الجنون يجتاح المدينة - قصة قصيرة بقلم الأديب/ مهاب حسين مصطفى - مصر

بقلم الأديب/ مهاب حسين مصطفى
- مصر

تظل القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب ألى الأديب  و القاريء رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..
والقصة القصيرة أختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من أدواته.
*********************
قصة قصيرة
الجنون يجتاح المدينة                    
كنا غرباء‏..‏ عندما تعثرت قدامنا بأحجار الطريق‏..‏ كانت المدينة تلوح بشائرها من بعيد‏,‏ أول من قابلنا علي مشارفها رجال غلاظ‏,‏ يرتدون ملابس متشابهة‏,‏
طلبوا في خشونة إبراز الهويات, فعلنا, دققوا فيها متفحصين ثم مزقوها ودعونا للدخول متمنين لنا السلامة.. بعد عبورنا الحواجز لمحناهم من خلفنا يقهقهون!.
ـ2 ـ
جلسنا علي إحدي الكافيتريات المحلية نتناول إفطارا مكونا من فول وجبن وشاي, دفعنا الفضول لمتابعة التلفاز, أبصرنا علي الشاشة رجال معممين يتبادلون الاتهامات والمذيع بينهم يبتسم في بلاهة, تناثرت الكلمات: البخاري ـ ابن تيمية ـ الشيعة ـ الحرائق ـ الاجتهاد.., ونحن نغادر المكان بعد أن دفعنا الحساب.. كان المعممون يتشابكون بالأيدي وسط وصلات من الردح والسباب!.
ـ3 ـ

إستقللنا سيارة ميكروباص.. من فرط قدمها تطلق دخانا كثيفا وأصوات حشرجة كالموتي, إنطلق السائق بسرعة جنونية يزعق في هيستريا رافعا صوت الكاسيت كدنا نشعر بأن العربة علي وشك التفكك أجزاء من فرط الاهتزاز والسرعة, زعق أحد الركاب مستهجنا, رماه السائق بنظرة باردة, مهددا في حدة:

ـ إخرس وإلا جزيت رقبتك.

ـ4 ـ
استقبلنا صديقنا القديم في منزله القديم.. العقار مكون من أربعة أدوار متهالكة, تتخلله شروخ غائرة تبرز علي الواجهة منذرة.. سألناه, فأجاب:

ـ المنزل آيل للسقوط..

وعندما اعترتنا الدهشة.. عقب بغير اكثراث:

ـ أين نذهب؟.. لو بقي البيت بقينا.. وإن إنهار فلنمت بدلا من التشرد في الشوارع كالقطط والكلاب.

أسرعنا بالمغادرة.. بعد أن إجتزنا البوابة بعدة خطوات إلتفتنا, أبصرناه واقفا في الشرفة ـ وسط الشروخ ـ يلوح لنا مودعا!.

ـ5 ـ
لم نخف إمتعاضنا من منظر الأطفال المشردين يتحلقون حولنا كالذباب, يشحذون في إلحاح, عند الكوبري الشاقق بطن المدينة.. وأضواء الفنادق الفاخرة تبرق من خلفهم بألوان مبهجة.. أحدنا أعطاهم ورقة نقدية كبيرة ليتقاسموها, انتحوا جانبا يتجاذبونها, ثم ما لبثوا أن أخرج كل واحد منهم سلاحا من بين طيات ملابسه مهددا الآخرين, سرعان مابدأت الطعنات تنهال والدماء تسيل والحشرجات تتصاعد, والناس يعبرون الطريق غير عابئين..

 حتي شرطي المرور الواقف بعيدا أدار ظهره, ليفض الاشتباك القائم بين العربات المتصارعة فوق أديم الأسفلت.
ـ6 -

جلسنا علي أحد المقاهي القريبة ساخطين, مال علينا النادل قائلا:

ـ راح زمان السنج والمطاوي والسيوف.
لما تأكد من لفت انتباهنا, أردف:

ـ هذا يابهوات زمن التسجيلات.
فغرنا أفواهنا في دهشة مرددين في لهجة جماعية:

ـ تسجيلات!.

ـ نعم..

- كاميرات قد حبة العدس, تسجيل واحد لشخص, أشخاص, سياسة, كورة, فن لايهم.. تتشير في ثوان علي الفيسبوك, الانستجرام.. بعدها تصبح ملكا يهابك الجميع وتعرفون الباقي بالطبع!.

نظرنا حولنا في ذعر للعمارات الشاهقة, للميادين الواسعة, لدور العبادة للمسرح المضوأة من بعيد شعرنا بأن الكاميرات معلقة في كل مكان والفلاشات منصوبة تضوي بالصوت والصورة, خفنا من تبادل الكلمات حتي بالإيحاءات .
 لم نعرف نمضي أم نمكث, دققنا في جدران المقهي, أسفل الترابيزات, داخل أكواب الشاي.. شعرنا بالعيون ترصدنا والكاميرات متأهبة مزروعة تحت جلودنا, بين أنفاسنا, أتسعت دوائر التصنت حتي شرعنا في خلع ملابسنا نفتشها نمزقها, لعلها مختبئة فيها وفعل مثلنا الجميع..
 ولما تأكدنا من خلوها أخذنا نتراقص جميعا في فرحة وزهو وشعور بالنجاة يتملكنا.. رغم أننا بلا ملابس.. بلا مكان محدد نقصده.. وأيضا بلا هوية.

  " هل من أراء .. لو أعجبتكم أيها الأصدقاء ."
**********************
أديب قدير متمكن ونص مكتوب بعناية وحنكة أدبية لا تخفى عن القاريء أو الناقد .. موفق دائما ان شاء الله تعالى..

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم