بعث - قراءة نقدية بقلم الأديب/ المصطفى الصغوسي - المغرب

قراءة نقدية- بقلم الأديب/ المصطفى الصغوسي
- المغرب


قصة قصيرة جدا بقلم الأديب
مهاب حسين مصطفى - مصر


نعلم جميعا أن القراءة النقدية عملية قراءة نشطة وأعمق وأكثر تعقيدًا في التعامل مع النصوص  و هى عملية تحليل وتفسير لخبايا النصوص وإظهار مواطن القوة والجمال وكذلك مواطن الضعف في النص ليستفيد منه الكاتب والقاريء
وهكذا يكون النقد مهما للكاتب والقاريء
المهم أن يكون النقد بناء ويساعد الجميع بنظرة فاحصة عميقة راقية للنص
وأن يتقبل الكاتب وجهة نظر الناقد بصدر رحب ..
ليستفيد الجميع ..
إلى هذه القراءة الجميلة في هذا النص الرائع
**************
أولا النص :
بعْث
    نبشوا الْقَبْرَ، نفخوا في الرّفاتِ، ضخّوا الدّمَ في عروقهِ . نَفْض النُّعَاسَ، استقامَ في شممٍ، فاضوا بالأناشيد، سجدوا آملين،
حرّكَ قدميهِ ... داسَ أعناقهمْ .
------------
القراءة :
  يعتبر أدب القص القصير فن التكثيف والإيحاء بامتياز، وهو من هذا المنظور مطالب بوضع الكلمة المناسبة في مكانها، وشحنها بما يتطلب سياق الحكي ومسار الأحداث بالدلالات المناسبة التي تخدم مقصدية النص ورسالته.
العنوان:
والتكثيف يبدأ من أولى عتبات النص، من عنوانه الذي جاء في في كلمة واحدة نكرة، هي خبر لمبتدإ محذوف تقديره هو أو هذا، جملة إسمية دالة على السكون والاستدامة: هو بعث دائم متكرر متجدد. والسؤال هو ماهو هذا البعث؟ أو لم هذا البعث؟، بعث من؟ ...
إن تعدد الأسئلة التي يثيرها العنوان هو دليل على مدى نجاحه واستدرار لقراءة النص، بحثا عن إجابات.
إن كلمة البعث في الموروث الثقافي، تحيل على إعادة نفخ الروح في الرميم تمهيدا لبدء الحساب والجزاء، إحالة على الماضي وإطلاق لعملية استرجاعه/فلاش باك، مع التذكير بالأخطاء المرتكبة وتصحيح مترتباتها من طرف خالق قادر مسيطر عادل، فكيف سيتم ذلك في النص؟ وهل للقائم بعملية البعث هنا القدرات على ذلك؟
قراة في المتن:
على المستوى الفني والجمالي:
       استحق نص بعث، انتماءه لجنس القص القصير جدا ودلك بفضل استخدامه للغة سردية تضمر أكثر مما تظهر، وتوحي أكثر مما تبوح متوسلة لتحقيق ذلك، بالدعامات الفنية التالية:
١_ جمل فعلية دالة على الحركية والسيرورة استطاعت أن تخلق ذلك التقابل الجمالي مع الجملة الإسمية/ العنوان: فجاء المتن عبارة عن متوالية سردية خاضعة لتسلسل له منطقه الخاص، قبل أن تتكسر هذه المتوالية بالقفلة المفارقة: نبشوا، نفخوا، ضخوا، ...وهي أفعال تدل على الحركة.
٢_ تقابل الضمائر وتبادلها لدوري الفاعلية والمفعولية الدلالية، خاصة ضمير واو الجماعة وضمير الغائب، حيث عمل هذا التقابل على إغناء الإيحاء اللغوي وخلق نوعا من التدافع والصراع الذي هو جوهر السرد وأسه: الجماعة والواحد( وسنعود لهذه النقطة عند تحليل الجانب المضموني للنص).
٣_ القفلة: تعتبر القفلة في القص القصير جدا ركنا أساسا في البناء الجمالي للنص، وهي مناط نجاحه لكونها آخر ما يقع في ذهن المتلقي، والنصوص الناجحة هي التي تجعل قفلتها تدفع بالمتلقي إلى أن يقول: لم أفكر بهذا، بدلا من أن يقول هذا شيئ منطقي ومنتظر. ومن هذه الزاوية استطاع النص أن يباغت المتلقي بقفلة جاءت ضد تيار الحكي ومسار السرد، فبعد أن شيد صاحب النص مسارا من الأيادي البيضاء تجاه المبعوث، نجد القفلة تجعل جزاء الإحسان لإساءة ودوس الأعناق.
على مستوى المضمون والدلالة:
       جاء النص حاملا لرسالة مرتبطا بواقع صادم حد الإيلام: فالبعث والانبعاث هو ولادة جديدة تمنح فرصة لتجاوز الأخطاء وتصحيح المسار من أجل انطلاقة جديدة، أو هو، كما في الأدبيات العربية الحديثة، حركة تصحيحية تروم إحياء نموذج ناجح أو استلهام تجربة رائدة تعوض إخفاقات الحاضر. وهذا ما نجح العنوان في رسمه في ذهن المتلقي، وعضدته في ذلك الجمل الأولى من النص، حين قدمت لنا المجهود الكبير والمكابدة في النبش، والنفخ والضخ. مجهود كبير ومكابدة اتحدت فيها القوى وانسجمت الرؤى والأهداف( وهو حلم بخل به علينا واقع التشرذم والتفتت واختلاف المنطلقات الذي نعيشه بوصفنا شعوبا عربية تنتظر البعث والخلاص).لكن القفلة تعيد تذكيرنا بإخفاقاتنا المتكررة على هذا المستوى، نبحث عن انطلاقة جديدة لكن عبر إحياء نموذج مهترئ هو السبب في واقعهم المزري. نموذج يذكرنا بحكام صنعنا منهم ما هم عليه، ونصبنا لهم تماثيل تفزعنا حتى بعد موتهم، ورفدنا قوتهم بضعفنا وخنوعنا(استقام في شمم/ فاضوا بالأناشيد)، جعلنا منهم آلهة( سجدوا آملين)، وحكمناهم في أقواتنا ومصائرنا وأرواحنا،( فداسوا أعناقنا). إن بعثنا هو تكرار لولاداتنا المعطوبة، وبحثنا المعطوب عن مخرج من واقع مأزوم( فكنا بطلا إشكاليا يبحث عن قيم أصيلة في واقع متدهور وبطريقة متدهورة).
      بعض الملاحظات التي لا تقلل من جودة النص:
     وجود بعض الترهلات التي تعتبر حشوا يمك استئصاله، ومثال ذلك:
_ ضخوا الدم، فالنفخ هو عودة الروح في الجسد، وهذا يفوق ضخ الدم في العروق ويتضمنه.
_ نفض النعاس تغنينا عنها جملتا نبشوا القبر ونفخوا في الرفات.
_ حرك قدميه تغنينا عنها جملة داس أعناقهم، لأن الدوس يكون بالأقدام المتحركة.
***************
قراءة عميقة ورائعة  لنص اديبنا القدير الأستاذ مهاب حسين مصطفى ..
لأديبنا القدير الناقد الاستاذ المصطفى الصغوسي  .. وقد غاصفي أعماق النص بحرفية عالية وقدر راقية على اكتشاف جماليات النص وخباياه  ..
بارك الله فيكم أيها المبدعون .. بالتوفيق والنجاح الدائم ان شاء الله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم