جذور - قصة قصيرة بقلم الأديب/ ايمن حسين السعيد سوريا

بقلم الأديب/ ايمن حسين السعيد
سوريا



مقدمة: 
تظل القصة القصيرة هي اللون الأدبي المحبب ألى الأديب  و القاريء رغم أنه لا يبدع  في كتابته الا الأديب المتمكن ..
والقصة القصيرة أختصارا هي سرد حكائي مكثف ،يهدف إلى تقديم حدث وحيد،ضمن مدة قصيرة ،ومكان محدود، تعبيرا  عن موقف أو جانب من  الحياة، و يجب أن تكون مكتوبة بشكل عميق كما أنها  لا تتسع في الغالب إلا لشخصية واحدة أو شخصيتين ،وتعتمد على براعة الأديب في رسم عوالم الشخصية في تلك المساحة الزمنية والمكانية المحدودة ، إذن ليخرج ألينا النص بصورة جميلة يتوقف ذلك على براعة الأديب وتمكنه من 
أدواته

************************************************
جذور
كان الباب ثقيلا على يديها وله صرير مزعج يثير القشعريرة في البدن لتأكسد فصالاته بالصدأ وافتقارها للزيت، كعادة أبواب القرية التي صنعت من الحديد والمتشابهة في رسومها وطولها وعرضها والمختلفة في ألوان طلائها، لكنها جميعا لها ثقوب في كل مكان تكثر او تقل من باب لباب حسب توجه رصاصات سابقة من أثر ما حل في القرية من كر وفر مابين الجيش والمتمردين.
تغلق الباب ببطء  ربما لثقله أو أن عزمها في عمرها قد أصابه الوهن.
مع شروق الشمس تسير في الطريق الذي اعتادت السير عليه منذ ثلاث سنوات، وهي تتمتم بأدعيتها منذ فرغت من صلاة الفجر.
حتى لا تجد فراغا فكريا، فتنصرف إلى مخيلتها فتأخذها إلى الماضي القريب، لم تكن تخاف من أن يعترضها في الطريق شيء يصرفها عن ذلك المشوار، فهي تعرفه خطوة خطوة .
وتكاد تفتقد حصاة او حجرا إذا تحرك من موضعه.
فالمارة في هذا الوقت قليلون جدا ولا يوجد في القرية من أهلها إلا القليل لاستيلاء المتمردين عليها وانسحاب الجيش منها،ولكنها أخذت تحس في الأسبوعين الماضيين  بثقل البيدونة المملوءة بالماء التي تحملها باليد اليمنى، تلك البيدونة او العبوة البلاستيكية التي تسع خمس لترات من الماء أصبحت على غير عادتها تحسها ثقيلة فتنقلها إلى اليد اليسرى فيستحوذ هذا الأمر على قسم من تفكيرها ، فيصرفها لبعض الوقت عن خيالاتها  الخصبة، ولكنها اعتادت الأمر وأخذت تنقله من غير تفكير أكثر من مرة وهي في الطريق .
كانت تدرك أن هذا دليل الشيخوخة والهرم، ولكنها سرعان ماتهرب من هذه الفكرة المقيتة لتعيش في عالم شبابها وعزها وعنفوانها.
كانت المقبرة بعيدة بعض الشيء عن البيت وتقع في منطقة عالية من الجهة الشرقية للقرية في كرم للزيتون، وقطع هذه المسافة لامرأة عجوز يستغرق وقتا غير قصير، وقتا كافيا لتستذكر الماضي الجميييل السعيد في الخوالي من أيام الصبا.
فأبو محمد رجل جدير بأن تزور قبره كل يوم، رغم وجود المخاطر من قصف من هنا اوهناك أو رصاصات طائشة من متمردين بعمر الخامسة عشر من عمرهم أو السادسة عشر .
فهي لا تذكر شخصا كان الناس يحترمون مثله، ويستمعون إلى رأيه ويأخذون بمشورته.
كان المترددون على البيت لا يكادون يتركونه ليلة واحدة.
يجلس فيها معهم ومع الأولاد، كانوا يزعجونها إذا ما جاءوا يطلبونه إلى مضافة القرية لحل المشاكل التي تحصل في القرية أو القرى المجاورة.
وعندما يعود كانت البهجة تبدو على محياه،فيقص عليها ويخبرها بأن المشكلة مابين فلان وفلان قد انتهت والحمد لله وكان كثيرا مايدفع من جيبه ليصلح الأمور بين الناس، وعندما سافر إلى الحجاز لتأدية فريضة الحج وغاب شهرا كاملا عن القرية، حدثت حادثة قتل وقالت لها أم علي أن الحادثة ماكانت لتقع لولا غياب (أبو محمد)
كان يملأ عليها البيت بهيبته ورجوليته وجلال قدره وبهاء شخصه،لم يكونوا في تلك الأيام بحاجة إلى البونات أو البطاقة التموينية أو إلى أي إنسان، بل إن الله سبحانه وتعالى كان رؤوفا به فاختاره إلى جواره.
قبل أن يعرف هذه اللعنة التي يسمونها المعونة، فرزقهم من أشجار الزيتون والأراضي البعلة، كانت كافية ليعيشون من ريعها في عيش رغيد هانىء.
كانت تنهض كعادتها باكرا مع الفجر  فتعد الفطور وتوقظ الأولاد الخمسة وأباهم، فيتناولون فطورهم مع الشاي والخبز المخبوز من القمح الخالص، وكان الرجال يذهبون إلى وظائفهم وجامعاتهم أما أبو محمد فيشغل نفسه بمستلزمات رزقه من حراثة وبذار وتقليم حسب مايكون أوانها من الوقت في السنة ويساعده أولاده الشبان الثلاث محمد وحسين وحسن في تلك الأمور أيام عطلهم او بعد مجيئهم من أعمالهم
أما البنتين زهور وغصون فكن يدرسن أيضا .
في ثانوية القرية أما هي فكانت تمكث في البيت تقوم  بوضع العلف للغنمات والدجاجات في غرفة من ضمن البيت ولكن يفصل مابينها وبين البيت حديقة أو حاكورة فيها كل ماتشتهي العين والنفس من عرائش عنب وياسمين وورود وليمون وبرتقال يوسف أفندي وإكي دنيا ورمان ومنغا وكريفون ومشمش وخوخ كل ماتشتهي العين والنفس في هذه الحديقة وكانت أم محمد دائمة الحرص والرعاية لحديقة المنزل وتقوم بزرعها شتاء بالخس والبصل والنعناع والبقدونس وصيفا بالطماطم والفليلفلة والباذنجان..وتعادل مساحة الحديقة مايقارب نصف دونم منظمة بطريقة جميييلة.هذا بالإضافة إلى انشغالها بوجبة الطعام التالية.
كان يساعدها دائما ويظهر لها من العطف ما لا تستطيع أن تنساه فقد حاولت ذات يوم أن تساعد ابنتيها في نقل السماد ولكنه أقسم عليها أن لاتفعل ذلك ولم يكن يتركها تجهد نفسها إذا كان موجودا مع أولادهم.
كانت تشعر أنه ليس زوجا وحسب بل الأب الحنون والأم الرؤوم والمعلم المخلص المتفاني.
كان إذا جلس إليهم في المساء وقل أن تطول سهرته وجلسته يحدثهم بأحاديثه الشيقة الشهية وكان يناديهم ب"يا أولاد" وهي تعرف أنه يشملها بهذا النداء.
كان صوته بالنسبة لها رصينا جهوريا أجمل وأعذب ما يطرق السمع فهو رغم خشونته يفيض بالحنان.
كانت زهور في العاشرة من عمرها عندما مدت أناملها الطرية اللينة وقطفت زهرة من زهور الليمون المتفتحة في حديقة المنزل آنذاك.
وإذ به ينطلق بحديث طويل عن قيمة الأشجار وزهور الأشجار، وعرف من لم يكن يعرف بأنهم جميعا مرتبطون بأشجار الزيتون والبرتقال والليمون وكل شجرة مزهرة في أرضهم وحديقة منزلهم فزهور الأشجار هي ثمار في أول الطريق وأنهم يأكلون ويشربون بفضل هذه الزهور أو هذه الثمار، وأن الواجب عليهم هو الحرص والعناية بكل ورقة وكل ثمرة ،كان يدخل في أذهانهم رحمه الله  أنهم من الأشجار وأن علاقتهم بها أكثر مما يظنون وكان يندفع في شتى المناسبات في أحاديث طويلة مختلفة عن هذا الموضوع باسلوب منسجم لا تستطيع استعادته الآن.
ولكنهم جميعا كانوا يفهمون مايريد أن يقول ويوصله إليهم فلم يكن يكتفي بالتشبيهات بينهم وبين الأشجار بل كان يقول لهم أن لهم جذورا كجذور الأشجار لا تمتد إلى باطن الأرض فقط بل إلى الآباء والأجداد وإلى أهل القرية وكان يقول أيضا: أن الإنسان إذا ما اقتلع من جذوره يذوي ويموت كالأشجار تماما.
وبعد أن قتل المتمردون ابنيه محمد وحسن بحجة عدم انشقاقهم عن الدولة وماتت ابنته غصون برصاصة طائشة في معركة نشبت مابين الجيش والمتمردون على الدولة  في قرية زوجها غير البعيدة عن القرية وبعد أن  قتلت زهور برصاصة في رأسها في معركة اخرى هاجم فيها المتمردون القرية بينما هي على السطح في منزل زوجها تنشر الغسيل وبعد هذا كله اضطر أبو محمد أن يلزم بيته لأن جسمه ماعاد يستطيع أن يحمل تلك المصائب التي تتالت تباعا عليه  فخارت عزيمته وتهاوت.
إحساس غريب كان يطبق على صدره ويسري إلى لوحة الكتف الأيسر ثم يشده مما تحت الترقوة فيحسب أن عذاب الدنيا والآخرة قد تجمع دفعة واحدة واستوطن أضلاعه كان يحاول أن ينهض من فراشه ولكن  الموت أوقف ماتبقى له من عزم.
لم تنس أم محمد عندما قام المتمردون بإجبارهم جميعا على التوجه شمالا رغما عنهم لأن معركة ستدور مابينهم وبين الجيش وبحجة الحرص على سلامتهم رحلوا مرغمين كما غيرهم ممن رحل من أهل القرية بمتاعهم القليل حيث وضعوهم في سيارة الشحن على الرغم منهم ومن عناده حيث كان يصيح بهم غاضبا :دعوني أنا لا أترك جذوري أنا لا أترك جذوري دعوني أموت في منزلي ولكن أحد المتمردين المقنعين ردعليه: كفاك تخريفا.
وعندما استولوا على القرية بعد انسحاب الجيش كم كانت صدمتهما كبيرة عندما وجدوا بيتهم شبه مسروق بالكامل من قبلهم بحجة أنه وأولاده موالون للدولة ومع ذلك قال لها : يكفيني أن أنام تحت ظل هذه الكريفونة ولن أغادر منزلي بعد الآن مهما حصل.
ووصلت المقبرة وسارت بين القبور التي تظللها أغصان أشجار الزيتون و المتماثلة في الطريق المعتاد مابينها أكوام مستطيلة من التراب بعضها عليها شاهدة محطمة مكسورة بأيدي المتمردين المتشددين بحجة أن الشاهدة بدعة وبعضها لايوجد عليه شاهدة بل وضع على طرف كل كومة حجرا ليدل على اتجاه رأس الميت الموجود والقاطن في القبر.
ومعظم هذه الأحجار قد زلقت عن مواضعها او فقد بعضه بأيد عابثة هي أيدي هؤلاء المتمردين المتشددين.
ماهي إلا بضع سنوات  وبضع زخات من المطر حتى تسوى الأكوام بالأرض فلا يعود لها أثر.
غير أن قبر أبو محمد كان على قدر كبير من من العناية فكومة ترابه ظاهرة وعليها ثلاثة أحجار وأكبرها عند الرأس الذي ثبت في الكومة بالطين.وكان خلف الرأس حفرة صغيرة تميزه عن جميع القبور وتعرف تماما الزيتونة التي ترخي بأغصانها على القبر حيث كان جذع هذه الزيتونة أكبر جذع من بين جذوع الزيتونات الموجودة في المقبرة حيث أول شيء تقوم به هو رش هذا الجذع بيدها اليمنى ثم صب معظم مافي بيدون الماء عليه.
وأبقت فيه شيئا قليلا أخذت تصب منه في راحة يدها اليسرى وتنثره من يدها رذاذا على كومة التراب.
ثم جلست القرفصاء متجهة إلى كتفي القبر، وراحت تقرأ الفاتحة وتدعو له بالرحمة وبأن يريحه الله في آخرته كما أراحها في دنياها.
بعد ان أنهت مهمتهاومسحت وجهها براحتيها وقفت وألقت نظرة على الشجرة تبتسم ابتسامة فيها الرضا فظل أغصانها المرخية يدفع عن نفسه المسكينة لظى الشمس والحر المحرق اللافح.
وسر ابتسامتها أن الله سبحانه وتعالى قد استجاب دعاؤه طيلة حياته وهو يدعو به: اللهم مقدر الأقدار في لوحك المحفوظ اجعلني من عبادك الصالحين الأبرار ولا تقتلعني من جذوري أبدا، اللهم أغثني برحمتك ماحييت و وأعوذ بك من عذاب القبر واختر لي الراحة التي ترضاها.
كانت عيناه دائما ساهمتين في شجرةالكريفون التي ينام تحتها صيفا فوالدته رحمها الله هي من قامت بغرسها في حديقة منزله عندما تزوج منها فكان دائما يحب الجلوس تحت أغصانها المتدلية على بلاطة البيت التي كانت أبوابه المؤدية إلى الصالون والمضافة تستقبل الجهة الغربية حيث الهواء يكون عليلا.
وعندما كانت تقدم له الطعام كان يعافه ويقول " الماء الماء اسعفوني بالماء الأشجار المجتثة لا تأكل  بل هي بحاجة إلى الرطوبة لكي يزول عنها ألم الجفاف.
في أيامه الأخيرة كانت تنتابه حالات إغماءيفقد فيهاوعيه من أثر ما ألم به وخاصة بعد أن غادره ابنه الوحيد حسين   الذي بقي حيا من أولاده فالجميع غادر حتى أحفاده من ولديه محمد وحسن وأزواج بناته وأحفاده من بناته زهور وغصون إلى ألمانيا بسبب هذه الحرب الملعونة.
وكان يصحو فيسألها كيف لهؤلاء الذين غادروا وتركوا القرية كيف هؤلاء لم يحافظوا على وطنهم وجذورهم !!! الجذور السليمة يقوم عليها الشجر المثمر السليم.
أشياء كثيرة وكثيرة تلك التي كان يهرف بها حتى فاضت روحه إلى بارئها.
وهي بدورها لم تقصر في حقه وواجباته حتى بعد مماته.
وكانت قد وصلت إلى باب المنزل الحديدي ففتحته وأغلقته غير مكترثة لما يصدر عنه من صرير مزعج لأنها في مخيلتها أن الجميع مازالوا في البيت وتريد أن توقظهم كعادتها منذ خمس وأربعين سنة.
كان أهل القرية يحترمونها ولا يتركونها وخاصة أقاربها المسنين الذين كانوا بين الفينة والاخرى يترددون عليها ويتفقدونها إلى أن أعلنوا عبر مكبرات صوت المسجد عن وفاتها وشارك جمع غفير من أهل القرية في تشييع جثمانها إلى مثواها الأخير حيث كان رأس قبرها عند قدمي قبر زوجها الآن أصبح القبران متماثلين في كل شيء ولكن غصنا من أغصان شجرة الزيتون المدفون تحتها أبو محمد ومن جهته قد استطال مستقيما تماما وبشكل مثير للدهشة مظللا قبريهم.

************************************************
أبدع الكاتب في هذا النص بأسلوب جميل مبسط يستطيع القاريء متابعته إلى نهايته دون ملل .. ابدعت اديبنا القدير .. بالتوفيق دائما ان شاء الله تعالى.

0/أكتب تعليق

أحدث أقدم