،يبسط خد الذل نضير مآربه الآنية ،قال بحديث المتيقن أن حمارا جن في قبيلتهم فرقص طيلة ليلة وزغاريد النساء تؤثث الاجواء ولما نفق  سيد الحمير جراء لوثته ،شيد له مقام اخذت النساء الراغبات في تملك بركة هز الكشح يلدن به حتى إذا من عليهن شيخ الحمير ببركته  وتملكتهن طقوس التوله رقصن  محجبات  او متلبسات بظلام دامس صونا للشرف
وكان كلما فرغت حكاياه من رموز التبلذ آوى الى ركن شديد من خبله  واستفاق على واقع مرير  ،بحث في جيبه على  علكة يلوكها  لتمويه رائحة التبغ درءا لليلة عصيبة وطويلة
*********************
نصوص جميلة أبدع الكاتب في تصوير وتوصيل فكرته بطريقته
البسيطة العميقة وسرده الجميل السلس وحمله المعبرة .  دام التألق والابداع أديبنا القدير  .. 



0/أكتب تعليق

أحدث أقدم