سلطة - قراءة نقدية بقلم الأديب الناقد / الطيب جامعي - تونس


قراءة نقدية بقلم الأديب الناقد / الطيب جامعي- تونس



ومضة قصصية  للأديب/
حاج عمر - السودان



نعلم جميعا أن القراءة النقدية عملية قراءة نشطة وأعمق وأكثر تعقيدًا في التعامل مع النصوص  و هى عملية تحليل وتفسير لخبايا النصوص وإظهار مواطن القوة والجمال وكذلك مواطن الضعف في النص ليستفيد منه الكاتب والقاريء
وهكذا يكون النقد مهما للكاتب والقاريء
المهم أن يكون النقد بناء ويساعد الجميع بنظرة فاحصة عميقة راقية للنص
وأن يتقبل الكاتب وجهة نظر الناقد بصدر رحب ..
ليستفيد الجميع ..
إلى هذه القراءة الجميلة في هذا النص الرائع:

*********************
سلطة
لبس التاج؛ خلع ضميره.

-----ا----
        //القراءة//

*** شكليا / فنّيا ***
حققت الومضة كل عناصر النجاح.
عنوان مفردة نكرة.
شطران بينهما فاصلة منقوطة.
نقطة تُنهي الومضة قريبة من آخر حرف في الشطر الثاني.
لم تتعدَّ مفرداتها أربعَ، اثنتان في الشطر الأوّل، و نظيرهما في الثّاني.( دون الثماني و هو الحد الأقصى).
فِعْلَا الومضة في صيغة الماضي.

***مضمونيّا**
بدءا بالعنوان ،"سلطة"، مفردة نكرة،
سلطة ( اسم ):الجمع : سُلُطَاتٌ ، سُلَطٌ السُّلْطَةُ : التَّسَلُّطُ والسيطَرَةُ والتحكُّمُ تسلُّط وسيطرة وتحكّم ، سيادة وحُكْم...
هذه المعاني المعجمية تحدد المضامين التي تتقارب، و تدلّ عل معنى القوّة و القدرة على التأثير...
و هذا يكون في مجالات عديدة، فيمكن أن تكون سلطة ثقافيّة، أو سلطة قضائية، أو سلطة سياسية، أو سلطة تنفيذية، أو قضائية ... إلخ.
فعن أية سلطة تتعلق هذه الومضة؟!
للإجابة عن ذلك لا بد من الغوص في عالم الومضة لإشفاء الغليل المعرفيّ.
العنوان مثير، محفّز على القراءة.

نأتي الآن إلى الشطر الأول
"لبس التّاج"، جملة بسيطة، فعل و فاعل مستتر مقدّر، و مفعول به، حقّقت الاختصار المفيد.  و هي بذلك تحقق مبدأ من المبادئ التي تشتغل بها العربية عموما ، و هو " الاقتصاد و النجاعة". أما الاقتصاد فيتعلّق يالمعطى الكمّي، و أمّا النّجاعة فتتعلق بالوظيفة التّواصليّة الإبلاغيّة.
جملة يتجاوز المعنى فيها الحدث القريب من الذهن: شخص يضع على رأسه تاجًا.
فوضع التّاج له دلالاته الخاصة.
"لبس" حدث فارق، دال على ما قبله و على ما بعده.
ما قبل وضع التّاج: تبدو الشّخصيّة، منطقيّا شخصا عاديّا مثل بقية خلق الله، لا يثير اهتماما، ليست له مسؤوليات، بسيطا...
ما بعد وضع التاج.
هناك انتقال من حالة إلى أخرى/ من صفة إلى أخرى... فالتّاج دالّ برمزيّته على السّلطة و النّفوذ و التّمكّن.... رمز للمسؤولية و وصول صاحبه إلى مركز القرار الاقتصادي و السياسي و الديني... إلخ
شطر الومضة الأوّل يوحي بالموقع الجديد الذي أضحت عليه الشخصية. و هذا منطقي و يحدث في كثير من الأحيان، و لا شيء يمنع ذلك... فماذا يمكن أن ننتظر؟
من المنطقي أيضا أن يواكب سلوكُ الشخصية و أخلاقُه، و الحال هذه، هذا التحوّلَ الطّارئَ.
ثمّ يطالعنا الشّطر الثّاني" خلع ضميره" فيرمي بنا في لجّ المفارقة و الإدهاش، و ذلك لما فيه من عناصر مفارقة ناتجة عن:
تضاد لغوي
لبس# خلع
نوعي
التاج( مادي)# ضميره(معنوي)

 يُعرَف الضّميرُ  ب "قدرة الإنسان على التمييز فيما إذا كان عمل ما خطأ أم صواب أو التمييز بين ما هو حق وما هو باطل، وهو الذي يؤدي إلى الشعور بالندم عندما تتعارض الأشياء التي يفعلها الفرد مع قيمه الأخلاقية، وإلى الشعور بالاستقامة أو النزاهة عندما تتفق الأفعال مع القيم الأخلاقية"( ويكيبيديا).
و هذا يحيلنا على مفارقة بيّنة، فمن وصل إلى السلطة و مراكز القرار قد تنكّر للأصول و الأعراف الأخلاقية و قام بعمليّة "خلع" للضّمير.
استعمل الوامض "خلع" بدل أيِّ فعل آخر من قبل تنكّر/ نسي/ ... و في ذلك مقصد بيّن نرى أنّه سعى إليه.
نقول: خلع الشعب الملك، بمعنى أقاله وعزله عن منصِبه، و أنزله عن عرشه. فلكأن الضّمير ملك، قد خُلِع و أُنزِل من عليائه غصبا. و في ذلك دلالة على مكابدة الشخصية قبل أن تصل إلى بغيتها.
 و من هنا يمكن أن نشير إلى الصّراع الخفيّ بين طبيعة الفرد ( الطبيعة)من جهة، و الثقافة ( عموما)بما هي معطى مكتسب من جهة ثانية. و هو في الواقع صراع قديم- جديد.
عموما، الومضة تعالج قضية السّلطة ( عموما) في علاقتها بالأخلاق.
خلاصة الفول: الومضة معبرة، استحقت التتويج.
كل التّحايا للأديب حاج عمر
-----ا-------
ملاحظة: تبقى هذه القراءة ذاتيّة لا تلغي قراءات أخرى ممكنة.

************

قراءة عميقة ورائعة  الومضة جميلة لهذا  المبدع الجميل الاستاذ حاج عمر
وقراءة عميقة لاديبنا القدير الناقد الاستاذ الطيب جامعي
وقد غاصفي أعماق  النص بحرفية عالية وبقدرة ابداعية هائلة وخرج لنا بتلك الدرر النفسية..
بارك الله فيكم بالتوفيق والنجاح الدائم ان شاء الله تعالى

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم