رؤوس عاهرة - قصة قصيرة بقلم الأديبة/ هادية حساني - تونس

قصة قصيرة بقلم الأديبة/ هادية حساني -  تونس


وتظل القصة القصيرة هي اللون الأدبي الأكثر جذبا للأديب والقاريء فيجد الأديب متعة في كتابتها ويجد القاريء مبتغاه في هذا النص القصير والذي يحتوي على كل مايريده من عناصر التشويق والتثقيف..

**********************

 1- رؤوس عاهرة
اغلق باب غرفته، شرب حتى الثمالة، عبأ محتوى القرطاس داخل لفائف، يمرر اللفافة على لسانه، يضغط على حافتيها بابهاميه، يشعل السجارة، يسحب نفسا عميقا، نافثا دخانا كثيفا، يحس انه اخرج معه ما كان جاثما على صدره، مد يده للكيس الاسود بجانبه، وجده فارغا، نفخ، تحسر،  رأسه ثقيلة تكاد تنفجر، مد يده وبحركة عصبية يسحب القوارير والعلب من فوق الطاولة فيطوحها، تتناثر أرضا محدثة قرقعة هائلة، تناهت لسمع زوجته وأبنائه، يحاول الوقوف، يسقط، يرى جمعا من النساء، عاريات الرؤوس،  يتكاثرن، يسددن الشارع الكبير، يبتسمن، يتهامسن، يتغامزن، يضحكن، ترتفع قهقهاتهن..كلهن جميلات،تعتريه الدهشة والنشوة، يدقق النظر في الوهاد والجبال والهضاب ! لا يصدق عينيه ! يرى امه، اخواته، زوجته، بناته بينهن، هلع، غضب، احس بنار تشتعل بصدره لتصل رأسه، قضي عليه، حتى نساؤه !؟ لم يتخيل ذلك!؟ مستحيل !؟
يزحفن نحوه، يقتربن ويقتربن..يلتففن حوله، هو مستهدف، سواد يغطيه، تتعالى ضحكاتهن، يسددن كل منفذ للهرب، عقله يشل، شيء قاتم كسواد الليل يكتم على صدره، لا يقدر على التنفس، تمتد ايديهن نحوه،تطول وتطول..صار لا يرى الا الأيدي،  تلوي رأسه كحبة تين شوكي، حتى تقطعها ،يتقاذفنها ككرة، يصيح، يفتح عينيه، يرى وجه زوجته ورأسها العارية فوقه :
-كالعادة أكثرت من الشرب !؟
ترى بقايا السجائر، تلتقط احداها، تتشممها، تلقى بها وهي تستغفر..
يحاول الوقوف، يترنح،  يتهاوى، يضغط بيده اليسرى على جهة القلب متألما، معتصرا، عيناه مثبتتان على أنثاه، يخرج صوته بنزق:
-غط....يييي راااااسك..!
تصدر عنه حشرجة مخيفة، و يغيب عن الوعي..

************************************************

2-  قلب الرحى
-هنيني على المحل، خلي بالك وفتح عينيك، خذ الفلوس قبل أن تمد «السندويتش»
كانت هذه آخر توصيات «المعلم» قبل أن يغادر المحل لأداء صلاة الجمعة، تفكيره مشتت، حركاته مضطربة، ماذا ستكون حجته غدا، سيندس  كالعادة اخر الصف الطويل، وسيدخل محافظا على هدوئه، متمنيا أن يحالفه الحظ ولا تتذكر غيابه في حصة اليوم !
الزبائن يتوافدون على المحل، فالوقت ظهر،وقت غداء، ظل واقفا يعد «السندويتشات»حسب الطلب، ملبيا رغباتهم، حتى انه نسي نفسه، وان يغذيها كبقية الخلق..ولم يتذكر الا عندما احس بمعدته تعتصر،فراح يزدرد قضمات سريعة قبل ان يهل زبون او اكثر..
ساهم، يتذكر أمه، يراها راكبة سيارة الاجرة الى العاصمة،تنزل منها مسرعة، تنتظر الحافلة الصفراء، تاتي متموجة بالخلق، تركبها،تدفع وسطهم دفعا مثقلة بقفتها، ترمي يدها متفقدة حقيبتها الصغيرة التي لبستها تحت ملابسها بعد ان سرقت المرة السابقة، رائحة عرق عطنة تشعرها بالغثيان، تحشر نفسها بينهم طالبة ان يسمحوا لها بالعبور، تنزل على مسافة من المستشفى المبني على مرتفع،تجاهد لاهثة مثقلة بحملها..قلبه يتمزق، ليته كان اكبر سنا، ليعوضها وحتى ان اصرت على الذهاب سيحمل عنها القفة، سيؤنسها، ويخفف عنها حزنها، سيجنبها الوقوف في ذلك الطابور لاستخراج الاوراق، لن يتركها تائهة بين مكاتب المستشفى لتقابل الطبيب المباشر لتسال عن حالته..
اخر مرة عادت منهكة، ارتمت على الاريكة كخرقة، راى صدفة الضميدة الصغيرة على ساعدها، أخفت عليه تبرعها له بالدم لعملية« القسترة »القادمة، اه! لو كان أكبر ! لحل مشاكلها..
سيتبرع له بالدم رغم كل شيء ! لأجل امه فقط، يتذكر منذ سنتين يوم حدثته معلمته اثر زيارة امه لها محاولة اخفاء دهشتها، لا ينسى كلماتها:
-أبوك لا يكرهك، يضربك لمصلحتك، يريد ان يراك ناجحا..
-سيدتي هو يكرهني، لا يعاملني مثل أختي، أحس انه ليس ابي!
يومها أكدت له أنه يحبه لكن قسوته بسبب تربية قاسية تلقاها...وأن يعذره..
اليوم سامحه لأجلها ولأجل امه، لن يخيب ظنهما فيه، سيثبت للجميع حتى ابوه الذي ينعته بالفاشل ان له قيمة ويمكن ان يكون فاعلا..
تشطح الافكار به شطحا، ماذا لو صارح أمه ومعلمته، لحسن حظه أنه يدرس عندها هذه السنة، ستتفهم موقفه وربما ساعدته، «حبل الكذب قصير» كما تقول جدته، الى متى سيظل يكذب :
-خالتي «زكية» أعطتني عشرة دنانير...
- جارنا عمي «الصادق »دس ورقة العشرين في جيبي وهو يحلف...
الى متى !؟وهل هناك حل آخر!؟
هل اتركها تمد يدها للناس!؟ هل أتركها ذليلة !؟ لا..لا..
يحس انه لم يعد صغيرا..يفهم كل شيء!
- ليطردونني من المدرسة، لا يهم، حضوري كعدمه ! أنا ضعيف وراسب..!
لم أعد أهتم هراء...كله هراء...هراء...

************************************************
نصوص  معبرة بفكرتها العميقة  والسرده الجميل والأسلوبه السهل  البسيط 
احسنت اديبتنا المتألقة.. إلى مزيد من التقدم والنجاح ان شاء الله تعالى 

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم